في الردّ على تفسير الأزمة تفسيرات عشوائية. أزمة الجبهة كيف يجب أن نفهمها؟

عزالدين بوغانمي
2019 / 6 / 20

أُريدُ أن أُذكّر أنّني من الآوائل الذين دقّوا ناقوس الخطر، بحيث كتبتُ منذ سنوات أنّ المنهجية التي تُدارُ بها الجبهة هي منهجية مُدمّرة وستؤدّي إلى تخريبها وتفتيتها. حتّى أنّي توقعت في أحد المقالات المنشورة في عدة مواقع بأنّ الجبهة الشعبية لن تصل إلى انتخابات 2019 . ولقد قلت ذلك لأنّ إرادة التخلّي عن الجبهة كمشروع واستبدالها بمجرّد منصّة للانتخابات كانت واضحة وُضوح الشمس، ولقد أشرنا إلى ذلك وفسّرناه في حينه.

وبصراحة أنا اليوم لا يمكنني أن أسمح لأشخاص قليلي الذّكاء لا يفهمون ما يجري إلا بعد خمس سنوات، أو سيّئي النيّة أن يُقدّموا للمناضلين تفسيرات تُشبه خُرافات الغول وأمّي سيسي التي تُرْوى للأطفال. من ذلك، "أنّ يوسف الشاهد يقف وراء انفجار الجبهة". أو "أنّ هنالك رجل أعمال إبن حَرام شجّع طرفي الخلاف على الذهاب إلى الأقصى". وهذه تفسيرات تُشبه تفسير جدّتي لبعض المسائل بعين الحسُود والسّحْر ،، وهلمّ جرّا من الأفكار التي أُرجّحُ أن يكون مصدرُها مؤخّرة صاحبِها وليس عقله.

ومرّة أخرى، نُذّكّرُ أخواتنا وإخوتنا ورفيقتنا ورفاقنا من مناضلين وأنصار، أنّه بعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد، ثمّ اغتيال الشهيد الحاج محمد البراهمي، نشأ "تيّار انتخابي" سيطر على قرار الجبهة، وتخلّى نهائيا عن فكرة توحيدها وتنظيمها. وعن الحرص على اشتغال تنسيقياتها وبناء مؤسّساتها، وعن توسيعها، وعن احترام القرار القاعدي الديمقراطي، حتّى تظلّ مجرّد منصّة للانتخابات. بحيث تتفرّد القيادة وحدها بكلّ قراراتها وتقسيمها حِصصًا على أساس الولاءات دون أن تواجه أيّ شغب قاعديّ. وبحيث يسمح وضع التمزّق والفرقة إلى تكريس منطق المُحاصصة في كل استحقاق انتخابي.

ولقد بدأت بوادر انتصار "التيّار الانتخابي" تظهر حين بدأ تهميش المستقلّين وإشعارهم بعدم جدواهم، والتذمّر من رغبتهم في أن يكونوا ذوي رأي بالتّساوي مع الأحزاب. وشيئًا فشيئا، بدأ التّضييق عليهم، ولم يتطلّب إجبارهم عن الاستقالة والذهاب في حال سبيلهم جهدا كبيرا، إِلَّا من رحم ربُّكَ. وبذلك سقط المشروع التاريخي للجبهة، وانفضّ آلاف الأنصار من حولها. وهكذا فقدت الجبهة بالتّدريج جلدها وعضلاتها التي تشدُّ مفاصلها بعضها إلى بعض، وتسمح لها بالوقوف والتماسك والتحرّك إلى الأمام لأنّها خسرت طاقات سياسية وشبابية جبّارة، وعقولا وخبرات وطنية، قادرة على طرح الأسئلة الكبرى وصياغة البدائل. وقادرة على المحاورة وتدوير الزّوايا، وامتصاص أزمات الجبهة وتناقضاتها اليومية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجبهة عبارة عن خيمة عالية جدا معمدة بدم شهدائها، تتجاور تحتها تلك المجموعات اليسارية الضيقة، المنغلقة على نفسها والمتناحرة فيما بينها على امتداد أربعين عامًا. ونتيجة لتلك العملية التخريبية المبيتة، فُرِض على الجبهاويين وضْعًا مأساويًّا سماته الرّئيسية: التشرذم والتشتّت والعودة إلى وضع ما قبل 14 جانفي.
مع مرور السنوات، عمّ شعور واسع بموت الجبهة كمشروع كبير سارت وراءه آلاف مؤلّفة من التوانسة المتطلّعين إلى الحدّ الأدنى من العدل والمساواة والحرية والاستقلال الوطني والسلم الأهلي. وعمّ الشّعور بعجز الجبهة عن الالتحام بحركة الاحتجاج الرّافضة لسياسات الحكومات المتعاقبة. وبعجزها عن الضغط السياسي المطلوب لكشف حقيقة الاغتيالات. وبعجزها عن تقديم خطاب مقنع لِلنَّاس. وبعجزها عن ممارسة التّعبئة وحشد التّأييد للبديل المُفترض. ولم يكن خافيًا على أحد أنّ سبب هذا العجز يعودُ أوّلًا وأساسًا وثانيا وثالثا ورابعًا إلى غياب الهيكلة والتنظيم القادر على رصّ الصّفوف وقيادة الحركة الشعبية -التي ظلّت مبعثرة ويتيمة تتقاذفها الصُّدف وتستخدمها عصابات الفساد الاقتصادي في صراعها على النفوذ وتكسير أضلع بعضها البعض. ويعود العجز أيضا إلى غياب الرّؤية والبرنامج الناظم والموحّد لجميع مكوّنات الجبهة.

