من دراسة بعنوان(الملمح الصوفي لدى شعراء بني سويف ) بقلم د .أسماء عطا

مؤمن سمير
2019 / 5 / 28

من دراسة بعنوان(الملمح الصوفي لدى شعراء بني سويف ) بقلم د .أسماء عطا
"إن بحث الإنسان المعاصر عن وجوده وغايته، وجوهر مصيره الإنساني جره إلى التجربة الصوفية جرًا بما تفتحه هذه التجربة من أفاق جمالية ومعرفية، ووجودية جديدة ، وعلى رأسها أفق السؤال عن المصير الإنساني. و هذا واضحً في جميع الفنون المعاصرة على نحو جعل من التجربة الصوفية ملهمًا عظيمًا لهذه الفنون. فثمة علاقة وثيقة بين هوية الإنسان وهوية الفن ، وهوية التصوف حيث يجمعها جميعًا روح السؤال الإنساني اللا منتهي، خاصة بعد أن تبدلت الإنسانية المعاصرة في أوحال المادة والاستهلاك والثرثرة والاغتراب والانفصال والحيرة في عوالم الوسائط التكنولوجية التي أحدثت تحولًا هائلًا في الإنسان وجوهره، وفي الواقع والقيم، وفي الوجود وأساسه الأنطولوجي الأصيل".( التصوف في الأدب المعاصر، أيمن تعيلب ،مقال علي شبكة الإنترنت)؛ لذا حاولت النزعة الصوفية "رفض حدود الواقع وتخطي الممكن المرئي إلى المجهول اللاّمرئي وتجاوز الملموس الحسي إلى المجهول الغيبي في إطار المزج ما بين المثالية التي ترفض حدود الواقع والرضوخ له والرومانسية التي تكرم الإنسان، والرمزية التي تجد كل ما في الأرض رمزا ومعنى، والسريالية التي تخترق حصار العالم المادي وتنطلق إلى أفاق الشعور والفكر والخيال، والتجريدية التي تجرّد الإنسان من كل الاضطرابات والتفاهات المشتتة له وتركزّ بصره على معنى الوجود وهدف حياته، و الميتافيزقية التي تؤكد الكيان الروحي للإنسان بجانب كيانه المادي". (عبد الرحمن القعود، الإبهام في شعر الحداثة ، عالم المعرفة ، ص: 24) فالرؤية الصوفية في الشعر بوجه عام هي بحث مستمر عن الرمز الإنساني في معناه الأسمى ومحاولة وصل الذات بهذا المعنى؛ لتأصيل جوهر إنسانية الإنسان من صفة وخلق وعمل بوصفه امتدادا روحيا لأصالة الذات في نشدانها المتعالي والمثال عبر جدلها الدائم مع الواقع القائم على العيان والاستبصار والتأمل فالشاعر و المتصوف كلاهما يرفض التعامل مع تلك التأثيرات العيانية التي تشغل حواسنا من حيث المظهر الخارجي، لأنها تغرق صاحبها"( عبد القادر فيدوح، التأويل والرؤيا، مجلة البحرين ) ومن ثَمَّ وجد الشعراء في المنحى الصوفي منفذاً إلى عالم المُثل في محاولة للهروب من عوالم محيطة بهم" أملاً في الخلاص وبحثا عن المعادل الوجداني لكياناتهم المفعمة بالسُّمو والامتلاء، فالصوفية استنباط مُنظّم لتجربة روحية، ومحاولة للكشف عن الحقيقة والتجاوز عن الوجود الفعلي للأشياء." (مصطفى محمد هدارة: النزعة الصوفية في الشعر العربي المعاصر، مجلة فصول، عدد4، 1982م) فيقول الشاعر مؤمن سمير :
"التحيات لك يا من لم تهل لحد اللحظة
وانتظرتكِ بعد أن أيقنتُ أنه من الضروري لظلي
أن تدوسي عليه و يتألم ...و سمعتُ قرب الفجر أنين عظمى
فاقترفتكِ و استجاب الحائط وربت علي وقال أشوف مسامي كلما تبكي ..
التحيات والبركات والأشواق ، والصوف الذي ستمنحينه العابر
فوق النهر ليصطاد بريقكِ كلما مرَّ بقلب الغابة رعباً من تلصص السماء ..
لهجيرك ، لأحداقك المطفية كي تفوت على الجنادب
والرعاة و ذئب الحكاية، لقبلات الليل، لأقوالك في اجتماع الخشية
وترنيمكِ لدقاتهم الحيرى، للقتل البليغ،
النائم تحت أظافركِ ، القائم والقاعد عند أنقاض المحبة ..
سلامٌ للقوة في ألا أسميكِ وضعفي الذي أراني ما لم أذقه في سجني
المتواري جنب النقوش .. يا التي تَشُكِّينَ يقينهم كلما تنكمشين
ويوم توسع الطريق لك لا تؤمئ ولا تشم العاصفة ولا تشير
ولا تظن ... يا حبيبةً و مرعبةً وتهبطين في رداء الأب ،
يوم تلهو الأرواح لأجله وتصطخب الشياطين
و لم أحيا لقربهِ ولا الرب قال حاول ، لكنني حلمت
و ارتعشت و سقط لحمي ... التحيات لمجد الوحش ، يوم ينازل
وهج النبع
ونام بنهر القدمين
وعسكرتُ تحت الغمامة
وأيقظتني العناكب الصافية في صبارتنا
التحيات لكِ
وليس سواك أحلى ،
من الجحيم" ... (مؤمن سمير ،حيز للإثم ، بتانة ط1 2017 ص 5-6)
إن رحلة مؤمن سمير مع العالم الداخلي هي حالة من الفناء الذي يعيشه الشاعر في ظل الرموز الإيحائية للكلمات، فنجد الملمح الصوفي في هذا النص يشكل حالة من حالات الشوق عبر المناجاة الداخلية التي تقوم بها الذات الشاعرة من أجل الوصول إلى حالة من الرضا التي لم تأت بسهولة ،فيتكبد الشاعر المعاناة الكبيرة من أجل الوصول إلى لحظة الوصل والوصول، فهي لن تحل دون (تناجي الذات، ودون أن تدوس على الظل) فالشاعر هنا يقدم تجربته الشعرية معتمدا على الرموز النفسية والطبيعية المرتبطة بواقع الشاعر؛ ليرتفع الشاعر بنفسه وبشعره إلى أعلى درجات الصفاء والسمو الذي يحقق الرضا والسعادة والذوبان النفسي مع الآخر عبر رحلة الكتابة التي تتخطي اللغة الخطابية المباشرة إلى اللغة الإيحائية الرمزية؛ لتصبح طاقة متفجرة لإشفاء الغليل الذي تعرض له الشاعر من جراء الحياة عن طريق عرض العوالم الغير مرئية ؛ليخلق المعادل التخييلي لهذه الحالة التي يعيشها ويخاطب من خلالها القلب لا العقل ، للوصول إلى عالم المطلق والحق ، فالرمز فتح أبواب التجربة الشعرية على أبعاد دلالية عدة تعمل على إزالة الغموض القائم داخل النص، وتفجير عوالم لا متناهية من أجل الارتحال الدائم في سبيل الكشف، "ويكون الولاء فيها للشعر حيث تبدأ بعد التأهب الساكن لذروة الشعر والتي لا تجيء فيخرج إليها الشاعر طالباً عطاء بعد أن ينزع عن نفسه كل شارات الحياة مُبحراً كتجرد الحاج إلى قدس الأقداس". (صلاح عبد الصبور: حياتي في الشعر، دار العودة، بيروت ط1، 1977م، ص:15 ) فيتعوض الغياب الجسدي في ملكوت الكون من خلال الأفكار والخواطر ، فتداعب الذات أسرارها الباطنية في صراعها مع العالم الخارجي ليتطلع إلي عالم أفضل وإنسان أكثر حرية ،"لأنّ هذا الميدان خير ميدان تتفتح فيه ذاتية الشاعر وفرديته، فهو ينفصل عن المجتمع ظاهرياً ؛ليعيش آلامه التي هي نفسها آلام المجتمع، فالملمح الصوفي محاولة للتعويض عن العلاقات الروحية والصلات الحسية التي فقدها الشاعر وتلطيفاً من حد المادية الصلب الخشن" (عثمان حشلاف: التراث والتجديد في شعر السيّاب، ديوان المطبوعات الجامعية بن عكنون الجزائر،ص15) فليس غريبا أن ترتبط تجربة الشاعر المعاصر بالتجربة الصوفية.

* جزء من بحث بالعنوان نفسه ألقي في (مؤتمر اليوم الواحد) وتضمنه كتاب الأبحاث الصادر عن المؤتمر . إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي – فرع ثقافة بني سويف يوم 30 إبريل 2019