التجسيد الفعلي لمبدأ سيادة الأمة

رابح لونيسي
2019 / 5 / 19

التجسيد الفعلي لمبدأ سيادة الأمة

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-



تعرض النظام الديمقراطي على شاكلته اليوم لعدة إنتقادات من عدة مفكرين منذ زمن بعيد، لكن لم تطرح حلولا عملية لتطويره وجعله أكثر تمثيلا للمجتمع، فمبدأ "سيادة الأمة" الذي وضعه جون جاك روسو لم يطبق بشكل فعال بسبب الإعتماد على إنتخابات على أساس دوائر إنتخابية تتمثل في ولايات أو عمالات أو محافظات، مما جعل الكثير من الشرائح الإجتماعية والمهنية غير ممثلة في السلطة التشريعية وفي مختلف المجالس التمثيلية، ولم تجد من يدافع عن مصالحها، بل أنتجت لنا طريقة التطبيق هذه طبقة برجوازية أستحوذت على السلطة والثروة من خلال توزيع غير عادل للثروة وتوجيهها لهذه الفئات، وأصبحت تخدم مصالحها، وهو ما يفسر الكثير من التذمر لدى عدة طبقات في المجتمعات، وهذا التذمر هو الذي يفسر لنا اليوم ما يقع في فرنسا من غضب السترات الصفراء، كما أن إنتقال عدة دول إلى نظام ديمقراطي أبقى التذمر الإجتماعي قائما بسبب غياب التمثيل الفعلي للكثير من الفئات والشرائح الإجتماعية والمهنية، وهو ما يهدد هذه الديمقراطيات الناشئة، فلو نأخذ بلدا مثل تونس بصفته البلد الوحيد في منطقتنا أين نجحت نسبيا عملية إلإنتقال الديمقراطي أثناء قيام ما يسمى ب"الربيع العربي" نجد أن إعتمادها على نفس طريقة التمثيل على أساس الولايات والمحافظات جعل التذمر الشعبي كبير جدا لدرجة إنتخاب رجل من النظام القديم وهو السبسي بعد سنوات لأن توزيع الثروة لم يكن عادلا، ويخدم فقط فئات محدودة في المجتمع.
أرتأينا كي نحل هذه المشكلة العويصة إلى طرح نظام سياسي بديل في كتابينا "النظام البديل للإستبداد"، وكذلك كتابنا "ربيع جزائري لمواجهة دمار عربي" أين جسدنا عمليا ليس بالشعارات الفارغة لكن بالمؤسسات والآليات والميكانيزمات "الدولة الديمقراطية والإجتماعية" التي نصت عليها مواثيق الثورة الجزائرية في نداء أول نوفمبر وأرضية الصومام، ولايمكن لنا في هذه المقالة التطرق إلى كل أسس هذا النظام على الأصعدة السياسية والإجتماعية إلا أن من أبرز ما طرحناه هو معالجة مسألة التمثيل في المجالس الشعبية، خاصة الهيئة التشريعية، ويعد إعادة النظر في ذلك أحد أسس هذا النظام البديل، حيث يصبح التمثيل في البرلمان على أساس الشرائح الإجتماعية والمهنية بدل التمثيل المبني على أساس دوائر إنتخابية على أساس جغرافي يمكن أن تكون الكثير من الفئات الإجتماعية والمهنية غير ممثلة في البرلمان، ويمكن مثلا أن تسيطر عليه فئات فقط دون أخرى التي لاتجد من يدافع عن مصالحها، ويطرح إنشغالاتها، ولهذا يجب على كل شرائح وفئات المجتمع المهنية بما فيهم البطالين ورجال المال وغيرهم أن ينتخبو ممثلين لهم في البرلمان، وذلك بإعتماد كل شريحة إجتماعية ومهنية كدائرة إنتخابية، ويكون عدد ممثليها في البرلمان حسب العدد المنتمي إلى هذه الشريحة
لكن هذا غير كاف إلا إذا أمتلكت كل ممثلي شريحة أو فئة إجتماعية أو مهنية حق الفيتو في كل مشروع قانون يخصها، ويمكن أن تتفاوض مع السلطة التنفيذية في حالة ضرورة الحفاظ على توازنات، أما إذا تعلق القانون بمصالح عدة شرائح وفئات إجتماعية، فيتم التفاوض حوله بتنازلات فيما بينهم لحفظ مصالح الجميع، وبهذا الشكل يتم نقل الصراعات الإجتماعية التي تشل الحركة الإقتصادية بفعل الإضرابات إلى مبنى البرلمان، لكن هذا لايكفي لتحقيق مصالح كل شريحة إلا إذا بقيت مصالح ممثليها في البرلمان مرتبطة إرتباطا وثيقا بمصالح شريحتهم الإجتماعية والمهنية، مما يجعل كل ممثل أو نائب برلماني الذي يعمل من أجل مصلحته الإجتماعية، سيحقق بوعي أو دون وعي منه مصلحة الشريحة الإجتماعية التي يمثلها، ولا يتم ذلك إلا بإلغاء كل الإمتيازات لهؤلاء الممثلين والنواب بحكم تواجدهم بالبرلمان بإستثناء الحصانة التي تكفل له حرية النقد والتعبير والممارسة، ولكن لمواجهة خطر شراء هؤلاء النواب الممثلين للشرائح الإجتماعية من أصحاب المال أو من السلطة التنفيذية يجب تفعيل ميكانيزمات عملية لمبدأ “من أين لك هذا؟”، ويطبق على الجميع.
كنا قد أبدينا في بداية الحراك الجزائري تفاؤلا بأننا سنسير تقريبا إلى هذا النظام، وذلك لما لاحظناه من بروز الشرائح المهنية والإجتماعية كالمحامين والجامعيين والقضاة والأطباء وغيرهم في بداياته، خاصة من خلال النقاشات التي كانت تتم بداخل مؤسساتهم، لكن توقف للأسف ذلك المسار الطبيعي نحو ولادة نظام جديد يشبه تقريبا ما تحدثنا عنه في الكثير من كتبنا ومقالاتنا ودراساتنا، وتم هذا الإنحراف بفعل تدخل قوى غريبة عن الحراك حاولت ركوبه وتحريفه عن مساره، خاصة من عناصر السلطة التي فكرت في مصالحها الخاصة، لكن لم يفت الوقت لتحقيق ذلك الذي نراه تجسيد عملي ومؤسساتي لمبدأي الديمقراطية والعدالة الإجتماعية التي نصت عليها كل من نداء أول نوفمبر وأرضية الصومام، خاصة أنه يطرح بقوة اليوم مسألة تمثيل الحراك.
يجب على الحراك أن يتحول إلى ثورة سلمية يفرز نظاما سياسيا جديدا، ولوعدنا إلى الثورات الكبرى التي أفرزت نظما سياسية عالمية كأمريكا وفرنسا أو روسيا، نجد أن في هذه الأخير تم إستيلاء العمال والفلاحين على كل المؤسسات، وسميت آنذاك بالسوفيتات وتولد المجلس الأعلى للسوفييت بعد إتحاد كل هذه المجالس التي فوضت ممثلين لها إلى هذا المجلس، أما في فرنسا 1789، فالمجلس أو البرلمان آنذاك هو الذي تحول إلى مجلس تأسيسي على يد طبقة العامة المعارصة للنبلاء والملك، فأنبثق عنه ميثاق للحريات وحقوق الإنسان وأيضا دستورا جديدا منظما للدولة، والذي أصبح نموذجا لأغلب دساتير العالم، أما أمريكا، فقد أنتجت دستورا في1787 على يد ممثلين لمختلف الولايات، وهو لازال ساريا إلى حد اليوم، فهو قليل المواد، وتغلب عليه المسائل الإجرائية لتنظيم الدولة، ويستند على بيان الإستقلال الأمريكي في1976 الذي ينص على الحرية الطبيعية، أي أن الإنسان يولد حرا، وهي تشبه تقريبا عبارة الخليفة عمر بن الخطاب "متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
يمكن لحراك الجزائر اليوم أن يقوم بنفس الشيء كأمريكا، لكن بدل تمثيل للولايات الذي هو صعب جدا، ويحتاج إلى إنتخابات بقوائم إنتخابية مزورة، فإنه بإمكان إنتخاب كل شريحة إجتماعية أو مهنية ممثلين لها على المستويات المحلية والوطنية ينبثق عنها مسؤولون ومجالس جديدة في مختلف المؤسسات مكان المعينين، وقد حدث ذلك في إحدى كليات جامعة الجزائر، كما يمكن أن ينبثق عن هؤلاء الممثلين مجلس تأسيسي يضع الدستور الجديد للدولة، وكذلك حكومة حيث ينتخب كل قطاع وزيره مؤقتا طبعا لتسيير المرحلة الإنتقالية أثناء وضع الدستور الذي يجب أن يختصر على المسائل الإجرائية كالدستور الأمريكي، ويمكن أن يكون نتيجة لعقد وطني بين كل أطياف الأمة من أجل إيجاد مكانة لكل جزائري مهما كان توجهه الأيديولوجي او الثقافي أو غيره، وما يساعد على هذه العملية أنه من الصعب تزويرها، فكل مؤسسة لها قائمة موظفيها التي ستتحول إلى قوائم إنتخابية بديلة للموجودة في البلديات، والتي تلعب دورا كبيرا في عملية تزوير الإنتخابات في الماضي، والتي تحتاج إلى تطهير فعلي.
وبهذا الشكل فقط نكون قد دخلنا في نظام جديد طبقا للمواد 7 و8 من الدستور الحالي، أما الجيش فيجب أن يحمي كل هذه العملية دون أي تدخل منه، ويضمن كل ما تفرزه، وبذلك تخرج الجزائر سالمة غانمة، ويمكن أن تعطي نموذجا سياسيا للعالم، وتتحول إلى نموذج وقوة ناعمة.


البروفسور رابح لونيسي