أمام هذا الوضع المحزن، اشتدّ الضغط والنّقد والرّفض للقيادة بأشكال مختلفة. ففي البدء كان الاحتجاج منحصرا في بعض الأقلام الحرّة التي تفطّنت مبكّرا لبداية الانهيار. ثمّ بدأ ذلك الآحتجاج يتخذ طابعه الجماعي المُوجع داخل شباب حزب العمال. ذلك الشباب الحيّ الذي ألْهمه خطاب شكري المؤسِّس والمُصمّم على بناء جبهة لتونس وشعبها، وليس جبهة لمجلس الأُمناء، فتمرّد على بيروقراطية الحزب. وجاء الردّ بطرد خيرة الشّباب. وانعكس ذلك مباشرة على القيادة التي تصدّعت هي الأخرى، فانشقّ على الحزب كلّ المناضلين الذين حالفتهم الشجاعة وتجرّؤوا على التيّار الانتخابي ذي النزعة الانعزالية التصفويّة.

أمّا داخل الوطد فإن الاحتجاج لم يتوقف يومًا. غير أن مناخ الحرية التقليدي السّائد داخل الحزب، مكّن القيادة من استيعابه وتصريفه بطرق ذكيّة. بحيث جرّبت مواجهته بِحدّة في البداية جسًّا للنّبض، فلم تلقَ مُساندة تُذْكَر، بل لاقت استهجانًا شديدًا لتجريم النّقد. وسرعان ما تراجعت لأسباب تتداخل فيها طبيعة عناصرها المثقفة والمؤمنة إلى حدّ كبير بالممارسة الديمقراطية، مع محيطها المتمرّس على قبول الاختلاف، فاتّجهت إلى مُسايرة الاحتجاج دون تبنّيه بشكل صريح. ولذلك اضطرّت قيادة الوطد إلى توجيه رسائل متتالية إلى المجلس المركزي، تُطالبُ بوضع كلّ الجهود من أجل تطوير الجبهة، وتنظيمها، والرفع من مستوى خطابها الذي بات ضعيفًا وغير مقنع بالمرة. وهكذا، ظلت تجنح في كلّ مرّة إلى تخفيف الضغط على مكتبها السياسي وعلى الأمانة العامة، بتبنّي شعار التّغيير والإصلاح دون الدّخول مع الناطق الرسمي وقيادة حزبه في صِدامٍ صريحٍ قد يؤذي وحدة الجبهة. وتواصلت سياسة الهمْز بلا ضجيج طيلة السنوات الخمس الماضية، إلى أن تبيّن لها أنّ الجبهة ستنتهي إلى مقبرة، إذا لم تبادر بطرح مجرد محاور تحريكية تعيد الأمل لجمهور الجبهة الغارق في الإحباط والانتظارية.
وبدأت المبادرة بشكل هادىء جدًّا، وحذر جدًّا. فقدّمت اللجنة المركزية للحزب مرشّحًا للرئاسة على أن يحظى بأغلبية داخل الجبهة مُقابل ترشح الناطق الرسمي الحالي. ولم يكن للوطد الموحد أي رهان انتخابي بخصوص الرئاسية، بل كان الأمل يحدوه في خلق ديناميكية داخل الجبهة، تسمح بنهوضها من جديد. فردّ حزب العمال بتشكيل تكتّل داخل الجبهة يتكوّن من عدد من الأحزاب الصّغيرة المستمرّة بالولاء للنّاطق الرّسمي. وسمّى تلك المجموعة "مجلس الأمناء"، وهمّش المجلس المركزي المنتخب والذي يتمتع بوحدانية القرار وفق مخرجات الندوة الثالثة التي انعقدت سنة 2016 . وقرّر طرد الوطد الموحد من الجبهة الشعبية، وبدأ الهجوم الشامل على قيادته، فسمعنا من التّشويه والتخوين ما لم يُسمع من قبل.
وهنا يجب أن ننتبه إلى سؤال في غاية الأهمية:
لماذا تمّت السّيطرة على كلّ الخلافات السّابقة التي شقّت صفوف قيادة الجبهة، ولم تصل إلى عتبة الانفجار؟
ولماذا قُطِعت شعرة مُعاوية بسبب الخلاف حول شكل اختيار المرشح للرّئاسيّة؟
بكلّ بساطة لأنّ قضيّة تشريك مناضلي الجبهة وقواعدها يساوي فقدان التيار الانتخابي للسيطرة على القرار. وفقدان القرار يهدّدُ وُجوده واستمراره. ولذلك جاء الردّ على المُطالبة بتوسيع الاستشارة بطرد الوطد من الجبهة. ذلك أنّ "قيادة" بهذه المواصفات لا يُمكنها التّعايش مع الديمقراطية. وفِي هذا الصّدد، أتذكّر أنّ زياد منذ سنة تقريبا، قال لي في ثنايا الحديث أنّ النّاطق الرّسمي حين حضر افتتاح مؤتمر الوطد الأخير، لم يكُن مرتاحًا لمؤتمرنا الانتخابي، إذ قال له: "أنت ستفتح علينا باب البلاء. لأنّ العدوى ستمرّ في صفوف مناضلي حزب العمال وسيرفضون مؤتمرًا توافقيًّا"!
ولعلّ هذا الموقف، ينسجمُ تمامًا مع الموقف من توسيع الاستشارة، وهو مثقل بالمعاني الدّالة على العِداء الواضح لقضية الديمقراطية لدى الناطق الرّسمي والأقلية المحيطة به.
إذن رفاقي الأعزّاء، كما تُلاحظون، ليس هنالك "خط الجبهة الثوري" مقابل "عناصر الوطد اليمينية". وليس هنالك خلافات سياسية حول الموقف من منظومة الحكم. بل أنّ هذه افتراءات لتضليل أنصار الجبهة وتشويه الوطد الموحّد لتبرير طرده، وهي افتراءات أُعِدّتْ للتّغطية عن جوهر الخلاف الحقيقي بين تيّار انتخابي انعزالي تصفوي أقلّي -سيطر على الجبهة ومزّقها ومنعها من التّوحد ًوالتطوّر حتى تظلّ قواعدها خارج دائرة الفعل، ويظل مناضلوها في الجهات والمحليات عُزّلًا بلا أداة يُشاركون بها في صُنْع القرار وفرض إراداتهم بوصفهم مواطنين أحرار- وبين مشروع الجبهة التاريخي الديمقراطي الشعبي.

إنّ عداء هذه العصابة التصفوية التي افتكت الجبهة من الجبهاويين للديمقراطية هو ما يفسّرُ ذلك الخطاب التجريمي التهويلي البكاء الشكاء الاستبلاهي، الذي جعل من حادثة اقتراح مرشّحًا ثانيا للرئاسة داخل الجبهة عَمَلًا مُشينًا وجريمة لا تُغْتفر، ليس خوفًا من فوز منجي، بل هلَعًا من أن يتحوّل القرار القاعدي الديمقراطي إلى تقليد داخل الجبهة.

أيّها الرفيقات والرّفاق، يا أنصار الجبهة الشعبية، إنّ هذه معركتكم الحقيقية، إنّها المعركة الجوهرية التي ستنقلكم من مجرّد أتباع ومصطفّين إلى مناضلين أحرار ذوي إرادة في صنع قرار الجبهة وسياستها. ويجب أن يكون واضِحًا للجميع أنّه لا يوجدُ أملٌ في تنظّم الجبهة وتوسعها دون الخيار الديمقراطي القاعدي. فلا تسمحوا لهم باستبلاهكم وجرّكم للدّفاع عن إقصائكم ومصادرة إرادتكم.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا