شام-الفصل الحادي والعشرون

منير المجيد
2019 / 6 / 24

بدأ العام الدراسي، وجاءت دفعة جديدة من الطلاب، في الوقت الذي تشرذمت دفعتنا وتوزّعت على مختلف الأقسام.
اخترت التصوير، لأنه بقي الخيار الأفضل.

في السنة الثالثة كان لدينا الوقت للجلوس في كافتيريا أبو رياض ودراسة الدفعة الجديدة من الطلاب، أقصد الطالبات، بفضل جرعة زائدة من الشعور بالثقة، ومعرفة المزيد من ألاعيب المكر والشيطنة، لكن، بالرغم من ذلك، كنّا نقع في بعض الحماقات.

ومن هذه الحماقات، أنني وقعت في حبّ عبير، حتى آخر شعرة من جسمي. عرفت منذ البداية أن المسألة برمتّها مجرد نزوة، فعبير تنحدر من عائلة برجوازية دمشقية منذ أيام العثمانيين.
ولن يُخطئ المرء حينما ينظر إليها، فهي لم تكن ترتدي نفس الثياب مرّتين، جميلة وحسنة التغذية، وشعرها بلون القشّ.

كنّا نجلس معاً على السطح، هي تتحدث، وأنا أدخّن. أحببت الإصغاء إلى لهجتها الشامية الساحرة التي تُناسب تماماً الذين على شاكلتها.

أتجنب السكر، لأنني لا أستسيغ السكارى المتهيجين والمتقيئين الذين يتغوطون في سراويلهم من شدة السكر، لكنني شربت ذاك اليوم البراندي الحمصي مع مهيار حتى كاد أن يُغمى علي، وعدت إلى الكلية منتظراً عبير.

كنت مجنوناً بها.
حينما أنهت الدرس النظري في قبو الكلية، مشيت معها في شارع مرشد الخاطر باتجاه السبع بحرات، وأذكر أنني كنت قد حضّرت كلماتي بشكل جيد.

وحينما بحت لها بحبي، قالت لي بكل لطف أنها تحبني كصديق.
أية قذارة مؤلمة أوقعت نفسي فيها!

عدت إلى غرفة مهيار، التي كانت بباب منفصل عن شقة عائلته، ورويت له ماحدث وأنا أكاد أبكي، فضحك مني دون أن أشعر بأية سخرية.

حاولت أن أنسى تلك الحادثة دون جدوى، فهي تحسّني بالخجل إلى اليوم.
لكم أضعت من الوقت في أمور تافهة، لكن رأسي كان مليئاً بالفتيات، مثل بقية الشبان.

في اليوم التالي اعتذرت من عبير وأشرت إلى أن ما بدر مني كان بسبب الكحول. أبله أنا.
مشروع صداقتنا كان قد إنهار.

تحدث بعض الزملاء عن إصابة أسعد عرابي بانفصام الشخصية، فألّفت دعابة مفادها أنه يدعو دائماً الآخر ليدخل الغرفة قبله. في الوقت الذي كنت ماأزال أعاني من آلام الخاصرة، وجعلني الأمر أنتقل من أخصائي إلى آخر. آخرهم كان من خريجي السوربون، كما ذُكر على لوحة إسمه في الشارع، علاوة على مقالة مطّولة عن مآثره.

إستنتجَ أنني أعاني من حساسية في القولون، بسبب عملي المفرط في مجال الفن التشكيلي والسينما، هكذا.
وحين اشتريت الحبوب التي وصفها لي، وكلفتني ثروة، وعرفت أنني يجب أن أتناول نصف حبّة في اليوم شعرت بالذعر.
في البيت قرأت نشرة المواصفات المطويّة كثيراً بأحرفها المجهرية، وكانت تتحدث عن عقار للمصابين بانفصام الشخصية.

لحسن حظي، قَبِلَ الصيدلاني بإعادة علبة الحبوب. وتوقّفت عن كل الدعابات التي لها علاقة بانفصام الشخصية.

كنت أكتب كثيراً، في تلك الفترة، في جريدة البعث ومجلة جيل الثورة. ولأن عبد الله أبو هيف كان يعمل في المجلة أيضاً وهو رقّاوي، فقد دعانا المركز الثقافي في الرقة، هو وحسن م. يوسف وأنا إلى إحياء أماسي أدبية وسينمائية.

كانت أول مرّة أقف أمام الجمهور، وأتناقش معهم بعد محاضرتي القصيرة، وعرفت كم أنا سيء وخجول ولا أصلح للوقوف أمام الحشود
.
أيام الثلاثاء، وقبيل عروض أفلام النادي السينمائي في الكندي، قدمتني عصام ميرزو إلى إبنتها عزة، وكنت أعرف، مسبقاً، زوجها نصر الدين البحرة.

ذُهلت من إقبال تلك الشابة الجميلة المهذبة على مشاهدة أفلام النادي، وصرتُ أهاتفها أحياناً، وحين وصل الأمر إلى موعد في حديقة السبكي، تدخّلت عصام، وقالت لي، نيابة عن نصر الدين وأيضاً لأننا زملاء في الكلية، أن أكفّ عن مغازلة عزة. «عمرها لا يتجاوز الستة عشر عاماً»، أضافت عصام.

لم أذهب إلى حديقة السبكي، ولم تشأ عزة أن تحييني بعد ذلك في أمسيات يوم الثلاثاء.

كلفتني مجلة جيل الثورة بإجراء مقابلة مع وفد برلماني من ألمانيا الشرقية. ورغم أن الأمر خارج نطاق اختصاصي واهتمامي، إلا أنني وافقت، لأنني كنت الوحيد القادر على إجراء المقابلة باللغة الإنكليزية.
هكذا قال رئيس التحرير.

كانوا ثلاثة برلمانيين، اقترحوا أن نتناول الغداء معاً في مطعم الفندق. وبينما كنّا نأكل ونحتسي الڤودكا، أنهيت المقابلة بعد سيل من الأسئلة السخيفة.

كان هناك متسع من الوقت، بعد أن طويت صفحات كرّاسي وأقلامي، فصرنا نتحدث ونضحك في أمور كثيرة اخرى، بينما وجوه الضيوف تزداد إحمراراً، وتتحشرج أصواتهم.

خطر لي، على نحو لم أتوقعه بنفسي، ربما بسبب الڤودكا، أن أسأل سؤالاً افتراضياً عن، إذا حصل أن حكومتكم، في ألمانيا الشرقية، أقصد الديمقراطية، سمحت لمواطنيها بالهجرة إلى ألمانيا الغربية. كيف سيكون الأمر.
ضحكوا جميعاً، وقال الذي كان يتحدث أكثر من الآخرين «لن يبقى سوى أعضاء الحكومة، أعضاء البرلمان والشتاسي».

قربي، في القصاع، من بيت نشأت حمارنة، سهّل من زيارته أكثر من قبل. أحياناً كنت أطرق على الباب، فتفتح لي إيمي، زوجته الألمانية، ولم يكن نشأت قد جاء من عيادته بعد، فأجلس معها في المطبخ لنحتسي فنجان قهوة وندخن السكائر.
مرّة وجدتها بعيون حمراء، وعرفت أنها بكيت لفترة طويلة. قلقت وسألتها عمّا جرى، فقالت أنها كانت بزيارة السجن، وكان نور الدين مصاباً بالإسهال، ولم يسمحوا له باستعمال الحمام، لأنه كان مشغولاً، فتغّوط الرجل في سرواله.

والقصة، أنها (أيمي) كانت تذهب مرّة كل أسبوع إلى سجن المزّة، بعد أن تحمّل السيارة بأطباق مختلفة من الأطعمة، التي كانت تجيد طبخها، إلى نور الدين الأتاسي، صلاح جديد وعدد آخر من رفاقهم، الذين زجّت الحركة التصحيحية بهم إلى السجن.

الأتاسي توفي في باريس عام ١٩٩٢، بعد اثنين وعشرين عاماً في السجن، وبعد إصابته بمرض السرطان أُطلق سراحه، أما جديد فأنه توفي في السجن عام ١٩٩٣.

على سطح الكلية توطدت صداقتي مع خيرو، توفيق ناغواي، علاوة على منذر ومهيار، اللذين كانا قريبين. وبعدئذ، انضمت إلينا سميّة وآخرين، لنشكّل شلّة.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا