نقد نظرية ماركس في ثمن الإنتاج

محمد عادل زكى
2019 / 5 / 15

على مستوى الآداء اليومي للمشروع الرأسمالي، ينتهي ماركس، إنما ابتداءً من نظريته في القيمة والقيمة الزائدة المستندة مركزياً إلى أفكار ريكاردو، إلى: أن الاستثمارات في فروع القطاعات المشاركة في الإنتاج على الصعيد الاجتماعي تحكمها معدَّلات الأرباح. فأي رأسمالي يرغب في استثمار أمواله سوف ينظر أولاً إلى ربحه المحتمل. وهو لن يقدم على الاستثمار في فرع إنتاجي معين، إلا إذ كان هذا الفرع الإنتاجي يحقق معدَّلات ربح متساوية مع باقي فروع الإنتاج. فكيف يحدد ماركس معدَّلات الأرباح الَّتي تحكم قرارات الرأسمالي؟ يتعين علينا قبل الإجابة أن نوضح أن تحليل ماركس، بصدد التوازن بين القطاعات، وصولاً إلى ثمن الإنتاج، هو تحليل: أولاً: ساكن. ثانياً: مجرد من تأثير عنصر الزمن. ثالثاً: يفترض ثبات كل من: (أ) قيمة وكمية النقود، (ب) الكمية المطلوبة من السلع، (ج) كمية/كتلة الربح الممكن توزيعه على الرأسماليين. فلو افترضنا أن:
- مجموع الرساميل الموظَّفة في حقل الإنتاج = 500 وحدة؛
- وإن عدد المشروعات = 5 مشروعات؛ رأسمال كل مشروع = 100 وحدة؛
- وإن (كمية/كتلة) النقود الَّتي توزع كأرباح = 110 وحدة.
فإن نصيب كل مشروع من الربح سيكون 22 وحدة. ومعنى ذلك أن أي مشروع جديد يدخل السوق سوف يشارك المشروعات الخمسة القائمة في كمية الربح المحددة سلفاً، وهي 110 وحدة. فإذا افترضنا أن خمسة مشروعات جديدة دخلت السوق فسوف يكون نصيب كل مشروع من المشروعات الـ 10 مقداره 11 وحدة فقط من هذه الكمية/الكتلة المحددة من الربح. وذلك مرتبط بشرط واحد هو أن تكون كمية الطلب الفعلي محددة؛ فمهما زادت الكمية المعروضة بدخول مشروعات جديدة، فلن يزيد المجتمع من استهلاكه من هذه السلعة. ومن ثم سوف تتنافس المشروعات الـ 10 على تلبية كمية محددة سلفاً من السلع من جهة، وعلى اقتسام كمية الأرباح المحددة أيضاً سلفاً، من جهة أخرى. وعليه، سينشغل ماركس بتحديد معدَّلات الأرباح الوسطية ابتداءً من أربعة افتراضات كالآتي: أولاً: أن السلع تباع بقيمتها. وهذا الافتراض من أهم افتراضات ماركس ولا يمكن فهم الجهاز الفكري لماركس بمعزل عن هذه الفرضية المركزية. ثانياً: أن معدَّل القيمة الزائدة 100%. ثالثاً: أن المجتمع مغلق، أي لا يدخل في علاقات تبادل مع بقية أجزاء الاقتصاد الرأسمالي العالمي. رابعاً: سيادة المنافسة الكاملة في مجتمع يسعى فيه الرأسماليون إلى تحقيق أقصى ربح ممكن بأقل نفقة ممكنة. وعليه، يتحدد معدَّل الربح الوسطي في قطاع إنتاج معين يضم خمسة مصانع تستخدم تراكيب مختلفة من الرأسمال الثابت والمتغيّر وفقاً للجدول التالي:

الرأسمال الثابت

الجزء المستهلك من الرأسمال الثابت
الرأسمال المتغير

القيمة الزائدة
قيمة السلعة

ثمن التكلفة

معدل الربح الوسطي

ثمن الإنتاج



80 50 20 20 90 70 22 92 + 2
70 51 30 30 111 81 22 103 - 8
60 51 40 40 131 91 22 113 - 18
85 40 15 15 70 55 22 77 + 7
95 10 5 5 20 15 22 37 + 17
المصدر: ماركس، رأس المال، الكتاب الثالث، الفصل التاسع: تكوين معدل ربح عام، وتحول قيم السلع إلى أثمان إنتاج
ويتضح من الجدول أعلاه أن:

- مجموع القيمة الزائدة =20+30+40+15+5 = 110 وحدة.
- مجموع الرساميل =100+100+100+100+100=500 وحدة.
- معدَّل الربح = القيمة الزائدة ÷ الرأسمال الكلّي.
- معدَّل القيمة الزائدة = القيمة الزائدة ÷ الرأسمال المتغيّر.
- معدَّل الربح الوسطي= مجموع القيمة الزائدة (110) ÷ مجموع الرساميل (500) × 100 = 22%.
- التركيب المتوسط للرأسمال = 78+22 وحدة.
- سوف تقوم المشروعات المختلفة (وفقاً لقوى السوق. اليد الخفية عند آدم سميث) بإدخال التعديلات النسبية في التركيب العضوي للرساميل؛ حتى تتلائم مع التركيب المتوسط للرأسمال على الصعيد الاجتماعي، وكذلك مع الربح الوسطي.
- ثمن التكلفة = الجزء المستهلك من الرأسمال الثابت + الرأسمال المتغير.
- قيمة السلعة = الجزء المستهلك من الرأسمال الثابت + الرأسمال المتغير+ القيمة الزائدة.
- أما ثمن الإنتاج فيتكون من: ثمن التكلفة + معدَّل الربح الوسطي.
وعلى الرغم من أن كل رأسمالي (منفرد)، وفقاً للجدول أعلاه، يحصل من عماله على قيمة زائدة مقدارها 100% إلا أن حساب ثمن الإنتاج، وفقاً لما انتهى إليه ماركس، لا يعتمد على القيمة الزائدة الَّتي حققها الرأسمالي في مصنعه هو، إنما يعتمد في المقام الأول، والأخير، على مجموع القيم الزائدة المنتجة في جميع المصانع، أي يعتمد على كتلة الربح الإجمالية على الصعيد الاجتماعي. وعليه، فإن الرأسمال، وفقاً لتصور ماركس، ينسحب من قطاع ذي معدَّل ربح أدنى ويتدفق إلى القطاع الَّذي يدر معدَّل ربح أعلى. ومن خلال هذا المد والجزر... أو الهجرة والعودة للرساميل، بعبارة أخرى من خلال تزاحم هذه الرساميل وتوزعها على مختلف قطاعات الإنتاج وفقاً لتدني معدَّل الربح هنا، وارتفاعه هناك، يخلق الرأسمال تناسباً بين الطلب والعرض يجعل الربح الوسطي واحداً في مختلف قطاعات الإنتاج فتتحول القيم على هذا النحو إلى أثمان إنتاج.
يجب أن نلاحظ هنا:
1- أن القيمة الزائدة المتوسطة، والَّتي سوف يضطر الرأسمالي إلى قبولها عندما يُجبَر على تركيب رأسماله وفقاً للمتوسط الحسابي المعطى، والَّتي هي نتيجة قسمة القيم الزائدة للمصانع المنفردة على مجموع الرساميل في فرع الإنتاج على الصعيد الاجتماعي، تظهر وكأنها هبطت على ثمن التكلفة من السماء. ولم تكن كمية عمل متجسد فعلاً في المنتوج. وهو ما يخالف قانون القيمة الَّذي يقضي بكون القيمة هي كمية عمل (حي ومختزن وزائد) متجسد في المنتوج ذاته.
2- إن ما انتهى إليه ماركس من توقف التركيب المتوسط للرأسمال على المتوسط الحسابي لكل من الرأسمال الثابت والرأسمال المتغير لا يمكن الاعتداد به علمياً، ولا واقعياً؛ لأن التركيب العضوي للرأسمال في المصنع يعتمد في المقام الأول على الفن الإنتاجي السائد على الصعيد الاجتماعي، وليس على المتوسطات الحسابية.
3- وحتى إذا سلمنا جدلاً بصحة منطق ماركس، فلن يمكننا التسليم بأن المشروعات سوف تعدل توليفاتها إلى (78 ث +22م)، لمخالفة ذلك لقانون القيمة الَّذي يقضي بهيمنة توليفة الفن الإنتاجي؛ وبالتالي فلن تعدل المشروعات توليفتها إلى (78 ث +22م)، كما ذهب ماركس، إنما سوف تعدلها إلى (10 ث + 5 م) لأن الأخيرة هي التوليفة الَّتي يفرضها قانون القيمة.
4- وبالتريب على ما سبق؛ لا يمكن اعتبار ثمن الإنتاج، بمفهوم ماركس، المعتمد على المتوسطات الحسابية، إلا أحد مستويات ثمن السوق. ثمن من أثمان السلعة عبر حركة التأرجحات حول القيمة الاجتماعية الَّتي تمثل مركز الجذب لأثمان السوق.
ماركس إذاً، على هذا النحو، يبدأ من القيمة وينتهي إلى نظرية في ثمن السوق، مستندة إلى قانون القيمة، وعلى ما يبدو أنه وقع في ذلك تحت تأثير فكرة المتوسط عند ريكاردو والَّتي كانت تتردد بشكل واضح في المباديء.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية