شام-الفصل العشرون

منير المجيد
2019 / 6 / 15

وقع اختياري على فندق رخيص مطلٍ على ساحة البرج.
انتظرت ساعتين لتختم السفارة الدانماركية الفيزا على جواز سفري للمرة الثانية خلال عام.
ثم ذهبت في جولة في بيروت.

لا بد من زيارة مَعْلمين حينما تكون هناك: الأول، مشوار على الروشة لرؤية هواة صيد الأسماك بسناراتهم الطويلة، بائعي الرصيف، ثم صخرتها المعروفة التي يتسلقها اليائسون ويرمون أنفسهم لتهشّمهم الصخور المخفية تحت الماء، والثاني، شارع الحمرا، بصخبه ومقاهيه ودور عرضه السينمائية وصباياه الفاتنات.

في اليوم الثاني كنت أطير، من مطار بيروت، مع الخطوط الجوية الإسكندنافية إلى كوبنهاغن.

هذه المرة سكنت في مجمّع تحتّم علي حفظ إسمه: «غرونديوردسكولليغيوم».
غرفه المُزّودة بحمام تؤجّر للطلاب والشبيبة، يقع على جزيرة أمايا، على مسافة دقائق قليلة من وسط المدينة.

وبسرعة مارست الأمور التي اعتدت عليها في الصيف الذي قبله، وكأنني وُلدتُ في هذه المدينة.

لقاء أخي حين يُتيح له الوقت، ومشاوير التسكّع بين الحانات والتحدث والإحتكاك بالناس، والمراقص ليلاً للإحتكاك أكثر بالناس، والعودة في الصباح الباكر، حيث الشمس الصاعدة بأبهة، متثائبة كأميرة، تصبغ وجوه المارّة الآخرين بالأحمر، فأعرج أحياناً على البار، في بناء منفصل عن مجوعة عمارات المجمّع، لأشطف أنشطة اليوم بكأس بيرة، متجاوزاً كعكة مزيج الشوكولاتة والحشيشة، وكنت أتحدث، بدافع الفضول، مع الضيوف المخمورين الذين جعلتهم البيرة لطفاء وظرفاء، ووجوههم تنضح بالشهوة.

ثابرت إلى الذهاب، كل يوم أحد، إلى سماع الموسيقى الصاخبة في حديقة «فيله پاركن» وهززت رأسي إنتشاءً مثل البقية لمدة ساعتين، ولم أستوعب تماماً الفتيات اللواتي تركن شعر آباطهن ينمو، ولا يرتدين حمالات الصدر.

حلّقت سعيداً لعدة أيام بعد أن شاهدت فيلم العراب، وآخر تانغو في باريس، وفكرّت كيف سأثير حسد أصدقائي في دمشق.

صرت أرتاد كريستيانيا، مزار السيّاح، التي قام مجموعة من الهيپيين بتحويل ثكنات عسكرية سابقة إلى مساكن عام ١٩٧١، وأعلنوها منطقة مستقلة محظورة على السلطات، وفي وسطها أقاموا دكاكين خشبية بدائية يبيعون فيها الحشيشة وأنواع اخرى من المخدرات.

على متن طائرة العودة إلى مطار لارنكا في قبرص، حيث يجب أن أغيّر الطائرة إلى بيروت في اليوم التالي، لاحظت أن المسافرين كلهم شبان، منهم بملامح اسكندنافية شقراء وآخرون شرقيون متوسطيون سمر.

الجالسة في المقعد المجاور شابة دانماركية، رحنا في كلام مهذب منذ اللحظة الأولى.
«ذاهبة إلى كيپوتز لمدة عام، وأنت؟» سألتني. «إلى بيروت، ثم دمشق حيث أدرس». أجبتها.
خلال دقائق عرف كل من على الطائرة أنني سوري، وعرفت أيضاً أن الشقر ذاهبون إلى كيپوتزات إسرائيل، والسمر هم إسرائيليون.

صار اللغط كبيراً على متن الطائرة، وجاءت المضيفات ليستعلمن ويستفسرن.
سمعت صوت شاب يقول «ذاك الذي يجلس هناك عربي»، وسمعت كلمات متقطعة «اختطاف»، «إرهابي»، «تفجير»، وكانت جليستي فد غادرت وانضمت إلى مجموعة من الشبان من الجنسين.

الحوار بينهم جرى بلغات عديدة، دانماركية، سويدية، ربما نرويجية أيضاً، إنكليزية وعبرية. والمضيفات يحاولن تهدئة هؤلاء، أيضاً بعدة لغات. وكانوا طيلة الوقت يلتفتون إليّ، وأنا جالس بهدوء، وأعتقد أن وجهي كان يحمل تعابير سخرية.

أخيراً تقدمت مني جليستي وقالت شيئاً عن أن الجميع هنا طلاب، ولا علاقة لهم بالسياسة، ويرجونني أن لا أقوم بأي فعل يؤذيهم.
«أعدك أنني لن أقوم بأذيّة أحد اليوم»، وضحكت.

تناقشنا، جمهرة من هؤلاء الشبان من الذين تحلّقوا حول مقعدي، حول ما يجري في الشرق الأوسط لعدّة ساعات، بشكل ودّي فيما بعد، وتمازحنا أحياناً، حين طلبت منهم المضيفة الجلوس في مقاعدهم لأننا على وشك الهبوط في مطار لارنكا.
في مطار لارنكا قال الشرطي وهو يتفحّص جواز سفري: «سوري هاه؟ حافظ الأسد».

وفي مطار بيروت أشار رجل الجمارك إلّي بالمرور، وبعد ثانية غير رأيه، وسألني من أين أتيت، فقلت من كوبنهاغن. فأشار إليّ هذه المرة بالعودة.

فتح حقيبتي وفتش بدقّة كل شيء. ثم قال بلهجة حانقة «معقول هذا؟ أنت جئت من كوبنهاغن؟ أين مجلات السكس؟».

بعد يومين في دمشق، أخذني منذر حباب إلى مستشفى خاص في حي المالكي، وأنا أتقلّب من الألم، وبعد ثلاث ساعات كان الجرّاح المتخرج من ألمانيا الغربية (خريجوا ألمانيا الشرقية كانوا يكتفون بكتابة ألمانيا فقط)، قد أزال مصراني، بإسمه الثاني الفظيع، الأعور.
وبعدها بساعة، حينما أفقت، صرت، بشجاعة نادرة، أغازل الممرضة الشابة، وأنا تحت تأثير المورفين.

في اليوم الثاني، جاءت مها المصري، التي كانت في بداية مهنتها كممثلة، لزيارتي. وكنّا قبل عدة أشهر قد تبادلنا القُبل في مسبح والد نزار على طريق درعا، وربحنا زجاجة ويسكي في البلو أب حين فزنا في مسابقة رقص.

حين تماثلت للشفاء، ذهبت إلى القامشلي. وفي يوم السبت في ٦ تشرين الأول، وكنت على وشك العودة إلى دمشق، باغتت القوات السورية والمصرية إسرائيل في رابع الحروب العربية الإسرائيلية.

ظللت، طيلة الوقت، في البيت أسمع المارشات العسكرية، والبيانات الخطابية بأصوات المذيعين المتأثرين حتى العظم، بينما احتلت أنشودة فيروز، زهرة المدائن ـ ياقدس يا مدينة الصلاة أصلي ـ الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان ـ مرّة اخرى، الصدارة في البث.

في الأيام الأولى للحرب حقق الجيشان، السوري والمصري، نتائج مذهلة، فحطّم المصريون خط بارليف الإسرائيلي المُحصّن عابراً قناة السويس إلى سيناء، واستطاعت القوات السورية من الوصول إلى عمق استراتيجي على هضبة الجولان.

وحين أفاقت إسرائيل من هول المفاجأة تمكنت من تحقيق تفوقها العسكري الإعتيادي، بدعم من الأسلحة الأمريكية المتطورة، لم يستطع السلاح السوفياتي الصمود أكثر أمامها، حتى توقفت أصوات الحرب بعد توقيع إتفاقية فك الإشتباك.

حينما عدت إلى دمشق، كانت آثار الحرب الجديدة تخيّم على المشهد العام، على وجوه الناس، حركة السيارات، السحب التي كانت تنتقل حبلى، بطيئة ورصاصية، مُعلنة عن شتاء جديد قادم.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا