شام-الفصل الخامس عشر

منير المجيد
2019 / 5 / 9

تلك السنة التي تركت فيها حلب، وخلّفت ورائي آرسيني وفستانها الأزرق، شهد العالم أحداثاً تاريخية.

السادات وقّع إتفاقية كامب ديفيد للسلام مع اسرائيل، وذهب إلى القدس، واضعاً نظاراته المعتمة، ليلقي خطاباً في الكنيست، فجنّ جنون معظم العرب، دون أن يقوموا بردة فعل عملية وفعّالة سوى نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس.
قامت بعدها لجنة نوبل بمنحه، مناصفة مع مناحيم بيغن، جائزة السلام.

بعد ذلك بسنتين، وبينما هو يشهد عرضاً عسكرياً، قامت مجموعة إسلامية مسلحة بإطلاق الرصاص عليه من رشاشاتهم الأوتوماتيكية وأردوه قتيلاً.

في ايران كانت المظاهرات على أوجها منذ شهر تشرين الثاني، يقودها الطلاب واليساريون والليبراليون والمنظمات الإسلامية، انتهت بفرار الشاه مع فرح ديبا إلى مصر.

عاد الخميني على متن طائرة ايرفرانس من باريس في ١ شباط ١٩٧٩، وسرعان ما تم تصفية شركاء الأمس من اليساريين والليبراليين، لتصبح ايران أول جمهورية إسلامية على الإطلاق، والمُحرّك التوربيني وكُتيّب إرشادات وبلسم إنعاش المنظمات الإسلامية.

هنا بدأ عصر التطرف القائم على أسس دينية سائراً في مارش عسكري في كل مكان، آخذاً اللقمة من أفواه الثورجيين اليساريين، والمنادين بتحرر الشعوب، المطالبين بنقل السلطة إلى البروليتاريين، والخارجين من عباءات الملتحين مثل لينين وتروتسكي وماركس وهوشي مينه وكاسترو وغيفارا وماو.
حسناً، ليس ماو، لأنه كان أمرداً. وقد تخلى معظم هؤلاء عن لحاهم الثورية حينما زايد عليهم المتطرفون الدينيون بلحى كثّة مشعثّة طويلة كأكمة بساتين.

أنا في الإدارة السياسية الآن وملازم بكر، أخرج مقالات إستمنائية لمجلة جيش الشعب مع زملاء آخرين، بينما كان بشار العيسى، الذي قضي فترة عسكريته هناك أيضاً، يرسم بقلم حبره الصيني في بعض صفحات المجلّة.

محمود كان هناك أيضاً كمحرر صحفي هذه المرّة، وفي ذروة الثورة الإيرانية كتب مقالة تضمنت تكرار هاتين الكلمتين «الأشقاء الإيرانيون»، فوبّخه الرائد رئيس التحرير، وأمره بتغيير كلمة أشقاء إلى أصدقاء.

مجد الفنزويلي من مواليد كاركاس من أبوين سوريين من السويداء. جاء لأول مرة يزور موطن الوالدين ليُساق من المطار إلى وحدة عسكرية. ولأنه لم يأخذ معه أوراقاً ثبوتية حول وضعه كطالب جامعي فقد درّبوه ليكون جندياً.
فُرز ألى قسم اللغة الإسبانية في الإدارة السياسية.
مجد لم يعرف من اللغة العربية سوى بضع كلمات، إلا أنه تعلم في الدورة كل الكلمات المقذعة الموجودة في قاموس اللهجات السورية المختلفة. كنّا نغشى ضحكاً على الشتائم المُطعمّة بأصوات اللغة الإسبانية التي كان يوجهها إلى كل شيء.

من المكاسب الباهرة، كوني ملازم، صار يحق لي الذهاب إلى نادي الضباط الواقع على كتف مبنى البرلمان، وتناول البيرة مع الأصدقاء بوجود ضباط كبار وجنرالات.
طال شعري قليلاً، فتجرأت على إرتداء ثيابي المدنية متمّوهاً في مشهد الشارع.

بعد شهرين، وبعد أن تعلّمت تقنيات الطباعة في المطبعة الكبيرة الملحقة بالإدارة، أرسلوني إلى المتحف العسكري الذي كان يتبع الإدارة السياسية، وبهذا تخلّصت من مبنى الإدارة السياسية الذي يدفع إلى الحزن، وصرت أجول في أرجاء التكيّة السليمانية وسط مدينة دمشق.

هناك كنت تحت إمرة نقيب غائب دوماً. في حالات الضرورة القصوى كنت أستطيع الإتصال به في نادي الضباط. بمعنى آخر، كنت المسؤول الفعلي عن مفرزة حراسة، ومساعد أول، له كومة أطفال، يطلب مني الأذن بالإنصراف قبل الساعة الثانية ظهراً، ورقيب مُجنّد مسؤول عن مقسم الهاتف بطاولته العريضة التي تشبه قمرة سفينة من الحرب العالمية الأولى.

كنت أكبح تثاؤبي لمدة ست ساعات يومياً. إنه إحباط غير مبرّر للهمم. لكن كان هناك أيضاً لحظات جميلة أحتسي فيها القهوة وأدخّن مع الموظفات الإداريات، أو حين أجلس في الحديقة أراقب الجنود والسياح ضيوف المتحف، بعد إنحسار المطر الدمشقي، وخروج الشمس من خلف الغيوم لتُبهج قمم الأشجار والورود وأسطح المتحف القببيّة والتكيّة السليمانية.

