المسارات الثورية المخفقة وتجار الديمقراطية والانتخابات ومافيات الاعلام والمخابرات

بشير الحامدي
2019 / 5 / 24

المسارات الثورية المخفقة وتجار الديمقراطية والانتخابات ومافيات الاعلام والمخابرات
ـ 1 ـ
في الوقت الذي كان فيه النشاط الجماهيري المستقل في أوجه عقب ترحيل الديكتاتور في 14 جانفي 2011 وفي الوقت الذي كان فيه ممكنا توجيه هذا النشاط الذي بلغ أوجه في اعتصامي القصبة 1 و2 ودفع الجماهير إلى العودة للجهات والمحليات وتأسيس هيئات للقرار ديمقراطية ومستقلة وتفكيك مؤسسات النظام ومباشرة عملية إدارة وتسيير ودفاع ذاتية شاملة لكل مناحي الحياة كانت ضرورية للبدء في تنفيذ مهمة التغيير الجذري للنظام التي عبّر عنها شعار المسار الثوري تعبيرا فصيحا بشعار الشعب يريد إسقاط النظام والمرور من مهمة يريد إلى مهمة مباشرة البناء الجديد غاب كل ذلك لتعوضه مهمة المجلس التأسيسي التي كانت صيغة كتبية متخلفة لبرالية ليسار تربّى على الترسّب في الماضي وعلى نقل التجارب التي وقعت في بقاع أخرى و أزمنة أخرى وثورات أخرى صيغة نجحت الثورة المضادة في استثمارها ومثلت لها طوق النجاة من موجة تجذر كانت ستطيح بها و بإمكانية ترميم النظام التي كانت تعمل على تفعيلها كبديل عبر حكومتي الغنوشي الأولى والثانية وعبر الهيئات الانقلابية التي أسستها وعلى رأسها هيئة بن عاشور. ما دفعنا للعودة لهذا الفترة من التاريخ والتذكير بها هو المآلات التي انتهى إليه الصراع ضد قوى الثورة المضادة وانحصار مشروع التغيير الجذري وتلاشيه وعجز الأغلبية المعنية به عن استئنافه أو حتى فرض استقلاليتها التنظيمية والسياسية عن قوى الثورة المضادة وعن سياياتها إلى حدّ الآن.
والآن وبعد ثماني سنوات ها هي نفس القوى ترتب لطور جديد من استمرار الانقلاب في وضع يشهد فيه النظام المرمم أزمة شاملة على كل الأصعدة كما تشهد فيه أوضاع الأغلبية انحدارا على كل المستويات ولكن برغم الأزمة في الفوق والأزمة في القاع الاجتماعي فإن لا شيء بنبئ بحلول في الأفق سواء من قبل النظام الذي برهنت سياسات الإنتقال الديمقراطي وارتباطاته بدوائر القرار المالية والسياسية والمخابراتية الأجنبية أنه ليس بمقدوره تنفيذ ولو بعض الإصلاحات أو من قبل الأغلبية التي لم تستخلص بعد الدروس الضرورية لمسار الانقلاب على مهامها ولم تهتد إلى ضرورة المقاومة ومباشرة ذلك عبر الانخراط في السياسية لصالحها كأغلبية أي فرض سيادتها على قرارها وسيادتها على الموارد والثروات ووسائل الإنتاج وهما المهمتان المنقلب عليهما والتان تمثلان اليوم قاعدة استئناف تنفيذ مشروع التغيير الجذري.
ـ 2 ـ
عصابة الانقلاب أفرادا وكتلا وطبقة لم يعودوا أعداء محتملين أو يقع تحديديهم نظريا إننا صرنا نعرفهم وندركهم ليس كأشباح ورموز فقط بل لقد حتم عليهم الصراع أن يخرجوا رؤوسهم من كهوفهم ويطلوا بقاماتهم فتبيناهم من أيديهم و وجوهم الملوثة بدماء الشهداء وبدمائنا وعرقنا على امتداد أكثر من نصف قرن وبأسلحتهم التي شهروها علنا ضدنا لقد صرنا معهم وجها لوجه: إنهم التحالف الطبقي المكون من البرجوازية الوكيلة السمسارة العميلة المرتبطة ومن حثالة رأس المال المتوسط الفاسد الذي أنتجه تراكم مرّ على رقاب الخدامة والمستهلكين ومن بيروقراطية في أجهزة الدولة الإدارية والسياسية والمنظمات المهنية الدائرة في فلك رأس المال المكونة من لفيف من المرتشين والطفيليين المتمعشين من الصفقات الوسخة والفساد والتهريب والوكالة ومن السلم الاجتماعي والبيع والشراء في حقوق الجماهير المفقرة والمستغلة التي ظلت تتوسع وتتعمق دائرة بؤسها واستغلالها باستمرار.
هؤلاء هم من نطلق عليهم مافيا المال والسلاح و الاعلام. إنهم كذلك البيروقراطيات الحزبية والجمعياتية والنقابية من اليمين واليسار المعادية لكل إمكانية للتغيير الجذري إنهم تلك التنظيمات الممولة والمرتبطة برأس المال وبمراكز نفوذ سواء حكومات أو شركات أو بنوك إنها تلك التنظيمات التي حالت دون تجذر مسار 17 ديسمبر ووقفت في وجهه وحولت الثورة إلى انتقال ديمقراطي وانتخابات والمحاسبة إلى مصالحة والصراع ضد القديم الفاسد الى وفاق معه.
إنها الأقلية المنظمة والمنضبطة لقرارات مافيا المال والسلاح والإعلام التي قادت الانقلاب والتي بيدها كل القرار السياسي والعسكري و المخابراتي هذه المافيا هي مجموعة ذات نفوذ لا حدود له تستمده من سيطرتها على موارد البلاد وثرواتها وكل وسائل الانتاج ومن وكالتها للقوى الاستعمارية وعمالتها لاستخبارات الأمريكية والفرنسية والصهيونية وغيرها وتحكمها المباشر في بيروقراطيات العسكر والبوليسية أي من امتلاكها أساسا للمال والسلاح.
هؤلاء هم أعداؤنا الذين بيننا والذين لا سلاح لنا في مواجهتهم غير أن ننتظم باستقلال عنهم ونقاومهم على كل المستويات دون هوادة فهؤلاء هم النظام والاطاحة بهم هي التنفيذ العملي للمهمة التي استشهد من أجلها المئات مهمة: إسقاط النظام.
نحن لا نردد شعارات ثورجية كما يعتقد البعض دون أن يكلفوا أنفسهم مهمة تفكيك هذا الخطاب وتحليله والخروج منه باستنتاجات عملية لمشروع تغيير جذري والانخراط فيه مكتفين بترديد مقولات تعويمية فضفاضة تبدأ وتنتهي بالتبرير لانخراطهم في مسار الانقلاب والتشريع له أو بالتمويه باستقلالية جوفاء وثرثرة بائسة عن اختلافهم عن السائد ونقدهم للوضع القائم ثرثرة أشبه بلوثة مرضية لذوات عاجزة عن الفعل ومستكينة لسحر الجملة الجوفاء.
ـ 3 ـ
أكيد أن ما وقع في 17 ديسمبر لن يعاد
و أكيد أن أوضاع 2011/2010 ليست هي أوضاع 2018 وأن خبرة الأغلبية اليوم ليست هي خبرتها سنتي 2010/2011 .
في 2010/2011 تمكنت الجماهير من التوحد حول هدف واحد هو " يرحل بن علي " ووصلت نقطة اللاعودة في تحقيق ذلك ولأن مهمة إسقاط رأس النظام لم تكن وحدها لتحقق مهام التغيير الجذري سهل على حرّاس النظام الانقلاب على المسار والحركة برمتها وربطها بما سمّي بمسار انتقال الديمقراطي. فعلى عجز الجماهير وقتها وفيما بعد على الربط بين مهمتي ـ يرحل بن علي ـ والشعب يريد إسقاط النظام وعلى تجاوز شعارات ـ التشغيل استحقاق ـ والمجلس التأسيسي ـ والحريات السياسية ـ التي وقع تبنيها من قبل قوى الثورة المضادة وتحقيقها بما يخدم مصالحها وارتباطاتها واستمرار النظام تأسس واستمر الانقلاب وتأسست سياساته الحالية التي أصبحت محل معارضة من قبل الأغلبية الساحقة ومن قبل تلك الكتلة الطبقية النشطة التي فجرت الثورة قبل 8 سنوات.
يبدو الوضع اليوم متقدّما كثيرا عما كان عليه سنة 2011/2010 من حيث المهام المطروحة على الجماهير فمهمة اسقاط النظام المسقطة في أول المسار ها هي تعود في كل مرة إلى الواجهة بوصها المهمة التي دونها تتعذّر كل مهام التغيير الجذري الأخرى. مهمة إسقاط النظام اليوم تشترط تجاوز العجز الذي ولده وقف مسار 17 ديسمبر في حدود الشعار الديمقراطي والدستوري إلى اقتحام مجال الحق في الثروة وفي الموارد ووسائل الإنتاج وتسييرها ذاتيا لصالح الأغلية عبر مجالس محلية لا امتيازات مادية أو سياسية لأعضائها. الطور الثاني من مسار 17 ديسمبر يتقدّم نحو إنجاز هذه المهام فقد كانت سنوات الانقلاب الثماني الماضية كافية للوقوف على كل هذه الحقائق. قد تتعثر الحركة أشهرا أخرى وربما أكثر ولكن التاريخ لا يمكن أن يتوقف والنظام لن يستمر إلى ما لا نهاية في الخروج من أزماته بمزيد إنتاج الأزمات والحركة بدورها ستلفظ عجزها وتخلص نفسها من الميّت فيها وتتقدم متجاوزة كل المسارات التي تشدها لعجزها ومراوحتها في نفس المكان.
17 ديسمبر كان أيضا حدثا لا أحد انتظره. هذا أيضا درس لا يجب أن ينسى في كل الأحوال.
ـ 4 ـ
ولئن تعطل مسار التغيير الجذري فإن مسار انقلاب مضى ويمضى قدما برغم سقوط أقنعة كل قواه و إفلاسها فبعد انتخابات 2011 التي جاءت بحكومة الترويكا وبعد انتخابات 2014 التي أعادت جزءا كبيرا من التجمعيين والمتسلقين الجدد الفاسدين إلى السلطة والذين تربوا في نظام بن علي ليتقاسموا السلطة مع حركة النهضة فإن انتخابات 2019 والتي ستجري بعد أشهر ستكون كسابقتيها مجرد محاولة بائسة لنفخ الروح في نظام متاهلك وسياسات تفقير ونخب بيروقراطية لا هدف لها عير أن تكون وكيلة وعميلة.
ما الجديد الذي يمكن أن تأتي به انتخابات 2019؟
هل ستعيد فتح ملف موضوع المصالحة وما انتهت إليه
هل ستعيد طرح مسألة المديونية ورهن البلاد ومستقبل سكانها لعشريات لصالح البنوك الدولية
هل ستعيد طرح موضوع تشغيل أكثر من مليون بطال
هل ستعيد طرح مسألة ثروات البلاد المنهوبة للشركات الأجنبية ولصالح أسر مافيات الاقتصاد التي لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد من شاكلة عائلة بوشماوي وغيرها.
هل ستطرح مسألة التهريب ومسألة الإرهاب ومكافحة الفساد ويحاسب المورطون فيها ومن يحميهم من كل أجهزة الدولة وما وراءها
لا شيء في الحقيقة من كل هذا سيحدث بل سنرى برامج متهافتة وعود براقة وصراع ديكة على التواجد في السلطة بأي ثمن وستبقى الأوضاع على ماهي عليه لابل ستتعفن أكثر فأكثر.
انتخابات 2019 لن تكون سوى طور جديد من مسار تأكد أنه لن ينجح سوى في إعادة إنتاج نفس الأزمة وتعميقها و أكاد أجزم أنه سيكون بابا مشرعا لعودة أبناء بن علي الأصليين إلى الحكم ...
إنها الثورة المجهضة التي لا يقدر المنقلبون عليها سوى على إنتاج أوضاع شبيهة جدا بأوضاع الحرب حيث يعتلي الركح الفاسودون والمجرمون وتجار السلاح والمخابرات فمثلما تنتج الحرب تجار السلاح من كل نوع تنتج المسارات الثورية المخفقة تجار الديمقراطية والانتخابات ومافيات الاعلام والمخابرات من كل نوع أيضا.
ـــــــــــــــــــــــ
بشير الحامدي
24 ماي 2019