لا تسرقوا فرحة أحد

محمد السعدنى
2019 / 7 / 4

إذا لم تعرف مكان البذور التي بذرتها يوما ما.. سيخبرك المطر أين زرعتها .. لذا أبذر الخير فوق أي أرض وتحت أي سماء ومع أي شخص، فأنت لاتعلم أين تجده ومتى تجده. ازرع جميلاً ولو في غير موضعه، فلن يضيع جميل أينما زرع .. فما أجمل العطاء، فقد تجد جزاءه في الدنيا أو يكون لك ذخراً في الآخرة. لَا تسرق فرحة أحد وَلا تقهر قلب أحد، أعمارنا قصيرة، والبصمة الجميلة تبقى حتى وإن غاب صاحبها. أسعد الله صباحكم.
هكذا جائتنى رسالتها ذات صباح باكر عبر "الواتس"، وكم سعدت أن أستفتح يومى بها، وقررت أن تكون موضوع مقالى لكم. نعم رحلة الحياة على طولها فهى قصيرة، ولكنه محظوظ من جعلها رحلة جميلة، فتخفف فيها من كل الشرور والآثام، ومشى بين الناس بخير، فما أجمل العطاء، ومهما كان بسيطاً فربما كان وقعه لدى الآخرين أكبر مما تتصور وأعمق مما تحسب. وهنا أسوق لك واحدة من الحكايا تذكرتها بينما أعمل تفكيرى فى الرسالة السابقة، وصاحبتها الجميلة التى شبت عن الطوق بينما لا أزال احسبها هذه الطفلة الرقيقة وأنا آخذ بيديها الصغيرة، أحمل عنها شنطة الكتب حيث تدلف من السيارة إلى فناء المدرسة فى سعادة وفرح تسابقها ضفائرها وابتساماتها.
تقول الحكاية: فى أحدى المستشفيات كان هناك مريضان هرمان فى غرفة واحدة، كلاهما متعب مكدود، أحدهما كان مسموحاً له بالجلوس فى سريره لمدة ساعة يومياً بعد العصر، وكان سريره بجانب النافذة الوحيدة فى الغرفة، أما الأخر فكان عليه أن يبقى مستلقياً على ظهره ناظراً إلى السقف. مع طول العشرة، نشأت ألفة وتحدثا معاً عن كل شئ .
وفى كل يوم بعد العصر، كان الأول يجلس فى سريره ينظر إلى النافذة، ويصف لصاحبه العالم خارج الغرفة وحول المستشفى، بينما الآخر ينتظر هذه الساعة لأنها تسرى عنه، وتجعل حياته مفعمة بالحيوية وهو يستمع لوصف صاحبه، ففى الحديقة كانت هناك بحيرة كبيرة يسبح فيها البط، والأولاد صنعوا زوارق من ورق أخذوا يلعبون بها داخل الماء، وهناك رجل يؤجر المراكب الصغيرة للناس يبحرون بها فى البحيرة، وآخرون يمشون على الشاطئ، وهناك من جلسوا فى ظلال الأشجار أو بجانب الزهور ذات الألوان الجميلة، ومنظر السماء كان بديعاً يسر الناظرين. وفيما يقوم الأول بعملية الوصف هذه ينصت الآخر فى ذهول لهذا الوصف الدقيق الرائع، ثم يغمض عينيه ويبدأ فى تصور ذلك المنظر البديع للحياة خارج المستشفى. وفى أحد الأيام وصف له عرضاً عسكرياً. ورغم أنه لم يسمع عزف الموسيقى إلا أنه كان يراها ويحسها من خلال وصف صاحبه. مرت الأيام والأسابيع وكل منهما سعيد بصاحبه. وفى أحد الأيام جاءت الممرضة صباحاً كعادتها، فوجدت المريض الذى بجانب النافذة قد قضى نحبه خلال الليل. ولم يعلم الآخر بوفاته إلا من خلال حديث الممرضة عبر الهاتف وهى تطلب المساعدة لإخراجه من الغرفة، فحزن على صاحبه أشد الحزن.
ذات يوم وجد الفرصة مناسبة فطلب من الممرضة أن تنقل سريره إلى جانب النافذة. ولما لم يكن هناك مانع فقد أجابت طلبه. ولما حانت ساعة بعد العصر وتذكر الحديث الشيق الذى كان يتحفه به صاحبه انتحب لفقده، وحاول الجلوس ليعوض ما فاته فى هذه الساعة. تحامل على نفسه وهو يتألم ورفع رأسه رويداً مستعيناً بذراعيه، ثم اتكأ على أحد مرفقيه وأدار وجهه ببطء شديد تجاه النافذة، وهنا كانت المفجأة! إذ لم ير أمامه إلا جداراُ أصماً من جدران المستشفى، فقد كانت النافذة على ساحة داخلية. نادى الممرضة وسألها إن كانت هذه هى النافذة التى كان صاحبه ينظر من خلالها، فأجابت إنها هى، فالغرفة ليس فيها سوى نافذة واحدة. ثم سألته عن سبب تعجبه، فقص عليها ما كان يرى صاحبه عبر النافذة وما كان يصفه له. كان تعجب الممرضة أكبر، إذ قالت له: ولكن المتوفى كان أعمى، ولم يكن يرى حتى هذا الجدار الأصم، لعله أراد أن يجعل حياتك سعيدة حتى لاتصاب باليأس وتتمنى الموت فقد كان يعرف صعوبة مرضك ويشفق عليك.
يا الله! إلى هذا الحد كان رفيقاً بصاحبه، ومن قال إن فاقد الشئ لا يعطيه؟ كان فاقداً للبصر، لكنه لم يفقد البصيرة، وبها أعطى صاحبه وقتاً يستمتع به ويسرى عنه. كان يعرف أن صاحبه يحتاج لفرحة فأعطاها له بينما هو لايملكها، ونحن الذين نغبط الناس ونبخثهم أشيائهم.
ابذروا الخير فى كل مكان، وكونوا طيبين كما أوصتنى د. جهاد ابنتى فى رسالتها، ولا تسرقوا فرحة أحد، ولا تقهروا قلب أحد.