في صبيحة أحد الأيام جاء عدد كبير من الرجال يرتدون نظارات شمسية وثياب مدنية، حاملين رشاشات.
تسلّق بعضهم إلى الأسطح، وآخرون قطعوا الطريق المكتظة دوماً بالباصات وطلبة الجامعة، ورجل بجسم رياضي أراد التحدث مع الضابط المسؤول.
النقيب، كعادته، كان غائباً، ولم يكن في نادي الضباط أيضاً، لأجد نفسي مضطراً إلى التعاون مع الرياضي الذي أخذني إلى زاوية خالية، وأخبرني أن الرئيس وأبو عمّار (ياسر عرفات) سوف يُصليّان صلاة الشهيد على زهير محسن، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومسؤول الدائرة العسكرية، الذي اغتاله الإسرائيليون للتو في مدينة كان الفرنسية.

بعد عدة دقائق جاء الموكب في عدد لا يُحصى من السيارات، وحمل بعض الرجال النعش. الرياضي طلب مني، بما يُشبه الأمر، أن أسير خلف الرئيس وياسر عرفات، دون أن أفهم الفائدة من وجودي هناك.

فجأة، وجدت نفسي في موقف عجيب.

حينما وصلنا إلى المحراب المفتوح على بركة السباحة التي تتوسط التكيّة، كان هناك إمام، لم أعرف كيف اخترعوه وساقوه إلى الموقع.
وضع الرجال النعش في الوسط، ووقفت منتصباً خلف الرئيسين. هما، الإمام وأنا مؤدياً الصلاة.
لحسن حظي أن الصلاة كانت قصيرة جداً، فلم أرتكب أخطاء.

بعد لحظات اختفى الجميع مع النعش في السيارات التي احتلت الشارع، وشعرت كمن أفاق من حلم.

ويلاه! لم أكن متوضأً، حتى أنني لا أعرف كيفية الوضوء.

كنت أريد أن أهتم ببعض الأمور الجدية، فهذه الخدمة العسكرية تقتل من عمري سنتين ونصف السنة، ولم يكن أمامي إلّا أن أنشط أكثر في مجال الكتابة، وحينها اتفقت مع جريدة البعث، وملأت صفحاتها الثقافية بمقالات عن السينما.
دعاني رئيس التحرير واقترح علي أن أنتسب إلى الحزب، كي تسهل عملية توظيفي في الصحيفة حال إنتهاء خدمتي العسكرية.

شكرته على الإهتمام، وقلت له أنني لا أصلح للأحزاب السياسية مطلقاً، لأنها مثيرة للملل، وأنا، بطبيعتي، أفضّل أن أكون في طرف المعارضة، بمعنى، إن كان النظام تعددياً وديمقراطياً، وكنت منتمياً إلى حزب حصل على أغلبية برلمانية وشكّل الحكومة، فإنني سوف أنتسب مباشرة إلى حزب معارض.

بجهود المدير العام لمؤسسة السينما حينذاك، المخرج محمود شاهين، عُقدت أعمال مهرجان دمشق السينمائي الأول.
لست متيقناً إن كانت التسمية دقيقة تماماً، لأن أول مهرجان سينمائي يعود إلى سنة ١٩٥٦، وكان عندئذ من ضمن أنشطة معرض دمشق الدولي.

أُختير فندق سمير أميس المطلّ على ساحة فكتوريا مقراً لأعمال المهرجان، وكُلّفت، رسميا، مع بندر عبد الحميد ورفيق أتاسي بإصدار جريدة يومية تُغطّي أنشطة المهرجان.

أقنعت خير الله سليم أن يُصّور اللقاءات التي كنت أجريها مع ضيوف المهرجان، وكانت صوره بديعة.

في صبيحة يوم اختتام المهرجان، تسرّبت المعلومات عن الفيلم الذي سيحوز على الجائزة الأولى.
شخصياً، راهنت، في مقابلة أجريت معي لراديو مونت كارلو، على الفيلم المغربي «ليّام ليّام»، أو الأيام الأيام، لأحمد المعنوني، لكن الجائزة خُصّصت لفيلم عراقي رديء، وكان واضحاً الدافع السياسي. فالعراق وسوريا شهدتا تقارباً ملحوظاً في تلك السنة.
سارعتُ إلى كتابة بيان عن جائزة النقاد السينمائيين، التي لم تكن موجودة، وتخصيص الجائزة لفيلم المعنوني.
درتُ على كل النقاد الموجودين، من لبنان ومصر أيضاً، الذين وافقوني بالرأي، وذيّلوا البيان بتواقيعهم.
تحدّثت مع صلاح دهني ووافق، بدوره، على قراءة البيان في ختام الحفل.

جلست، مزهواً، في تلك الأمسية، في الصف الأمامي في سينما الفردوس.
وحينما صعد صلاح دهني إلى المسرح، وقرأ البيان، ثم طلب من المعنوني الصعود أيضاً، سارعت إلى سرقة إحدى الباقات الكبيرة من الورد التي كانت تُزيّن أطراف المسرح وقدّمتها إليه. قال لي وعيناه تدمعان قليلاً «أعرف أنك صاحب الفكرة»، واحتضنني.

قابلت أحمد المعنوني في مهرجان السينما العربية في روتردام في هولندا سنة ٢٠٠٨ فاحتضضني وشكرني مرة اخرى.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية