قراءة سياسية في منتدى حوار مشبوه

رابح لونيسي
2019 / 7 / 9

قراءة سياسية في منتدى حوار مشبوه

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-


يجب علينا منذ البداية أن يعلم المتابعون للثورة السلمية في الجزائر التي أنطلقت في 22فيفري2019 والمطالبة بتغيير جذري للنظام القائم، بأنها تعاني من تشويه ومحاولة ركوبها وتحريفها وقمع ممنهج للناشطين فيها وطمس إعلامي كبير على المستوى المحلي والعالمي، مما يدل على أن ليست فقط السلطة ضدها، بل حتى دول عالمية واقليمية سواء كانت غربية أو عربية، فهي تخشى من نظام ديمقراطي يدافع عن مصالح الشعب ويجعله المقرر في كل علاقاته مع هذه الدول، كما تخشى دول عربية من إنتقالها إلى شعوب هذه الدول التواقة للحرية والعدالة. أن كل وسائل الإعلام تقريبا مغلوقة في وجه السياسيين والمثقفين الداعين إلى تغيير جذري للنظام والمتماهين مع مطالب الشعب الجزائري، لكن ما يؤسف له عندما يقوم منتدى الحوار الوطني الذي أنعقد في 06جويلية2019 بنفس العمل، فأقصى كل المناضلين والمثقفين الداعين لذلك والمعروفون بنضالاتهم وتعرضهم للقمع منذ سنوات وللتشويه عبر مواقع التواصل الإجتماعي. يدل موقف المنتدى من كل هؤلاء المعارضين الحقيقيين للنظام على أن قائمة المشاركين فيه قد حددت من طرف السلطة، فبغض النظر عن بعض الصادقين المشاركين في المنتدى بحسن نية، فإننا نجد غلبة التيار الإسلامي في هذا المنتدى وعناصر كانت في النظام من قبل، ولا يهم بعضهم إلا التخلص من بوتفليقة فقط الذي همشهم دون أي تغيير فعلي للنظام، ونجد الكثير من المختفين في أحزاب المولاة، بل الداعمين لكل عهد بوتفليقة دون أن ننسى إنتهازيين أرادوا ركوب الموجة، وهم لم يعارضوا يوما هذا النظام، كما شارك فيه للأسف الشديد أناس معروفون بتوجهاتهم العنصرية والتكفيرية، فهل من المعقول أن يلقي تكفيري كلمة في المنتدى بإسم شباب الحراك، وهو أصلا معاد له؟، فهل فوضوه هؤلاء فعلا لذلك أم يريد القائمون على المنتدى إيهام الرأي العام عالميا بأن الحراك وراءه أشباه إرهابيين لكسب الدعم العالمي للنظام؟، وهو غير صحيح تماما، بل بالعكس فالمتطرفين الدينيين لاوجود لهم في الحراك، فهم يقودون حملة ضده، وأصدروا عدة فتاوي دينية تحرمه.
لانجد إختلاف كبير إن لم يكن معدوما بين ما طرحه منتدى الحوار الوطني وما تطرحه السلطة، ويبدو أن المنتدى قد فوض من السلطة لطرح مبادرتها، خاصة أن بن صالح في خطابه يوم 03جويلية قال بأن الدولة ستبتعد، ولن تشارك في الحوار، فهل معناه فوضت المنتدى للحديث بإسمها دون الإعلان عن ذلك، فلنشير إلى صدور بيان بإسمه يتحدث فقط عن الرئاسيات ضاربا عرض الحائط ما سمي ب"أرضية عين البنيان" التي يمكن التفاوض حولها، والتي قرأت فقط بعد ذهاب الجميع، فهدف الحضور الكبير الذين أغلبهم من المطبلين لبوتفليقة هو تزكية هذا البيان الآتي من السلطة، وهو ما أثار لغطا وإتهامات متبادلة بين المشاركين في المنتدى بعد يوم من إنعقاده، مما يدل على توظيف المنتدى من السلطة بمساعدة الكثير من أطرافه، خاصة أن من أشد العناصر المؤثرة في المنتدى، نجد الإخواني مقري الذي تعرض لضغط بحكم لقاءاته مع سعيد بوتفليقة بهدف الترويج للتمديد لحكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وهو ما يمكن أن يعرضه للإعتقال، فهل كي لايقع في ذلك أصبح ينفذ أجندة السلطة بحذافيرها؟، فقد تحول بعض الحمسيين للأسف الشديد إلى معول هدم وتفتيت للحراك في الكثير من المدن الجزائرية، وما يؤسف له عندما يمحى مطلب إطلاق سجناء الرأي من وثيقة عين البنيان، ثم يأتي قيادي في حمس يتبنى بشكل علني البيان المشكوك في مصدره، ثم يبرر بشكل غير مباشر ممارسات قمعية، وذلك في رد له على سؤال صحفي إحدى الفضائيات فيديو تداولته وسائط الإتصال الإجتماعي يظهر فيه تعرض متظاهرين عزل لضرب عنيف من بعض أفراد الشرطة، وهي القضية الخطيرة التي فتحت حولها مديرية الأمن الوطني تحقيقا، فلنذكر إخوان الجزائر بما وقع لإخوان مصر بعد ما ساعدوا النظام بأساليب ملتوية في الإلتفاف على شباب الثورة في ميدان التحرير المطالبون بتغيير جذري للنظام في مصر عن طريق مسار تأسيسي.
نسجل بأن منتدى الحوار الوطني لايختلف كثيرا عن الحوارات التي أجرتها السلطة في 1994 لإجهاض دعوات ونضالات قادة الثورة الكبار كآيت أحمد وبن بلة ومهري وغيرهم من أجل حوار جدي وفعلي لإيقاف العنف ونقل الجزائر إلى نظام جديد، فقد كانت حمس عنصرا فاعلا في الحوارات التي نظمتها السلطة آنذاك، فقد أفرز هذا الحوار الشكلي الكثير من عناصر الطبقة السياسية الحاكمة التي دعمت النظام ثم بوتفليقة طيلة 20سنة، والكثير منها دخلت السجون اليوم بسبب الفساد، كما كانت وراء تشكيل حزب الأرندي، إضافة إلى مناضلي آفالان آنذاك التي أطاحت بمهري فيما بعد، فلايستغرب المواطن الجزائري إن فشل الحراك أن يجد بعد سنين الكثير من المشاركين في منتدى الحوار ملعونين من الشعب بحكم فسادهم وتطبيلهم للحاكم الجديد للجزائر الذي سينتخب حسب ورقة الطريق التي تروج لها السلطة منذ تنحية بوتفليقة، فإن فشل الحراك، سيعاد تشكيل التحالف الرئاسي السابق الذي تكون في 1997 بين الافالان والآرندي وحمس، والذي دعم بوتفليقة في كل عهداته، وكان وراء التمديد له بتعديل الدستورفي 2008، فهناك نية اليوم للإلتفاف على الحراك الشعبي وإعادة تأسيس نفس التحالف بوجوه جديدة وبأحزاب السلطة الآفالان والآرندي بعد إبراز طبقتها السياسية الإحتياطية التي شاركت بقوة في هذا المنتدى بمسميات وغطاءات شتى، إضافة إلى إسلاميين، ومنهم حمس التي تعودت على الوقوف مع النظام تحت عدة مبررات، وتساهم بشكل كبير في إنقاذه مقابل إستفادة قياداته من ريوعه، وتبقى الجزائر بذلك تدور في حلقة مفرغة، كما كانت تدور من قبل، وهو ما يتطلب اليوم تجنيدا فعليا لإنجاح الحراك ولإجهاض كل مناورات السلطة وتوابعها الذين يعملون لسرقته، فليعلن صراحة بأن المنتدي يتحدث بإسم السلطة، فيدخل بناء على ذلك في تفاوض مع الحراك الشعبي بدل الحديث بإسمه، وهو لاعلاقة له به، كما يجب على المنتدى أن يدخل في تفاوض مع البديل الديمقراطي الذي يضم أحزابا وطنية يسارية ولبيرالية، وتطالب بتغيير جذري للنظام عبر مسار تأسيسي يعيد بناء الدولة وإقامة جمهورية جديدة ديمقراطية وإجتماعية حسب نداء نوفمبر، إضافة إلى تطبيق مبدأ أرضية الصومام "أولوية السياسي على العسكري"، وهو ما يعبر عنه الشعب في حراكه ب"دولة مدنية لاعسكرية"، وبتعبير آخر إبعاد أي دور للجيش في الحياة السياسية وتعيين الرئيس وكل المسؤولين، فبسبب هذا المبدأ تتهجم تيارات تابعة للسلطة وذباب إلكتروني على أرضية الصومام.
يذهب الرافضون للمجلس التأسيسي إلى القول، بأنه يمكن أن يضيع الوقت كثيرا، وممكن أن تطرح مسائل هوياتية أو إعادة النظر في بعض أسس المجتمع الجزائري، ولو أن ذلك غير صحيح إطلاقا، بل مجرد دعايات وأوهام لإبعاد هذا الطرح، لأن معناه في الأخير إنهاء النظام الحالي وإستبداله بنظام جديد مبني على دستور نابع من الشعب لأول مرة في تاريخ الجزائر، ولتقريب الفجوة بين الطرحين، فإنه بإمكان إيجاد أرضية إتفاق بين المنتدى والبديل الديمقراطي وكذلك منظمات المجتمع المدني وكنفدرالية النقابات المستقلة التي لها وثيقة أيضا منبثقة عن إجتماعها يوم 24جوان2019 والتي أهملها منتدى الحوار الوطني والنظام وإعلامه، وستتمثل أرضية الإتفاق بين الأطراف الثلاثة في التوصل ثم التوقيع على عقد وطني بين كل الأطراف ملزم للجميع تحت حماية الجيش والحراك الشعبي الذي يجب أن يبقى متأهبا حتى يحقق كل مطالبه. أن التوصل إلى عقد وطني ملزم للجميع، إضافة إلى الإتفاق على خطوات ومراحل محددة لتغيير النظام يلتزم بها الرئيس المنتخب الجديد هو كفيل بحل الإشكال شريطة قبول ذلك من الحراك الشعبي الذي يبقى هو السيد رغم انه لايمتلك ممثلين، ويعبر عن ذلك من خلال إستفتاءاته التي يدلي بها كل جمعة، فالفائدة من كل ذلك هو الضمانات، لأنه ولو زورت الرئاسيات، فإن الرئيس الجديد سيكون ملزم بتنفيذ كل ما أتفق عليه، شريطة إبقاء الحراك الشعبي حيا ومجندا للضغط من أجل تحقيق أهدافه كاملة في تغيير جذري للنظام.
يلاحظ المتتبع للحراك الجزائري بأن الشعب يرفع شعار"يتنحاو قاع"، أي يذهبون كلهم، والذي أخذ صدى عالمي، لكن تعتبره السلطة أنه تعجيزي، وحرفه آخرون عمدا بأنه دعوة لتحطيم الدولة وإفراغها من إطاراتها. نعتقد أن هذا الشعار هو أهم ما رفعه الحراك، ويقصد به تنحية كل المسؤولين عن ما وصلت إليه الجزائر، لكن كيف يتحقق ذلك عمليا؟. نعلم جميعا بأن في الجزائر يتم إنتخاب الرئيس بعد ما تختاره مجموعة أفراد أقوياء، خاصة داخل الجيش، ثم يزرورن له الإنتخابات، فهذا الرئيس يمتلك صلاحيات أمبرطور، فيقوم بتعيين كل المسؤولين، بل وصل بوتفليقة حتى إلى درجة تعيين الأمناء العامين للبلديات بمراسيم، وعادة ما يعين هؤلاء بتأثير أطراف مالية وعسكرية نافذة، ويتم على أساس الولاءات والجهوية، وليس الكفاءة والنزاهة، وهو ما كان سببا في سوء التسيير في كل المجالات، مما أضر بحياة الجزائريين، ولهذا نرى ضرورة العودة إلى مبدأ أساسي، يجب أن يكون شرطا لأي تغيير، وهو إنتخاب كل المسؤولين من أبسط مؤسسة إلى أعلاها، وطبعا وفق شروط الترشح للمناصب، فهذه العملية لايمكن تزويرها لأنها تتم داخل المؤسسات، والجميع يعرف الموظفين فيها، ويعرفون كلهم بعضهم بعضا، مما يعب عملية تزوير الإنتخابات، فبهذا الشكل يتم تطهير الدولة من مسؤولين ينتمون إلى مايسمى بالدولة العميقة، والذين بإمكانهم عرقلة أي رئيس جديد منتخب شعبيا، فهذا ماوقع في تونس، لأن أبسط مسؤول يمكن أن يعرقل السير الحسن لحياة المواطنين لإثارتهم ضد الرئيس المنتخب شعبيا كمنطلق للقيام بالثورة المضادة وإعادة النظام القديم، فبإنتخاب كل المسؤولين في كل المستويات والمؤسسات من أبسطها إلى أعلاها يتم تطهير الدولة من الرديئين والغير نزيهين الذين تم تعيينهم من الفوق من قبل، وليس من القاعدة، فحتى الحكومة يجب إنتخابها كلها ضمن قائمة تضم الرئيس بكل وزرائه أثناء الرئاسيات ، فيضطر الرئيس المترشح على وضع النزهاء والاكفاء في قائمة حكومته كي ينتخب عليه الشعب، إضافة إلى برنامجه الإنتخابي، فمن غير المعقول إنتخاب رئيس ثم نترك له الحرية أن يفعل مايريد، ويعين من يريد من وزراء ومسؤولين، أن قضية الإنتخاب على قائمة السلطة التنفيذية كاملة، قد سبق أن طرحناها في النظام البديل الذي حددناه في كتابي "النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-" و"ربيع جزائري لمواجهة دمار عربي" أين أسسنا نظريا لنظام سياسي وإقتصادي جديد بناء على نقد النظم السياسية القائمة وقراءة مستفيضة لتطورات الفكر السياسي العالمي، وقد أعطينا بإختصار بعض معالمه في مقالتنا المنشورة في الحوار المتمدن بعنوان "أسس جديدة لدولة ديمقراطية وإجتماعية-من أجل نظام سياسي بديل-"، ويمكن العودة إليها في (الحوار المتمدن عدد 6/7/2014).

البروفسور رابح لونيسي