المحبّة تطرد الموت.

قحطان الفرج الله
2019 / 6 / 15

للحبّ نكهته الخاصة التي تختلف من شخص لآخر، وهي تختلف باختلاف الظروف والمسافات والأمزجة والمدن، والتعبير عنه يأخذ أشكالا لا عد لها ولا حصر، إذا كانت المحبة تطرد الموت، فإنها في أغلب الشعر العربي الحديث -حسب اطلاعي- تستعدي الموت، فالحبّ في الشعر المعاصر لا حبّ فيه، فقد طاقته الإيجابية وتحول إلى طاقة تعبيرية سالبة، كإنه خطاب رجل دين ينصب نفسه محاميا للموت في حضرة الحياة، صحيح إن الشعر القديم كان ينحى إلى الاستعطاف والتذلل، وهذا تكنيك يتلائم وطبيعة عصره وهو من الحيل الفنية حسب عبد القاهر الجرجاني، ولكن الايغال في مستنقع التعقيد والتشاؤم والانشطارات النفسية يجعل من النص الحديث هلوسة مرضية لا جدوى فنية منها، سياقات كسر المألوف والخلق الإبداعي التي تتبناها تيارات ما بعد الحداثة ليست أفكارا بوهيمية على الإطلاق، بل هي افكار ابداعية ولدت من حاجات ورغبات نفسية وتعبيرية ملحة. في كل عصور الشعر يكون الجانب المشرق منه هو رسالته التبشيرية، فما هي الرسالة التي يزفها إلينا هؤلاء الشعراء؟ وهل هم يساهمون في ولادة إنسان عربي جديد؟ فالأغلب الأعم شعراء مرحليون نصوصهم تتوقف عند توقف الحدث، كقصيدة الرصافي عن القطار وعبابه.
في هذا العالم العربي المليء بالتعصب (المذهبي، والديني، والحزبي، والسياسي) والعنف والدموية، وانتشار البشاعة وتقلص مساحات الجمال، وأفول نجوم الفرح والابتسام، نحن بحاجة إلى رسائل تبشر بالحبّ كمسوغ حقيقي للحياة، لنقوض الظلم والكراهية وإلغاء الاخر المختلف، قليل من النصوص التي تدعونا إلى ممارسة الحياة بحبّ، والكثير منها يمثل علينا دور من يعيشها، ربما نحن لا نعرف ماهو الحبّ الان لفرط انشغالنا بالتباغض والتناحر، فكم نوعا من هذا الحب نعرف؟ وكم تعلمنا من فنونه، ألم تقل العرب والأذن تعشق قبل العين، فهل عودنا آذاننا على حبّ الجميل دون الناشز لانتقاده؟ ربّما علينا الانصراف إلى البسطاء للتعلم منهم لانهم يجيدون فن الحياة ويعشقون حياتهم ويحبون تفاصيلها، أنا أعي تماماً إن الشعراء يعبرون عن الحياة بكل تناقضاتها وقيمها المتنافرة، ولكني لا أبرر لهم التركيز على الجانب السلبي ليكون هو المنطلق الأساس، فحن إذا سمحنا أن يستمر هذا فاننا نقتل جيلا كاملا من القادمين الذين نجبرهم على استنشاق هذه السوداوية.
كثيرا ما نتهم البعض بالغباء والجهل لعدم تلقيهم الفنون الحديثة كالتشكيل وقصيدة النثر، ونتهمهم بالتقليدية المفرطة والتقوقع، ولكن اليوم اشعر اننا يجب أن نوجه هذا الاتهام إلى جمهور النقاد الخرس الذين يمارسون دور (الأطرش في الزفة) وسط هذا الضجيج المفجع من صور الموت والالم والدم، لابد من ولادة وعي نقدي جديد يخلع ثوب المجاملات والتبريرات ويمارس دور القنديل في اضاءة الطرقات نحو التراحم والمحبة والجمال.
إن الوعي الناقد هو المخلص الحقيقي، واملي أن تنبثق افكارا نقدية جديدة تساعد الشعراء على مراجعة نصوصهم بموضوعية لعلنا ندخل في مرحلة ثقافية جديدة يسودها الجمال والمحبة بعد هذا الخصام الطويل مع الحياة.