صدفة خير من ألف ميعاد

بارباروسا آكيم
2019 / 6 / 3

في يوم حُفِرَتْ ذكرياته على شغاف القلب نهايات عام 97 ..
كان الجو بارد جداً و كان صاحبنا قد قرر الإرتحال من مدينته الصغيرة إلى مدينة كولن

صعد كالمعتاد إلى القطار ثم جلس في مقعد متربعاً كملك
تحيط به من أمامه و عن شماله 3 مقاعد فارغة

و كما جرت العادة في حله و ترحاله حاول أن يجلس أقرب ما يكون إلى النافذة


فمراقبة المشهد في الخارج .. صور الناس و الأشجار المتراصة و خيالات الطريق تقتل الملل و الرتابة

و إذ بعد برهة تأتي فتاة
و تجلس
إنها تجلس أمامه !

يا للمسيح ما أجملها من حسناء

- صباح الخير
قالت بإبتسامة ساحرة كشفت عن أسنان شبيهة باللؤلؤ المرصوص
و غمازات على الوجنتين
ثم فتحت الجاكيت
و جلست
فإنساب في المحيط عطر نسائي نفاذ شبيه بماركة كارولينا هيريرا
إنها هكذا مثل رائحة الصابون الممزوجة بشيء من عطر القداح


صباح النور ..
أَجاب و هو لا يدري أحلمٌ هذا أم واقع


مضت دقائق منذ صعود الفتاة و هو لا يتوقف عن إستراق النظر
ما هذه الأذرع البيضاء و الوجه الذي يشع جمالاً و العيون الواسعة الملونة و الشعر الناعم الذي يتراقص مع كل حركة تقوم بها مهما كانت صغيرة

و كأنها أفرودايت وقد أُرسِلتْ من الأخدار السماوية ليهيم الناس بها

إنطلق القطار
ثم غاصت برأسها في الكتاب
نظر إلى غلاف الكتاب ليفتح الحوار

- كيف وجدتِ هذا الكتاب ؟
- عفواً ..؟!
قالت هي

- أَسألك ما رأيك في الكتاب ؟
- من أَي ناحية ؟
- ما رأيك في المؤلف ؟
-عذراً.. و لكن لماذا تسأل ؟
- يهمني أن أعرف رأيك فيما أكتب ؟

هل حقاً أنت مؤلف هذا الكتاب ؟

ماكسميليان نوفسكي ( قال هو )
و مد يده إلى الفتاة للتحية

هي : مارينا ايميليانو
ثم صافحته

هو : هل انت ايطالية ؟
هي : نعم أنا من أصول ايطالية
وانت ؟؟ لا تقل بأنك ألماني ( تسائلت ) مع ابتسامتها الساحرة

كيف يكون ألمانياً و كاتباً وهو يلحن في اللغة و يرطن بلكنة شرقية صارخة ؟

دارت الدنيا كلها في رأسه للحظات .. ربي اين المفر ؟
و ما هذا الهراء الذي أَقوله ؟

كلا لست كذلك ( قال هو )
و هو لا يعرف كيف سيُرَقِعْ كِذبته البَلهاء
قال : أنا من الشرق الأوسط
قالها
مع ( ضحكة غبية )

أريد أن ادعوكي إلى فنجان قهوة ، ما رأيك ؟
قالها و هو يتصور بأن الفتاة ستُغيّر سِحنتها إستنكاراً

فما هذا العتَّه الشرقي الذي يتجاوز كل حدود اللياقة و الأدب ؟

و لكن ماذا ينفع مع صاحبنا الذي جُن تماماً أمام هذه الأنوثة الطاغية وفقد كل وقاره ؟!

مارينا - إذاً انت تكذب أليس كذلك ؟

هو :
- رأيتك فتاة جميلة و رائعة و أردت الحديث معك .. فلم أجد شيء سوى هذه المزحة السَمِجة

مارينا - إذاً ما هو إسمك الحقيقي ؟

إسمي ( كذا ) وهذه المرة أقسم بأنني أقول الحقيقة ، و أن كنت لا تصدقين فمعي كل الأوراق الثبوتية
ضحكت و أَطلقت العنان لأَشداقها
ثم قالت : انت إنسان غريب الأطوار و لكن لا تخلو من روح الدعابة

قال لها : صدقيني نفس الشيء تقوله عني مدرسة
اللغة الألمانية


ضحكت من جديد

فقالت : لماذا تريد دعوتي إلى فنجان قهوة ؟
هل أنت معجب بي مثلاً ؟
و لماذا لا تتصور بأنني مخطوبة أو مرتبطة بصديق ؟
مالذي يجعلك متأكد بأنك ستنجح ؟

عدل وضعه و غير سحنة و جهه نحو الجدية الممزوجة بروح المسالمة مع ابتسامة باردة

ثم قال : إذا كنت مرتبطة فأنا أعتذر ، و إذا لم تكوني كذلك فأسمحي أن أقدم لك رقم هاتفي و حينما تفكرين في قبول دعوتي بعد مليون سنة من الآن
سأكون أسعد الناس

طأطأ رأسه و رفع البطاقة بكلتا يديه

أخذت الرقم و هي تضحك ..
لابد إنها تسائلت ما هذا المخلوق الذي ظهر أَمامي ؟

تبادلوا أَطراف الحديث وجَرَّت الحكاية أختها و الموضوع فتح موضوع آخر و مضى الزمن سريعاً
حتى انتبه صاحبنا إنه قد أدركه الوقت
فقال :

سأنزل في المحطة التالية .. لقد أسعدني الحديث معك من صميم قلبي

- إلى اللقاء يا مارينا الجميلة

- إلى اللقاء

ألقى إليها النظرة الأخيرة قبل النزول

كانت تضحك و تهز رأسها و يدها تداعب خصلات شعرها

كم كانت قوية الشخصية وكم هي واثقة و كم هي آسرة أَخاذة هذه الصبية ؟

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا