الليبرالية الجديدة نظام شمولى - فلسفة معقدة لقارئ عابر

محمد السعدنى
2019 / 5 / 5

حين احتشدت لكتابة مقالى هذا انتابنى شعور عايشته كثيراً حينما أقدمت فى مرات عديدة على تقديم أعقد النظريات والرؤى الإنسانية لقارئ غير متخصص، فما أسهل أن تكتب فى العلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والبيولوجيا الجزيئية وبرمجة الخلايا، والفلسفة والاجتماع السياسى والعلاقات الدولية للمتخصصين، لكن المهمة تكون أصعب حين تكتب فى مثل هذه الموضوعات لقارئ عابر لصحف سيارة، لا ينبغى إثقال ذهنه بالتفاصيل الفكرية المعقدة. لكنى أصر من حين إلى آخر أن أقدم لقارئنا العزيز ما قد يوسع من آفاق رؤيته عن العالم الذى نعيشه وماذا عسانا فاعلين حيال مايتناوشنا فيه من أفكار وتعقيدات وفلسفات جديدة ونظريات.
ولقد هالنى قلة المعروض فى محيطنا العربى العام عن فكر وفلسفة واحد ممن جابت أفكاره الدنيا وشغلت الناس، هو "سلافوى جيجيك" الذى رآه كبار مفكرى الغرب وقلة من المتخصصين العرب، أهم فلاسفة أوروبا المحدثين، رغم أنه اهتم فى كثير من أعماله بقضايا تمس واقعنا العربى عن الاستبداد، وصراع الطبقات الجديد، وانبثاق جدر غير مرئية جديدة للعولمة، وتوحش الرأسمالية فى طبعتها النيوليبرالية، وقضايا اللاجئين والإرهاب وداعش، ومجتمعات الاستعراض والاستهلاك، وما أقربنا نحن العرب منها. لقد اهتم "جيجيك" بقضايانا بينما فى واقع الأمر تجاهلناه ولم نعرفه، لذلك نناقش اليوم رؤاه وأفكاره وفلسفته بمنطق غير المتخصص. ولم أجد مدخلاً لرؤية فلسفته وأفكاره، فى تبسيط غير مخل أفضل من أحد أفلام السينما المصرية.
هل تتذكر فيلم أحمد حلمى "ظرف طارق"، والمشهد الذى يطلب فيه مجدى كامل من حلمى ساندوتش، قائلًا:"إعملي ساندويتش فول من غير سلطة طماطم، فيرد عليه حلمى:"مافيش سلطة طماطم أعملهولك من غير سلطة طحينة". وحتى لاتذهب بعيداً فأنا لن أكاتبك عن الفيلم، إنما أكاتبك من خلاله عن فكر وفلسفة "جيجيك" فى مبعدة عن السياسة، وإن كنت لا أضمن مكرها وفضولها، فما فتئت تدس أنفها وتتمدد فى فضاءات حياتنا وشواغلنا. ذلك رغم أننا نعيش اليوم "عالم مابعد السياسة" عالم الأشباه حيث الصورة والمضاهاة والافتراض وتسيد قيم الاستهلاك والاستعراض. وهوعلى خلاف القرن العشرين حيث كان التهافت على القراءة والثقافة والفن والمسرح والأيدلوجيا والسياسة، بينما نعيش اليوم طبخة القرن الحادى والعشرين، حيث الطبق المفضل وسائط التواصل الاجتماعي ومنصاته والشغف المرضي بالعالم الرقمي والأتمتة وحقوق الأقليات والعولمة الظالمة وبطولات الوهم والتقاط صور النضال المصنوعة ووضعها على "انستجرام" والفيس بوك وتويتر. هذا هو حال عالمنا اليوم ومجتمعنا الكبيرالذى سماه سلافوى جيجيك "مجتمع الاستعراض والاستهلاك" الذى تحول معه "الفضاء الافتراضى" إلى "واقعية متوهمة" يعيشها الناس رغم علمهم أنها افتراضية. عالم بات على درجة خارقة من التعقيد والفوضى يستلزم كما يقول جيجيك، أن يكرّس الفلاسفة جهودهم في تفسيره، وليس كما فعلوا مع عالم القرن العشرين حين أمضوا أغلب الوقت في محاولات كارثيّة لتغييره.
"سلافوي جيجك" فيسلوف وسياسي وناقد ولد 1949 في "لوبليانا" بسلوفينيا، قبل تفكك يوغوسلافيا، يوصف بأنه آخر باحث عظيم برز من أوروبا. يعمل أيضا كباحث في جامعات ليوبليانا ولندن ونيويورك. تناول أفكاره المئات من الأكاديميين،حتى أنه في عام 2007 تم تأسيس "المجلة الدولية لدراسات جيجك" من أجل مناقشة أعماله، وفى تقديرى فإنه نصف ليبرالي ونصف يساري، ينتقد الرأسمالية العالمية والليبرالية الجديدة معاً، ويقدم رؤى جديدة لإحياء النظرية الماركسية ونقد وتحليل الفلسفات الفرنسية والألمانية. من مؤلفاته: وجوه سامية من الأيدلوجيا، الصراع الطبقى الجديد، سنة الأحلام الخطيرة، الفلسفة فى الحاضر، العنف: تأملات فى وجوهه الستة، مرحباً فى صحراء الواقع، الاستبداد ومستقبل العالم، لنبدأ التفكير الآن، وغيرها إنتاج غزير من الدراسات والمقالات والحوارات والمناظرات وحتى وثائقيات بثتها عنه محطات التلفزة الدولية الكبرى.
من كلماته التى علقت بذاكرتى: " أنا متشائم لإحساسي بأننا نقترب من أوقات خطرة، ولكنني متفائل لنفس السبب أيضًا. التشائم يعني أن الأمور ستصبح أكثر فوضى، والتفاؤل يعني أن هذه هي بالضبط الأوقات التي يكون فيها التغيير ممكنًا". وقوله: "أحياناً عليك أن تبحث عن قناع، قناع يجعلك تبدو كما أنت". وياله من فيلسوف، وأيضاً ناقد سينمائى. وما دمنا استدعينا السينما، فلنعد لفيلم أحمد حلمى "ظرف طارق" حين طلب إليه مجدى كامل: "اعملي ساندويتش فول من غير سلطة طماطم"، ليرد عليه حلمى: "مفيش سلطة طماطم اعملهولك من غير سلطة طحينة". هنا يبدو المشهد ساخراً وقول حلمى لامنطقيًا، إذ مجدى طلب ساندويتش الفول بدون سلطة طماطم أصًلا! لكن في الواقع، بالإمكان تفهّم هذا الموقف إلى حد ما بالاستعانة بفلسفة جيجيك ونظريته عن الاستهلاك والاستعراض والوهم بالعالم الافتراضى، مقابل رؤية نظيره الفيلسوف الفرنسى "جان بول سارتر" عن الحرية والعدم.
أوّلًا مع سارتر ومسألة الحرّية، فسواء اختار مجدى كامل عدم وجود سلطة طماطم أو لم يختر، فهو مجبر على تناولها من دون سلطة طماطم، فالموقف محدّد مسبقًا، ولَإن كان يعتقد أنه هو نفسه من اختار قرار عدم وجود سلطة طماطم، إلّا أن الظروف هى التى حددت ذلك مسبقًا، فلم يعد الأمر بيده، وليس بإمكانه اختيار العكس أي وجود سلطة طماطم لأنها غير موجودة بالفعل. أما حلمى فقد أدرك ذلك الأمر من البداية، لكنه أراد إعطاء مجدى الفرصة كي يكون لديه قرار حرّ، بالإمكان اختيار عكسه، أي عدم وجود أو وجود سلطة الطحينة المتوفّرة. أما ما يتعلّق بمعنى العدم فى فلسفة سارتر، فإن عدم وجود سلطة طماطم، مختلف عن عدم وجود سلطة طحينة، وفى الحالتين يظلّ ساندويتش الفول نفسه، إلّا أن سياقه ومعناه يختلف، استنادًا للتوقّعات، وهي جزءٌ أساسي من التجربة المعاشة.
أما مع سلافوي جيجك، فنذهب إلى سياق الاستهلاك في ظلّ الرأسمالية، إذ عدم وجود شيء، هو شيء في حد ذاته، ففي حال ذهبت إلى أحد متاجر التسوّق، ستجد منتجات مكتوب عليها "خال من السكر" و"خال من الدسم" و"خالية من الكافيين" و"خالية من المواد الحافظة"، وستجد المنتج الخالي من السكّر أغلى من نفس المنتج المحتوى عليه، مع العلم أن المنتج الأول تنقصه مواد موجودة في المنتج الآخر! حينها تصبح المكوّنات "غير الموجودة" سلعًا قابلة للتسويق بقدر ما هي المكوّنات الفعلية! فـ"عدم وجود سكّر" منتج في ذاته ندفع ثمنه. نحن هنا ندفع ثمن الغياب والخلو.
إنه ياعزيزى الوهم فى "مجتمع الاستعراض والاستهلاك" حيث القوة الرهيبة للخيال والحلم الذي ينتجه "الافتراض" أكثر من استناده "الواقعى" على العملة والنقد والبضاعة المادية والقوة الشرائية وغيرها. وعلى حد قول جيجيك: فإن الرغبة في الاستهلاك تتخذ منحىً دائريا تسلسلياً، حيث من الضروري أن نستهلك لغرض وحيد هو أن نستهلك وأن نظهر أننا نستهلك. وهنا يعيد "جيجيك" الاعتبار لفكرة كارل ماركس فى كتابه: رأس المال عن "صنم السلعة المعبود" التى تبقى واحدة من أكثر مقومات النظرية الماركسية صلاحية، بالاستمرار والتأثير من مائة وخمسين عاماً حتى اليوم رغم ما أعترى عالمنا من تحولات وتغيرات وتبديل.
وهو فى نقده للمجتمع الليبرالى الجديد يقترب كثيراً من فلسفات وتحليل نظيريه، الفرنسى "ميشال فوكو"، والألمانى "بيونج شول هان" إذ يراه مجتمعاً سلطوياً تحكمياً كمثيله النظام الشمولى، وإن كان بأدوات أكثر ذكاء ونعومه. كلاهما يخضعان الفرد ويسيطران عليه، الشمولى السلطوى بوسائط قمعية تحدد فيها السلطة خطوطاً حمراء، لاتسمح للفرد بتجاوزها وتعاقبه إذا فعل، تضبط توجهاته، وتقنن حركاته وسكناته وفقاً لهوى القائد الملهم وبواسطة قوى القمع كثيفة الحضور فى المجال العام، فتضع بذلك نفسها فى مواجهة مكشوفة مع معارضيها بغباء وتعسف. الأمر ذاته قد يصنعه النظام الليبرالى الجديد لكن ن خلال وسائل وطرائق أكثر ذكاءاً ومرونة وربما أكثر انفتاحاً وخفة وإباحية Permissive تجعل الناس يخضعون أنفسهم بأنفسهم لطقوس هيمنة يعتبرونها أدوات للتعبير عن آرائهم وحرياتهم حين يستهلكون ويتواصلون ويستعرضون عبر الفضاء السيبرانى وحين يضغطون على زر Like. وفى تقديرى فإنه نظام شديد الذكاء والمخاتلة، احتكر السلطة فى الواقع وخلق للناس مجتمعاً موازياً فى الفضاء الإلكترونى ليكون عالماً بديلاً لايتمتع إلا بواقعية إفتراضية. وهو "جيجيك" لاينخدع به، بل ينتقده ويعريه ويرفضه.