الشعر الصوفي في ميزان خاص

قحطان الفرج الله
2019 / 5 / 22

إن دراسة الشعر بشكل عام تحتاج لذائقة فضلا عن المهارة النقدية وسعة الاطلاع، ولكن الشعر الصوفي، يحتاج إلى اعمال الفكر أيضًا، فالصوفية أكثر من شعراء بل هم أصحاب طريقة ومنهج، كان الشعر أحد أدواتهم، فاللغة لدى الصوفي لغة عالية الرمزية، لها مئات المحطات والأبواب والمسالك التأويلية.
إن امتزاج الفكر، والطريقة، والرؤية الوجدانية يخلق نصوصًا غاية في البراعة والتداخل، كُتبت بلغات عدة لعل العربية والفارسية في صدارة ذلك، كشعر ابن عربي والحلاج وابن الفارض والسهروردي، وبلغت في الفارسية أوجها على يد فريد الدين العطار والرومي والجامي وأبو الخير الخرساني ومحي الدين سنائي، وغيرهم الكثير.
إن امتزاج العناصر الثلاث (الفكر، والوجدان، والطريقة) في إناء واحد يتيح مساحة واسعة جدا للكشف والتأويل والجمال الفني، فهو يحمل البعد الفلسفي من ناحية ويحمل البعد الوجداني بما يظهره من وجد وحبّ وهيام فاق في ذلك عذاب العشاق العذريين، ويحمل أيضاً المسلك أو الطريقة التي ينتهجها المتصوف في السير إلى المعشوق، فتتباين وتتعدد المشارب، فعشق الرومي غير عشق الحلاج وعشق السهروردي غير ابن عربي، ومع هذا وذاك لا تخلو طرق الصوفية من الإفصاح احيانا اذا ما فاضت الأسرار بنفسه فيعطي حين ذاك للجاحد حق التصرف بدمه، كما هو الحال مع الحلاج الذي كان يَعد نفسه أكثر من عاشق إلهي متجرد، حطم باب حجرة الحضرة الإلهية الذي حرص المتصوفة على اغلاقه بإحكام.
التجرد من الذات الذي ساق الحلاج إلى مصلبه جاء فياضًا بنصوص تحفل بصدارة الأبعاد الثلاث، إن فكرة تجلي الله لمخلوقاته التي تقود إلى معرفته، والتي يسميها السهروردي كشوف المحبوب لحجب جماله: هي التي تكون الدافع لرغبة الحبّ "وفي طبيعة الجمال تكمن الرغبة في الحبّ" ومن هذا يفترض الصوفية إلغاء الاثنيينية نحو ألانا الواحدة كما يقول الرومي"خلعت الاثنينية، ورأيت العالم واحدا" وبالعودة إلى النصوص وكيفية النظر إليها ففي رايي: إن طغيان أي عنصر من الثلاثة على الاخر ينتج نصوصًا ضعيفة وفقيرة من الناحية الفنية كالعديد من نصوص ابن عربي والشبلي لغلبة الفكرة على الشكل الفني، ولكنها عالية عن الحلاج وابن الفارض، وعالية في لغات اخرى حتى بعد ترجمتها كنصوص الرومي والخيام، إن الغرق في المحسنات البديعية سمة غلبت النص الصوفي، ولكنها كلما تجردت تجرد الصوفي ازدادت جمالا ورونقا وأصبح لها ميزانها الخاص مثقاله العشق.