انفجار الجبهة الشعبية: واجهة أخرى لإفلاس مسارالانتقال الديمقراطي

بشير الحامدي
2019 / 5 / 30

الأوضاع المتعفنة في الفوق السياسي بيمينه الفاسد باتجاهيه ويساره اللبرالي الطفولي الذي نسف منذ هيئة بن عاشور كل الجسور التي تربطه بالتغيير الجذري وتبنى مسار الانتقال الديمقراطي و إفلاس ديموقراطية الانقلاب أنتجا حالة من التكالب على السلطة تجلت في بروز تنظيمات حزبية و أفراد مغامرين يذكروننا بتنظيمات الفاشية التي نعرف تلك التي نبتت في قلب المجتمعات الرأسمالية إبان أزمتها الحادة في النصف الأول من القرن العشرين وجرّت وراءها إضافة لأغلبية الخدامة والمعطلين والشباب مفقري الطبقة الوسطى من اللذين لم يعودوا يحتملون وضع الانحدار الذي انتهوا إليه.
نبيل القروي وعبير موسى وآخرون سيظهرون لاحقا هم من تمكنوا من الاستثمار في وضع الأزمة السياسية الراهنة لقوى الانقلاب وهم من سيمثلون التعبيرة السياسية الأبرز عن عفن الطور القادم من ديمقراطية الانقلاب.
جبهة اليسار اللبرالي ما كان يمكن لها أن تنجو من هذا الإفلاس العام الذي انتهت إليه قوى الانقلاب إنها مكون من مكونات هذا الانقلاب ولا شك أن وضع الانحلال والانهيار الذي انتهت إليه أحد أسبابه الرئيسية والتي لا تريد تنظيماتها وأنصارها ومنتسبوها الوقوف عنده هو إفلاس المشروع اللبرالي الحداثي الذي انخرطت فيه منذ 2011 .
الجبهة الشعبية ومنذ تشكلها لم تكن حاملة لمشروع سياسي يميزها عن اليمين اللبرالي لذلك لم تقدر على تمثل أوضاع الانحدار الذي سيحدث للطبقة الوسطى والاستثمار فيه ناهيك عن عجزها عن تمثل أوضاع من هم أدنى من هذه الطبقة ـ الخدامة والبطالة والشباب ـ والتي تقول عن نفسها أنها تعبيرتهم السياسية وحاملة مشروعهم في التغيير. لقد استبدلت الجبهة الشعبية الانغراس في هذه الكتلة الطبقية الواسعة والتعبير عن مشروعها السياسي والاجتماعي بالتذيل لليمين اللبرالي والتحول إلى ظل باهت من ظلاله.
اليمين له أحزابه وله مشروعه وله قبل كل ذلك مصالح طبقية يدافع عنها ولن يسلم فيها هكذا بكل بساطة وعبر صناديق الاقتراع الإصلاحيون تاريخيا سواء في أوروبا او في أمريكا الجنوبية وصلوا للسلطة أو تواجدوا في البرلمانات بنسب كبيرة أولا لأنه كانت وراءهم كتل جماهيرية كبيرة وثانيا لأن الأحزاب اليمينية كانت منحصرة مفلسة من جهة ومن جهة ثانية لم يكن مشروع الإصلاحية مشروعا مناقضا للمشروع الرأسمالي بل كان مجرد وجه آخر من وجوهه.
الجبهة الشعبية منذ تأسيسها كانت خارج الصراع وخارج كل معادلاته فلاهي في حقيقتها جبهة بمشروع اجتماعي للتغيير الجذري ولاهي بجبهة بحساب الأوضاع المحلية بمشروع مستقل عن اليمين ولو إصلاحي على الأقل لقد كانت تركيبة توليفية لمجموعات قزمية برجوازية صغيرة سكتارية من الستاليني للبعثي للقومي الناصري للتروتسكي للماوي.
على ماذا توحد كل هؤلاء وعلى ماذا التقوا ؟؟؟
ما هو مشروعهم السياسي وماهي أدواته ؟؟؟
ماذا حققت هذه التوليفة على مدار ثماني سنوات؟؟؟
أي معركة قادت هذه التوليفة بعيدا عن اليمين اللبرالي؟؟؟
هل لهذه التوليفة من مواقع في غير الفوق السياسي الفاسد؟؟؟
أي برنامج معلن ومعلوم تعرف به هذه التوليفة لدى الجماهير؟؟؟
لا شيء في الحقيقة وفي المحصلة النهائية غير التموقع في المشهد السياسي والتذيل لليمين.
وتنظيم بهذا الإفلاس قاعدته وعامل توحده هو اللهث وراء موقع في السلطة لا شك سينفجر في أول خلاف.
ولئن تفادىت الجبهة وضع الانفجار سنة 2014 نظرا للاتفاق مكوناتها وقتها على ترشيح حمة الهمامي "زعيم حزب العمال" للانتخابات الرئاسية إلا أنها وبمناسبة انتخابات 2019 لم يكن بإمكانها تفادي انهيارها فقد صار لحزب الوطنيين الديمقراطيين طموح أيضا لخوض الانتخابات الرئاسية باسم الجبهة بمرشح من حزبهم ... ولئن روج أن هذا الخلاف قد وقع تجاوزه في اجتماع لمجلس أمناء أحزاب الجبهة إلا أن ذلك لم يكن في الحقيقية إلا تأجيلا للخلاف لأن مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية ألقت بظلالها مرة أخرى على عمل الجبهة وعادت أقوى بمناسبة تحديد قائمات الجبهة ورؤساء هذه القائمات في الانتخابات التشريعية والتي يرى المنسحبون أن حزب العمال سيستأثر بأغلبيتها لمنتسبيه وأنصاره.
انفجار الجبهة الشعبية تداعياته محدودة جدا وغير مؤثرة سواء على موازين القوى الانتخابية أو على ميزان القوى بين الأغلبية ونظام الحكم وهو مآل سيعود بهذا اليسار اللبرالي إلى واقعه الموضوعي: مجموعات فئوية قزمية منفصلة موضوعيا عن الجماهير تعيش بأوهام أيديولوجيا عنصرها البرجوازي الصغير الستاليني والماوي والبعثي والتروتسكي والقومي الناصري حتى تتففكك مع أول موجة انتفاضية قادمة تضع على رأس مهامها إسقاط سياسات وقوى الانتقال الديمقراطي .