غارودي في إعصار سدنة البترودولار

رابح لونيسي
2019 / 6 / 29

غارودي في إعصار سدنة البترودولار

البروفسور رابح لونيسي



مرت سنين على وفاة المفكر الفرنسي روجيه غارودي في 13جوان2012 أحد كبار منظري الحزب الشيوعي الفرنسي، والذي اعتنق الإسلام في 1982، ويعرف عنه محاولته المزج بين الماركسية التي بقي وفيا لها والإسلام الذي اعتنقه، ويراه بأنه يدعو إلى العدالة الإجتماعية. حاول غارودي منذ إنخراطه في الحزب الشيوعي الفرنسي في ثلاثينيات القرن الماضي إقامة جسر بين الماركسية والدين، فكان مكلفا من هذا الحزب في الأربعينيات بالحوار مع أتباع الدين المسيحي في فرنسا، ويقول في مذكراته "دوران القرن وحيدا" بأنه كان يتلقى تشجيع في ذلك من زعيم الحزب موريس توريز. لعل تأثيرات الماركسية ومحاولات غارودي وغيره كانت وراء ميلاد ما يسمى في فرنسا "المسيحيون التقدميون" الذين أسسوا مجلة "تيموانياج كريتيان"(Témoignage Chrétien ) المعروفة بتأييدها للثورة الجزائرية، ونجد من أبرز مؤسيسها أندري مندوز (André Mandouz) المختص في القديس أوغسطين، ولعل هذا التاثير وراء بروز حركة "لاهوت التحرير" في أمريكا اللاتينية، والتي قادت النضال ضد الدكتاتورية، ومن أجل نظام أكثر عدلا وخادما للطبقات المحرومة، فغارودي منبهر ببعض المسلمين المتبنين للفكر الإشتراكي مستندين على تأويل تقدمي للإسلام.
يعرف عن غارودي الذي كنت ألتهم كتبه في شبابي، بأنه ماركسي إنساني، حيث رفض توتاليتارية النظام السوفياتي، خاصة في عهد ستالين، ويرى بأن الإشتراكية لايمكن أن تكون على أساس نموذج واحد، بل هي نماذج متعددة تتماشى مع خصائص الشعوب وهوياتها ومعتقداتها، كما أعطاها طابعها الإنساني، ولعل يعود ذلك إلى التأثير المسيحي عليه، وقد تعرض غارودي لهجمة شرسة من الستالنين لرفضه لها، ثم طرد من الحزب الشيوعي الفرنسي بعد ما كان أحد منظريه، ليؤسس جمعية مبنية على مشروعه الملخص في كتابه "نداء إلى الأحياء" مستلهما من حضارات عدة يراها أنها تحتوي على قيم ومباديء إنسانية وداعيا إلى التخلص من المركزية-الأوروبية، ونموذجه الذي انغمس في المادة والكم -حسب نظره-، فتركزت الكثير من أفكاره حول ذلك.
ما فتأ غارودي يدعو إلى حوار الحضارات، فهو يرى بان كل الحضارات تحتوي على قيم وطرق عيش، يمكن للإنسان الإستفادة منها، ويرفض أن يكون الغرب هو المعيار الذي تقاس به القيم، كما ألقى محاضرة قيمة في الجزائر عام 1948 حول الحضارة الإسلامية وتأثيرها على الحضارة الغربية، كما تأثر بمسلمين جزائريين رفضوا إطلاق النار عليه بعد إعتقاله أثناء الحرب العالمية الثانية، لأنهم رأوا في ذلك جريمة، ولايمكن قتل إنسان أعزل وغير مسلح، طبعا هذا التصرف الإنساني تبادر من هؤلاء عندما كانوا مسلمين قبل أن تظهر الإسلاموية الداعية للكراهية والإرهاب والقتل.
أن بحث غارودي وسعيه للإطلاع على كل الثقافات والحضارات جعلته يعرف عدة تحولات فكرية وفلسفية في حياته، وسمحت له بإكتشاف الإسلام، فأعتنق هذا الدين في بدايات الثمانينيات، وأتذكر أنني حضرت له محاضرة في سنيما المغرب في وهران، وأنا شاب صغير أين تحدث عن الرموز وأهميتها في الإسلام كرموز الصلاة التي غابت عن الكثير من المسلمين اليوم ، فمنذ تلك المحاضرة فهمت مثلا بأن سجود المسلم في الصلاة معناه الوجوب عليه أن يكون في تناسق مع الطبيعة، لأن الطبيعة هي وحدها الخاضعة للناموس الكوني دون أي إختيار منها على عكس الإنسان الذي له الإختيار، كما فهمت منذئذ أن سلام المسلم في أواخر الصلاة ليس معناه السلام على الملائكة، كما روج الأمويون وفقهائها، بل هي إعطاء السلام لكل البشر مهما كان لونهم أو دينهم أو لسانهم، لكن الأمويون الذين أرادوا إستعمار الشعوب وإستعبادها نزعوا هذه الفكرة من ذهن المسلم كي يتحول إلى عدواني ضد الشعوب الأخرى، فهناك العديد من الرموز الموجودة في الكثير من الطقوس الدينية في الأديان لو فهمت على حقيقتها، لترقى الإنسان، وأصبح أكثر سلمية ومحبة البشر، لكن للأسف أن هذه الأديان، قد خطفها المستبدون والإستغلاليون المتحالفون مع رجال الدين الذين أعطوا لها تأويلات تخدم مصالح هذه الأطراف الثلاث، مما يتطلب تحريرها منهم كي يسود السلام والمحبة في العالم.
عندما تقرأ مذكرات روجي غارودي "دوران القرن وحيدا" التي نشرها في 1989، خاصة في مرحلة بعد إعتناقه الإسلام في 1982 تصل إلى نتيجة واحدة، وهي أن البعض ممن يعتبرون أنفسهم عربا يشوهون الإسلام بدل ما يخدمونه، فهم يخدمون في الحقيقة أيديولوجية العروبة(القومية العربية) مستغلين الإسلام الذي جاء إلى الإنسانية جمعاء، ويأخذ ثقافات الشعوب بعين الإعتبار ويحترمها-حسب غارودي-. تؤكد لنا ملاحظات غارودي مدى الكارثة والتحريف التي ألحقها ايديولوجيو القومية العربية بالإسلام وبوحدة الكثير من الدول، وقد حقق هؤلاء بشكل كبير ما حدده ساطع الحصري أبرز منظر لهذه الأيديولوجية الذي كرر عدة مرات في كتبه منذ العشرينيات مقولة "سنستبدل دين قديم (أي الإسلام) بدين جديد هو العروبة(أي أيديولوجية القومية العربية)"،. بنى غارودي حكمه بعد زياراته إلى عدة دول، فلاحظ شكوى بعض المسلمين غير العرب من ممارسات هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم عربا، وتعجب غارودي من محاولات تغيير إسمه إلى "رجاء"، ويقول صراحة "كأن الإسلام يشترط على معتنقه أن يصبح عربيا"، ويروي غارودي معاناته مع حكام بلدان عربية، ومنها السعودية، خاصة بعد ماكفروه بعض "فقهائها" بسبب إجتهاداته وتأويلاته التنويرية للإسلام ومعاداته للنظام الرأسمالي، نشير إلى أن غارودي قد أعتنق الإسلام، وأدلى بالشهادتين في جويلية1982 أمام محمود بوزوزو، وهو جزائري من منطقة القبائل، وكان مناضلا قديما في حزب الشعب الجزائري بقيادة مصالي الحاج الذي هو إمتداد لنجم شمال أفريقيا، وكان التنظيم الوحيد الذي ناضل من أجل إسترجاع الأمة الجزائرية إستقلالها، وكانت صحف جمعية العلماء تصف مناضلي هذا التنظيم ب "الغوغاء"، وقد تربى كل مفجري ثورة نوفمبر1954 في هذا التنظيم الذي غير إسمه إلى الحركة من أجل الإنتصار للحريات الديمقراطية في 1946، فلنسجل جيدا كلمتي"الحريات الديمقراطية" التي تعتبرها بعض التيارات الأيديولوجية عندنا بالأمس واليوم "كفر" و"تغريب"، فهذه التيارات للأسف الشديد هي التي يستخدمها الإستبداد بأشكال متعددة لإجهاض كل عملية إنتقال ديمقراطي في دول منطقتنا.
تعرض غارودي للحصار من الإعلام الغربي، خاصة الفرنسي بسبب فضحه مايعتبره "أكذوبة الهولوكست"، كما فضح الصهيونية، وأعتبرها أصولية مثل الأصوليات الأخرى، فهو ضدهم جميعا، وقد ألف كتابا عنها كلها، لكن ما لا يعلمه الكثير هو أن غارودي الذي دافع عن الحق وقضايا المسلمين قد كفر من "رجال دين" سعوديين بدعوى أنه إبراهيمي، أي أن الأديان كلها تعود جذورها إلى أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام، وبالتالي بإمكان إلتقاء أتباعها كلها في هذا الأصل، وأسس جمعية لذلك بهدف نبذ الكراهية والصراع بين الأديان. رفض رجال دين سعوديون طرحه القائل أن الأديان السماوية جاءت كلها بنفس الشيء، فغارودي يرى أن الأديان كلها تدعوا نظريا إلى التسامح والمحبة والسلام والأخلاق، لكن البشر، خاصة السياسويون تستعملها لخلق الكراهية بين الشعوب والأديان لأهداف سلطوية ولإستغلال العاطفة الدينية كما يفعل بعض المسلمين اليوم، وكما فعل ملوك أوروبا الذين أستغلوا العاطفة الدينية للفلاحين البؤساء في أوروبا فدفعوهم إلى "حرب مقدسة" في المشرق الإسلامي بدعوى تحرير قبر المسيح بعد فتوى البابا أوروبان الثاني، فمات هؤلاء خدمة لمصالح هؤلاء الملوك الذي حركتهم ثروات المشرق، وليس قبر المسيح، كما تحرك اليوم الكثير شهوة السلطة، وليس الإسلام كما يدعون، فهي حيلة تستخدم لإستغلال الغوغاء والأغبياء.
لكن السبب الحقيقي لتكفير رجال الدين السعوديين لغارودي هو بقائه مناهضا للرأسمالية ومدافعا عن الإشتراكية، فهو لم يتخل عن ماركسيته، بل فقط أضفى عليها بعدا دينيا، وهو نفس ما نجده مثلا عند المفكر الإيراني علي شريعتي، وأيضا عند عالم دين كبير مثل الأفغاني، فالكثير يعتقد أن الإشتراكية هي كلمة أوروبية، وتلصق بالماركسية، وهو ليس صحيح، فسوسياليزم ترجمتها للعربية هو العدالة الإجتماعية، ويعد جمال الدين الأفغاني أول من أستخدم كلمة "الإشتراكية" بالعربية، فعندما عاش لفترة في أوروبا تأثر بالأفكار الإجتماعية المنتشرة بقوة آنذاك، ومنها فكرة الملكية العامة، فقال أن هذه الفكرة هي نفسها التي قال بها رسول الإسلام في حديثه "أن الناس شركاء في ثلاث: النار والماء والكلأ"، أي قطاع عام ومشترك بين أفراد المجتمع، فاستمد كلمة "إشتراكية" من "شركاء"، ثم اضاف أن "الإسلام إشتراكي"، وهو نفس ما ذهب إليه السوداني محمود محمد طه في كتابه "الإسلام ديمقراطي وإشتراكي"، والذي أعدمه النميري تحت تصفيقات وتكبيرات أتباع الإخواني حسن الترابي في 1974 بعد ما تحالف معه.
يعود تكفير رجال دين سعوديين لغارودي إلى دفاعه عن الإشتراكية ومناهضته للرأسمالية وهو ما يقوض إسلام البترودولار الخليجي الذي بدأ يغزو العالم الإسلامي في أواخر السبعينيات فضيع قيم الإسلام الحقيقية، والدليل تغييب تام لمبدأ "من أين لك هذا؟" بعد ما سادت هذه التيارت الدينية، ولو كانت تريد الإسلام فعلا، لركزت على هذه المباديء.
يتبين من تتبع غارودي أنه فعلا وحيدا كما عنون مذكراته، لأنه متميز بافكاره وطروحاته، وتعرض لعداء الكثير من الأطراف، خاصة رجال دين مسلمين، كما عزل في بلده فرنسا بعد كتاباته حول الهولوكست، ولم يقف معه إلا القس المسيحي أبي بيير(Abbé pierre)، رحم الله غارودي، أما تجار الدين، فحسابه معهم يوم القيامة، فالله وحده يعرف المؤمن والتقي، وليس هؤلاء الذين أرادوا أخذ مكان الله في توزيعهم شهادات دخول الجنة من دونها كما كان يوزع رجال الدين في أوروبا "صكوك الغفران".

البروفسور رابح لونيسي