علمانيه ام مدنيه ؟

رفعت عوض الله
2019 / 5 / 17

للحرج الناجم عن التشويه المتعمد ، والذي يرقي لدرجة الجريمة الذي استطاع الاصوليون المسلمون وغيرهم الحاقه بمصطلح العلمانية ، حتي شاع بين العامة انه مرادف للكفر والالحاد والفسق والتحلل الخلقي . أقول تجنبا للحرج ، وسوء الفهم كف معظم مفكرينا عن استخدام لفظة العلمانية ، واحلوا محلها لفظة مدنية ليعبروا عن الدولة الحديثة والتي لكي تكون كذلك فهي لا دين لها ، أي تقف علي الحياد بين اديان مواطنيها ،وتطبق القانون الذي يعطي الحق في بناء دور العبادة ، والحق في إقامة الشعائر الدينية لكل أصحاب دين من المواطنين والمقيمين علي ارض الوطن من الغرباء ، وتمنع بالقانون تحرش فصيل ديني كبير بأخر اصغر منه .
ولكن هل يصلح مصطلح مدنية ليكون بديلا عن مصطلح علمانية ؟
مدني من المدينة والمقابل له العسكري ، لذا حين نصف حكومة بأنها مدنية فنحن نقصد انها ليست عسكرية ،من يتولى الحكم فيها رجال مدنيون ليست لهم صفة عسكرية ،وحين نقول عن حكومة او دولة انها عسكرية نقصد ان رجال من الجيش هو من يتولون الحكم فيها . وعلي هذا لا يجوز ان تحل لفظة مدنية محل لفظة علمانية .
المقابل لمصطلح علمانية مصطلح دينية . فكما ان الدولة إما مدنية او عسكرية ،هي كذلك إما علمانية او دينية .
الدولة الدينية او الحكومة الدينية لا يقوم بالحكم فيها رجال الدين سواء اكانوا شيوخا مسلمين او قساوسة مسيحيين او كهنة يهودا ، ولكنها محكومة بالنص الديني المقدس ، وبالتشريع الديني المؤسس علي النص الديني ، ودعاتها لا يقبلون بان يحل القانون الوضعي الإنساني المتغير محل القانون الإلهي الثابت الكامل الصالح لكل زمان ومكان .
وهي بهذا تفرض رأيا واحدا لا تقبل اختلافا او خلافا ، ومن هنا فإن افراد المجتمع ليسوا أحرارا هم مجبرون علي الخضوع والانصياع لما تقرره الشريعة ، ومن يخرج علي هذا الاجماع يلقي اشد أنواع العقاب والتنكيل .
هنا الدولة تري في نفسها انها ممثلة للإله علي الأرض ، وانها مسؤولة عن تحديد الصواب وعدمه علي مقياس النص المقدس ، وانها مسؤولة امام الله والناس عن الالزام والالتزام وعدم الخروج عن ما يقول به النص المقدس وما تسعي اليه الشريعة " القانون الإلهي"
غياب حرية الافراد في هذه المنظومة يعني ان الناس رعية يسوقها راع . يعني انهم مجرد قطيع عليه ان يسير في المسار المقرر سلفا دون تفكير ودون تمرد او اعتراض ، ومن يفعل فعصا الراعي الغليظة الموجعة موجودة للردع والتقويم والتأديب .

في الدولة الدينية الفكر والفلسفة والعلم بل الفنون والاداب مرادفة للكفر والخروج عن صحيح الدين ولعل ما قام به الغزالي من تكفير للفلاسفة في كتابه ذي الأثر الكبير "تهافت الفلاسفة يدل علي صحة هذا الزعم ،ولعل محنة الفيلسوف العقلاني ابن رشد تؤيد هذا التوجه ،ولعل محنة العالم جالليو ومحاكمته من قبل محكمة التفتيش الكاثولكية ،وحرق جيوردانو برونو بعد اتهامه بالهرطقة يؤيد ما أقوله
هذه مجرد امثلة قليلة تظهر عداء الدولة الدينية للفاسفة والعلم او إعمال العقل بوجه عام

الدولة الدينية ماض لا مستقبل له مع ذيوع الحضارة الإنسانية وقيم الحداثة ،وتاسيس الدولة الحديثة علي مفهوم المواطنة ،وكون السلطة قائمة بها علي عقد اجتماعي بين الناس والحاكم
الحاكم هنا خادم للناس الذين هم مواطنون لهم ان يقيلوه متي غاب الرضا عنه
كون الدولة الحديثة دولة مواطنين يعني إقرارها بحرية ذوات مواطنيها ،واحترامها لفرديته ،ولكونهم ذوات عاقلة مريدة ،فلا قهر ولا جبر ،ولكن هناك قانون وضعي بشري ينظم علاقة الدولة بمواطنيها ،وعلاقة مواطنيها بعضهم ببعض
وهذا القانون ليس ثابتا وليس كاملا هو متطور متغير بتغير الظروف والمستوي الحضاري

الدولة العلمانية الحديثة تعي اننا كبشر نعيش في عالم نسبي متغير ،وما يسمي بالحقيقة المطلقة هيهات لعقولنا ان تحوز معرفة به ،فعقولنا مهيئة فقط لفهم عالمنا المادي النسبي المتغير من خلال العلم والتصورات الفكرية ،ولكن ما هو وراء هذا العالم الذي فيه نعيش فلا قبل لنا به ، فهل يعني هذا انكار الميتافيزيقا ووجود الله ؟
لا هنا يأتي دور الدين والإيمان والتسليم ،فما لا نستطيع ان نعرفه معرفة صحيحة لا يحق لنا إنكاره ولكن التسليم به ،وهنا الدولة ترعي الدين او اديان مواطنيها نولكنها هي بوصفها كيانا اعتباريا لا دين لها ،وهذا يجعلها تقف علي الحياد من اديان مواطنيها ،فتمكن كل طائفة دينية من حرية العبادة وتسمح بحرية الاعتقاد وتجيز بالقانون بناء دور العبادة ،وتمنع بالقانون تغول طائفة علي اخري قيتحقق السلام الاجتماعي والعيش المشترك

الدولة العلمانية وليست الدولة المدنية هي الحل

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي