شام-الفصل الثاني والعشرون

منير المجيد
2019 / 7 / 2

كانت زوجتي تنتفخ وتشعر بالدوار والثقل والتعب وتتقيأ أحياناً.
لكم تتعذب النساء! وعلى ماذا؟ كل هذا العناء من أجل أطفال لن يعيروا والداتهم أهمية حالما يكبرون.

بيت قدور بك لن يتسع للعائلة التي هي على وشك التمدد والإنتشار، فاستقر الأمر على إستئجار الطابق العلوي، بغرفه الأربعة، من بناء عباس الجديد في حي المعلمين في الحي الغربي، وعلى مقربة من ثانوية عربستان، مكان عملي.

بيت قدور بك ذهب، بدوره، للإيجار.
ظهرت بوادر خلاف بين زوجتي ووالدتي وأختي، فصرت أسأل نفسي للمرّة المليون إن كنت قد ارتكبت خطأً كبيراً بعودتي إلى القامشلي. ربما أخطأت بالإنتقال إلى القامشلي، لكنني فعلت صواباً حينما تركت دمشق.
هاأنذا أتفلسف مرّة اخرى. يا للعار.

أين ذلك الحماس الذي لم ينحدر قط، طوال السنوات العشرين الماضية؟
زوجتي، ولأسباب لا تعرفها سوى أمّهات الزوجات، لم تخفّف الوطأة عني، بل ساهمت بتأجيجها، بافتعال هذه الخناقات التافهة، مدعومة من عائلتها الكبيرة.
المنطق، بطبيعة الحال، يقول أن في كل خلاف، الجانبان مخطئان والجانبان على صواب.
الحزن وقلة الحيلة هما السيدان في مثل هذه الأوضاع، أليس كذلك أيها المتبجح الذي انتهى بك المطاف، بعد كل هذا التقافز، إلى مدرس رسم مغمور؟
هل أنطح الأشياء كأي تيس، أم أحاول إيجاد صيغة للتفاهم لمشاكل تحدث دون إنقطاع، حتى قبل أن ينطق الإنسان؟

إنه أمر يستثير فيّ الغم. شعرت أنني أفقد الزمن والتاريخ. إلا أنني كنت متيقناً، حينذاك، أن العقل سيفوز في النهاية.

تدريس مادة الفنون، مثل الموسيقا والرياضة، لا أهمية لها على الإطلاق. لا الطلاب ولا المدرسة ولا أولياء الطلاب تعني لهم شيئاً.
أردت تغيير الأمور قليلاً، علاوة على دروس الرسم الإعتيادية، فصرت أتحدث لهم عن تاريخ الفن وتاريخ السينما.

تاريخ السينما كان أكثر تشويقاً، وكانوا يفضلون، ليس السينما الأمريكية أو الفرنسية أو الإيطالية، بل تلك الفقرة حول تاريخ السينما الدانماركية وإطلاق البورنو.
الطالبات كن يأكلنني بأسئلتهن ويتلهفن لمعرفة الكثير، بينما الطلاب كانو غير مبالين كثيراً. لا مفاجآت هنا.

في المناسبات الوطنية، كنّا نُجبر على الخروج في مظاهرات التأييد. كانوا يدعونها مسيرات، اقتباساً من بعض التقاليد الشيوعية.
والذي كان يصدر إلينا الأوامر الإنضباطية هذه، هو نائب مدير ثانوية عربستان. الرجل الممّل، الخالي من الألوان، أسود، أبيض ورمادي.
كان يُطلق مطراً من الرذاذ، بينما يشرح لنا التعليمات التي يجب اتباعها أثناء المسيرة.
لو كان عندي أعداء، لكان مرّشحاً قوياً، هذا المدير الكردي، البعثي والحائز على شامة إصطناعية خضراء على إنفه، بتقليد متبع في العادة، لدى العشائر العربية في بادية الجزيرة.
دون أن أريد، صرت جزءاً من الهمّ العام المسيطر على رقبة القامشلي: الكهرباء التي تنقطع دوماً، أو لنقل أن الكهرباء كانت تعمل أحياناً.
ثم عدم توفّر الخضار، والمواد التموينية بشكل عام. الموز، على سبيل المثال، اختفى مثل عمل ساحر. وسمعنا حكايات عن مسافرين عادوا من دمشق وأحضروا الموز لأطفالهم، فكان هؤلاء الأطفال يزعقون وينتابهم الذعر من مشهد هذه الفاكهة الغريبة.
البعض كان يلتقط صوراً لعائلته ويضع موزاً في أيدي أطفاله.

بالنسبة لي، كانت مشكلة الخبز هي الأساسية. الدقيق غير متوفر في الدكاكين، لذا فأنت مُجبر على شراء الخبز من الأفران.

على مقربة من ثانوية عربستان، بَنَتْ مديرية تموين المحافظة فرناً آلياً كبير الحجم.
ولشراء الخبز، كنت أقف في صف طويل في الساعة الثالثة صباحاً، أحياناً لعدة ساعات. وحين يبدأ بيع الخبز الحار الذي يلفّه دخان لذيذ، كانت تركن سيارة مخابرات، على أقدامنا المتثلّجة تقريباً، ويخرج عناصرها، ضاربين عرض الحائط صف الإنتظار.
ولأن الشجاعة إنتحار في مثل هذه الحالات، فإننا لم نتفوّه أبداً بكلمة.
كنّا فقط نراقبهم وهم يأخذون الأكياس المليئة بالخبز الدافئ.

بالإضافة إلى جولات الكونكان في نادي المعلمين، وجلسات العشاء في نادي الموظفين وإيشو، ذهبت عدة مرات لصيد الأرانب والقطا وأنواع اخرى من الطيور، مُسلّحاً ببندقية، مع عباس وطبيبنا إسماعيل عبد القادر الذي كنّا نقتله بفضولنا الذي لا ينتهي حول الأمراض والأعراض، وكان يرتدي أزياء الصيادين الإنكليز كما في السينما.
أطلقت الرصاص كثيراً، دون أن يحالفني الحظ باصطياد أي طائر.
في ظهيرة يوم جمعة، سمعنا صوت إطلاق رصاص غزير، ولم يكن بعيداً. هرعت إلى الشرفة، فرأيت عدة رجال يحملون أسلحة رشاشة وفردية يقفزون على حائط بيت الجيران ويختفون في الشارع الخلفي، على بعد خمسة أمتار.

جاء رجال الأمن وطوّقوا المنطقة، واستجوبوا بعض الجيران. أعطيتهم وصفاً غير دقيق للرجال، لأن الأمر تمّ بسرعة، وكان هناك سيارة إسعاف وضعوا فيها أربعة جثث.

القتلى كانوا أكراداً من تركيا، تابعين لحزب الپي كي كي، الذي كان على علاقة طيبة مع الحكومة السورية، والذين قتلوهم كانوا فرقة كوماندوز تركية، حطّت، في وضح النهار، بالقرب من شقتي لتصفية هؤلاء الرجال.

في الشهر الخامس صرت أباً لفتاة طولها بضع سنتيمترات، وكانت تشبه دودة مُجعّدة بعينين متورمتين.
لم أصدق مطلقاً، أن يتحّول هذا الشيء الشره، الذي يوشك على وضع حدّ لحياة ثدي أمّه، إلى كائن مثل الآخرين، ينمو، يأكل طعاماً إعتيادياً، يحزن ويفرح.

وفي نفس الوقت، كان العراقيون والإيرانيون مازالوا يخوضون قتالاً عنيفاً مميتاً على طول الحدود بينهما.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا