أزمة المثقف المسيحي

منسى موريس
2019 / 5 / 21

ليس هناك أصعب من أنك تشعر بأن وجودك غير ضرورى وغير مهم , ليس هناك أصعب من أن يكون عقلك وثقافتك وفكرك لايساوى حتى قيمة الصفر , ليس هناك أصعب من شعورك بأنك مُجبر على أن تسير فى طريق تم إختياره لك من قبل جماعة أو مؤسسة ما تتحدث بأسمك , ليس هناك أصعب من أنك تكون مُدرك جيداً لواقعك الذى تعيشه وترى بشاعتة بكل وضوح ولاتستطيع تغييره أو تجميله لكن لاتملك أى قرار سوى أن تعيش فيه كما هو رغماً عنك ولاتسطيع المشاركة فيه لأن مشاركتك ستكون بلا جدوى لأنه فى الأساس ليس واقعك بل من خلق وصنع من يتحدثون بأسمك , كل هذا يجعل المرء يتسائل هل هو فى حالة وجود أم فى حالة عدم !؟ أم فى حالة وسط بين الأثنين.

عندما تكون داخل سيارة وتجد السائق يتجه وفق ماهو يريد وليس كما أنت تريد وأنت تعلم جيداً أنه يسير فى الطريق الخطأ , الطريق المسدود, وتصرخ فى وجهة ليس هذا هو الطريق , ليس هذا هو الطريق , لكن هيهات هيهات !! من أنت حتى تقول له ذلك أنت ببساطة لاتملك القرار ولاتملك سوى صوت ضعيف لايصل إلى أحد بل أنت مجرد رقم ,عدد , إحصاء فى هذه السيارة مثلك مثل الجميع دورك أن تكون داخل هذه السيارة حتى إن وصلت بك إلى حافة الهلاك فهذا هو قدرك لأنك مجرد مكون من مكونات القطيع وعلى القطيع الطاعة لا النقد والإختيار الحر, والأكثر من هذا الذى يزيدك إحباطاً ويزيد من حجم معاناتك تجد الأغلبية من الركاب داخل هذه السيارة يثقون فى السائق ثقة عمياء ويعتقدون أنه أذكى منهم جميعاً وأنه تم إختياره من قبل الله لقيادة هذه السيارة بينما هم يصفقون ويزغردون أنت تصرخ وتبكى لا أحد يسمع صوتك وأنينك بل يتهمونك بالجنون وبالخيانة ويحتقرونك ويشككونك فى عقلك وحواسك وفكرك لأنهم آمنوا أن السائق هو وحده من يملك الحقيقة المطلقة ويجب على الجميع التسليم لأى طريق يختاره هذا السائق.

فالسيارة هى الحياة والسائق هو الكنيسة المتمثلة فى طبقة رجال الدين والركاب هم العوام من الشعب , فهل هناك أصعب من أن حياتك يقودها غيرك رغماً عنك وأنت تعلم أنه يقودك بغير إراده منك إلى طريق مجهول مظلم مخيف وتصرخ ولكن لأفائدة إن صوت التصفيق و الزغاريد هو المسموع أما البكاء فالكل يتجاهلة ولا أحد يلتفت إليه من الأساس.


هذه معاناة وأزمة المثقف والمفكر المسيحيى فى الشرق الأوسط مع المؤسسة الدينية المتمثلة فى رجال الدين وطبعاً قلت المثقف لأن الإنسان غير المثقف لايفكر فى الواقع بل يعيشة وعقلة أصبح مُسخر لأغراض العمل ولقمة العيش والزواج وهموم الحياة وقد سلم عقلة لهذه المؤسسة إعتقاداً منه أن هؤلاء مختارين من قبل الله هم يفكرون بدلاً منه ويقررون أيضاً بدلاً منه وهم وحدهم لهم الحق فى صنع وخلق الواقع وعليه معايشة هذا الواقع وفق رؤيتهم ولايملك أى عقلية نقدية من خلالها يحدد صحة أو خطأ فكر رجال الإكليروس , لكن الحال يختلف إختلافاً كلياً بالنسبة لطبقة المثقفين والمفكرين لأن هذه الطبقة تحاول فهم الواقع ودراسته والبحث فيه وتحاول تغييره للأفضل لكن للأسف غالباً ما تُقابل بالرفض من طبقة رجال الدين وطبقة العوام أيضاً فيتحول الوعى إلى لعنه والإدراك إلى غم .

ليس هناك أصعب من أن مؤسسة تحدد وتختار لك كل شىء وأنت لم تختار أى شىء !

إذا كان الإنسان المُفكر لايستطيع بناء نسق لاهوتى يتفق مع وجهة نظره وفكره بناءاً على دراستة الخاصة بمعزل عن هذه المؤسسة الدينية لأنه لو تبنى أى وجهات نظر تختلف عنهم سيتهمونه بالهرطقة , ولايستطيع أن يقول وجهة نظره السياسية والإجتماعية بمعزل عن هذه المؤسسة لأن وجهة نظره عديمة الفائدة لأن المؤسسة هلى التى تختار بشكل فعلى فلن يكون هناك مكان لوجهات النظر , ولايستطيع أن يفعل أى شىء لكن الذى يفعل كل شىء ويختاركل شىء هذه المؤسسة هى التى تحدد معايير الحقيقة والصواب والخطأ والمقدس وغير المقدس وهى التى تحدد المصير أيضاً , إذاً بشكل مباشر لن يكون للمُفكر أى قيمة أوأى دور لأنه فى ظل هذا الواقع مجرد رقم وليس فرد ناشط فعال فى المجتمع والحياة بل تابع عليه الإتباع فقط حتى الإتباع هو مُجبر عليه وليس باختياره.

إنها فعلاً أزمة حقيقية أن تعيش حياتك وواقعك ليس كما أنت تريد بل كما رجال الدين يريدون , إنها فعلاً أزمة أن يحدد لك الآخر عالمك ووجودك ومستقبلك وتجد أن هذا العالم وهذا الوجود كل شىء فيهما ضد روحك وعقلك ومبادئك وتصوراتك .