الحصار من جرائم الإبادة الجماعية

شاكر كتاب
2019 / 5 / 30



لقد عانى الشعب العراقي المرارات الكثيرة وآلام وخسائر لا حصر لها في الأرواح وفي البنى التحتية أثناء فترة الحصار التي فرضت عليه من الولايات المتحدة الأمريكية فر عقد التسعينات من القرن الماضي. تمثلت بوفيات الأطفال والشيوخ نتيجة النقص الحاد الأدوية لأنها ممنوعة من الدخول إلى البلاد. وانتشرت المجاعات والأمراض بشتى أنواعها ووصلت المستشفيات إلى حد العجز من معالجة أية حالة طارئة أو حادة. وتعرضت المدارس والجامعات والمعاهد إلى خراب متعدد الأنواع. وشمل الخراب كافة مرافق الحياة وكاد العراق أن يغدو بادية تخلو من أبسط أسباب الحياة العادية.
وكان على الفكر السياسي ( العراقي على وجه الخصوص ) أن يقف إزاء هذه الظاهرة ليحلل أبعادها ويستنبط دروسها ويعمم منها ما يمكن أن يكون مفيدا للبشرية لعلها تتجنب مثل هذه الانتكاسة الحضارية والإنسانية المروعة.
في الاتفاقيات الدولية تعد الإبادة الجماعية على أنها إحدى الجرائم ضد الإنسانية ( كتلك التي وافقت عليها الأمم المتحدة بالإجماع عام 1948 ودخلت موضع التنفيذ منذ عام 1951 ). في هذه الاتفاقية كما في غيرها تقرر أن الأفعال التالية تعامل على أنها من أفعال الإبادة الجماعية ، لكن لا بد من أولاً على أن الأفعال هذه تقوم بها حكومات (وليست أفرادا) صد أبناء شعبها أو شعوب أخرى. وهذا المفصل مهم للغاية :
1- قتل أعضاء من الجماعة،
2- إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة،
3- إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا،
4- فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة،
5- نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.
وبقدر علق الأمر بالعراق فإن شعبنا تعرض لكل أنواع هذه الجرائم بلا استثناء وعلى الأخص الفقرات من الأولى إلى الرابعة.
من ناحية أخرى يتعرض الشعب العربي الفلسطيني في يومنا هذا وأمام أعين كافة دول العالم إلى إبادة جماعية من قبل حكومة الكيانات الصهيوني بفرض حصار مدمر بشع يقود إلى تدمير الأرض والناس وكل ما ينتجه المجتمع هناك.
ومؤخرا قامت حكومة الولايات المتحدة بفرض حصار مشابه على إيران التي سيتعرض شعبها إلى مآسٍ وكوارث إنسانية كتلك التي وقع في بلادنا كما اشرنا آنفاً دون أن تمس حكومته بما يجري لشعبها وكما لم تمس الأنظمة التي تتعرض شعوبها لحصار بأي ضرر مادي بل ستستفحل قواها الطغيانية أكثر.
وإذا كان المجتمع الدولي قد أنشأ محاكم مختصة بحق مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية باعتبارها ليبست فقط مصطلحا سياسيا وحسب بل وقانونيا كما هو الحال في محاكمات نوريمبرغ عامي 1945 – 1946 والمحكمة الجنائية الدولية للجمهورية يوغسلافيا السابقة ( 1993 – 2017) فإننا نلاحظـ أن هذه المحاكم تمتاز بمت يلي:
1- أنها مؤقتة وتتعلق بحالات معين بذاتها وليست دائمية.
2- بعد أن تأسست المحكمة الجنائية الدولية فإن الجرائم السابقة لم ولن تخضع للمحاكمات كما أن مهمتها محاكمة الأفراد لا الحكومات وانها لا تتدخل بشؤون الشعوب إلا إذا حكوماتها طلبت مطاردة ومحاكمة أفراد معينين متهمين بجرائم الإبادة الجماعية.
كما أن الحديث عن الإبادة الجماعية في كل وثائق المنظمات ذات الشأن بحقوق الإنسان وحقوق الشعوب والبلدان لم تتعرض إلى قضية الحصار الذي تفرضه دولة ما أو مجموعة دول ضد دولة أخرى ولم تقترح توصيفاً له ولم تتوقف عند تداعياته وآثاره التدميرية على حياة مواطني هذه البلاد ومستقبلهم وكل ما يتعلق بشؤونهم.
لذلك أرى أن نرفع صوتنا عاليا للمطالبة باعتبار الحصار إحدى أساليب تنفيذ جريمة الإبادة الجماعية لأنها:
1- تؤدي إلى تجويع الشعوب وتعرضها إلى أبشع أنواع الظروف غير الإنسانية.
2- عملية قتل جماعي متعمد لشعب بأكمله.
3- تعبير عن سادية متوحشة من قبل الحكومات الفارضة للحصار ضد الشعوب المحاصرة.
4- ممارسة الموت البطيء لشعوب بكاملها.
5- هدم لما بينته الإنسانية من حضارة وإلغاء صارخ لكل القيم المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق البلدان والشعوب وخرق للمواثيق الدولية بكافة أنواعها.
6- إرجاع البشرية إلى قرون الظلام والتخلف والعبودية.
7- زرع بذور الحقد وحروب انتقامية قادمة وتشجيع المنظمات الإرهابية التي سيكون ضحيتها شعوب البلدان التي تفرض الحصار ذاتها.
8- تعطيل مبادئ التضامن بين الشعوب والتعاون بين البلدان والانفتاح الحضاري بين أصقاع الأرض.
9- وغيرها كثير من تداعيات.
لذلك ينبغي أن ينهض حراك وطني عراقي وعربي وعالمي ضد سياسة الحصار المتبعة من قبل حكومات الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرها واعتباره جريمة ضد الإنسانية وإنه إحدى أشكال الإبادة الجماعية وخرقاً للقانون الدولي ولحقوق الإنسان بغض النظر عن الشعب الذي ارتكبت بحقه هذه الجريمة. فالإنسانية واحدة لا تعرف التمييز ولا التصنيف النوعي.
د. شاكركتاب
بغداد 30 / 5 / 2019

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية