شام-الفصل الثامن عشر

منير المجيد
2019 / 5 / 29

حي التضامن، هناك حين تتهاوى دمشق في ضواحيها المخلوطة بالقمامة، تتنزّه فيه الجرذان ليلاً مُصدرةً صوت صرير، زارعة فوبيا القوارض في الناس والقطط والكلاب الضالة.
هناك حيث ينتهي عصر الإسفلت، ونعود إلى عصور الغبار والأطيان. هناك حيث يصرّ سائقوا التاكسي وشاحنات السوزوكي، الضئيلة التي تقفز كالكنغورو، على إنزالي على بعد نصف كيلومتر من حيث تسكن بقية أفراد عائلتي.

حين تتوسع مدن العالم، تتوسع بأموال أغنياء المدينة الذين يهربون من ضجيج المدينة، ليبنوا الفيلات المحاطة بحدائق فيها شلالات صغيرة وبرك فيها أسماك برتقالية ومسابح شديدة الزرقة.
بخلاف ذلك، ضواحي دمشق احتلها الفقراء النازحون من المحافظات، أو الشبان الذين تزوجوا ولم يتح لهم شراء شقة في المدينة.

ضواحي دمشق صارت غيتوات هامشية بائسة، ممثلّة الجحيم على الأرض.
كنت، لمدة أكثر من شهرين، أمرّ بقرب ساحة يعلوها الغبار، مليئة بأكياس البلاستيك والزبالة وبراز الأطفال. هناك كان يقف حصان وقائمته الأمامية اليسرى منتفخة بشكل عجيب، وعليها، باستمرار أسراب من الذباب وتبرز منه ديدان بيضاء.

كيف كان يأكل؟ وهل كان يستلقي ليلاً ليرتاح قليلاً من آلامه؟ لماذا لم يقم أحد بمساعدته أو الإتصال بالسلطات؟ لماذا لم أفعل شيئاً؟ لماذا لم يغادر الحصان المكان؟ هل كان يستطيع السير بهكذا حال؟ لماذا لم يطلق عليه أحد رصاصة رحمة كما كان يفعل جون واين؟ لماذا لم تلتهمه الكلاب لتضع حدّاً لعذابه؟ أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها.

في أحد الأيام رأيته ميتاً ومنتفخاً. بقي هكذا عدة أيام حتى صارت جثته تتحلل وتصدر روائح نتنة، حينها قام أحد ما بإزالته.

نسيت صور أصدقاء ومعارف، نسيت معظم شوارع القامشلي، لكن صورة ذلك الحصان، مازالت، ماثلة أمامي وتحاكمني.

الرقيب في مقسم الهاتف في المتحف الحربي كان يتلقى مكالماتي الخاصة ويحوّلها إلى مكتبي. لم يكن مكتباً بل برّاكة فيها سرير عسكري عليه بطانية بنيّة اللون، تماماً مثل تلك التي في مدرسة المشاة، وطاولة عليها جهاز هاتف أسود، ومدفأة كهربائية وكرسيين.

آرسيني كانت تتصل أحياناً من حلب، ويقوم الرقيب بإخطاري أولاً، ثم أضطر إلى التحدث بصوت عالٍ للغاية كي تسمعني.
الموظفون وجنود المفرزة وزوار المتحف كانوا يسمعونني أيضاً. وحين اتفقنا على زيارتها لي في دمشق، وضعت نفسي والعائلة في موقف صعب: أين تنام؟

بعد نقاشات طويلة وافقوا على أن تنام في غرفتي، لكن كل على فراشه. بعدئذ، عاهدت نفسي أن لا أضع أفراد العائلة في موقف كهذا، وليذهب شبق سن الشباب إلى جهنم.

شهر العسل القصير الذي شهدته العلاقات السورية العراقية شهد أيضاً مباراة لكرة القدم بين منتخبي البلدين على ملعب العباسيين.
لم أكن أبداً من عشاق كرة القدم، ولم أفهم تماماً متعة متابعة شبان أصحاء يجرون خلف كرة طيلة الوقت، تماماً كما لم يفهمها أحد شيوخ الخليج.
ليس هذا فحسب، فاللاعبون غشاشون، كاذبون، يتضاربون أو يرمون أنفسهم على الأرض يُمثّلون دور الضحية، يبصقون دوماً وأحياناً يبصقون على أعضاء الفريق المنافس، وهم، حين يتحدثون، لا يستطيعون النطق بجملة وحيدة مفيدة.

الملعب كان مكتظاً لآخر متر مربع بالضجيج والناس، حاملي الأعلام واللافتات.
الأضواء العملاقة حولّت ليلة دمشق تلك الأمسية إلى نهار.

بدأت المباراة، وخلال دقائق سجلّ العراقيون الهدف الأول، ثم الثاني والثالث، والجمهور يغلي ويصيح.
بعد الهدف الرابع، سجلّ السوريون هدفاً سهلاً دون دفاع من الجانب العراقي.
اليوم التالي أقسم بعضهم أن لاعب الدفاع العراقي ترك المجال أمام المهاجم السوري ودعاه أن يسجّل الهدف قائلاً «هاي شنو، تدلّل»، كتأكيد على حسن العلاقات بين الحكومتين والشعبين الشقيقين.

أعتقد أن علاقتي بممارسة الألعاب الرياضية انتهت تلك الليلة وإلى الأبد.

أعود إلى الشيخ الخليجي: بعد الإستقلال من الإستعمار البريطاني وتدفق أموال البترول، اقترح مستشاره الإنكليز بناء استاد رياضي، ووعده أيضاً بتشكيل منتخب وطني يدربه مختص انكليزي.
وهذا ما تم في وقت قياسي. يوم إفتتاح الاستاد الرياضي، جلس الشيخ وخدمه وحشمه على أرائك بيضاء طرية في مقصورة خاصة، وأعلن بإشارة من يده بدء المباراة مع المنتخب الإنكليزي (ومن غيره؟).
بعد نصف ساعة من بدء المباراة أشار لواحد من رجاله، وهمس في أذنه: لماذا لا تعطونهم كرات أكثر؟
أعتقد أن هذه الحكاية هي طرفة حقودة من بعض الحُسّاد العرب.

مطعم اللاتيرنا. على بعد أمتار من بار فريدي، كان مكان لقائي اليومي مع الأصدقاء، كما كان مُجمّع المثقفين في المدينة. هؤلاء الذين يتبادلون الكراهية إلى حد الموت.

خير الدين سليم، والذي كنت، ومازلت، أدعوه خيرو، كان من هؤلاء الذين ألتقي بهم كثيراً. كنّا نجلس هناك لوحدنا في البداية، لكن سرعان ما يتوافد الآخرون. شعراء، صحفيون، سينمائيون، روائيون وأحياناً يطلّ فؤاد الراشد ويطلب مني أن أدعوه على كأس عرق.

مرّة جاء خيرو بصحبة حنان. وخيرو، كما أيام الدراسة، كان دائماً صديقاً للفتيات، دون أن يرتبط بأحد.

حنان، بنظاراتها الكبيرة والفراغ الصغير بين أسنانها الأمامية وجسدها الشهي، أثارت، أيضاً، إعجابي بأريحيتها وتحرّرها من كل القيود الإجتماعية.

صرنا على علاقة جعلتني أبتعد، عاطفياً، عن آرسيني، دون أن أقع في حب حنان. ارتباك بمبرّرات.
وشعرت بنفسي مخوزقاً من كل الجهات: إستحالة أن آخذها معي إلى غرفتي لدى العائلة، فأنا لا أريد أن أطأ الأعراف الإجتماعية بعد زيارة آرسيني، وعدم توفر مكان لدى الأصدقاء لنقتنص خلوة لمدة ساعة أو اثنتين، وأيضاً مستقبلي بعد الإنتهاء من الخدمة العسكرية.
هل أعود إلى تدريس مادة الفنون في القامشلي حسب العقد الموقع مع وزارة التربية؟ أم أبقى في دمشق واستمر بالعمل في الصحافة، مستفيداً من علاقاتي العريضة، لتسوية وضعي مع الوزارة؟

هكذا كنت في الأشهر الأخيرة قبيل إنتهاء الخدمة العسكرية.
أزمة السكن في دمشق كانت على أشدّها. الأسعار مرتفعة، والموظف يستحيل عليه شراء شقة بالإعتماد على راتبه الشهري.
ثم ذلك الضجيج الذي جثم على المدينة كوباء. كثرة وتزاحم الناس على الأرصفة، هدير وأبواق الحافلات التي كان يتسلّى بها السائقون، كانت أسباباً إضافية تنفرني من دمشق.

دمشق، المدينة التي عشقتها أكثر من أي قصيدة شعر، وملحن ومطرب، كانت على وشك أن تبني جداراً بيني وبينها. كانت تطلب مني بصمت، لكن من خلال ضجيجها، أن أعود إلى قامشليتي التي تنتظرني، مرميّة بإهمال على الجهة الجنوبية من جبال طوروس التي يمتطي قممها ثلج لا تجرؤ شمس الصيف على إذابته.

كلما أتذكر ضجيج دمشق، أتذكر حادثة طريفة-تراجيدية في ذات الوقت.
زحمة السير في المدينة جاءت كمفاجأة وغير متوقعة على السلطات البلدية المختصة بأمور السير، ولم يستطع المهندسون من إيجاد الحلول الصحيحة المناسبة، فكان أن لجأت إلى الأصدقاء السوفييت، الذين، بدورهم، سارعوا إلى إرسال لجنة من الخبراء.

في اليوم الثاني جلسوا جميعاً في إحدى حافلات بلدية دمشق لأخذ فكرة وإجراء دراسة ميدانية مبدئية عن أزمة السير. وبالضبط، في ساحة عرنوس تعرضّت حافلتهم لحادث سير مروع قتلهم جميعاً.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا