شام-الفصل الرابع عشر

منير المجيد
2019 / 5 / 4

أجواء كلية الفنون، والطريقة التي تعامل بها الأساتذة معنا كطلاب، والزمالات والصداقات التي وشكت على التبرعم، شكّلت لي صفاءً ورتابة أحتجت إليها كثيراً، بعد سنتي المجنونة الأولى في دمشق، وكل ما تبع ذلك من تغيرات في حياتي.

منذ تأسيسها في العام ١٩٦٠ بإسم المعهد العالي للفنون الجميلة، وحينذاك كان قسم هندسة العمارة تابعاً للمعهد سوية مع أقسام الديكور، الحفر، النحت وأخيراً التصوير.
بعد ثلاث سنوات تغيّر الإسم إلى كلية الفنون الجميلة حينما أُلحق بجامعة دمشق. وقبل سنة دراسية من إلتحاقي بها، فصلوا قسم العمارة وجعلوه قسماً من كلية الهندسة، في خطوة صحيحة ومنطقية.

لمدة سنتين كان يجب أن نجرب قليلاً من كل الأقسام.
التصميم، الذي صار بدوره قسمان: ديكور وإعلان، لم يكن فنجان قهوتي المُساغ، بينما لهف عليه الزملاء المنحدرين من العائلات الشامية، بقايا برجوازية ما قبل الإستقلال. هؤلاء كانوا أيضاً الأجمل والأوسم.

فضّلت ساعات التصوير على الحفر والنحت. الحفر كان قذارة سوداء يصعُب تنظيفها، والطين (في قسم النحت) عانيت منه طيلة حياتي في القامشلي. كنت أفضل ساعات التصوير برائحة التربنتين التي كانت تشبه رائحة السيارات، والألوان لم تكن سوى سعادة.

كان في الكلية موديلات عارية. سيدة مصرية ممتلئة وإبنتها، وفتاة لاذقانية بضّة الأطراف، ثم أبو الفوز، الموديل الذكر الوحيد.
السيدة المصرية فضّلتها بسبب جسدها المُشحم المناسب للرسم، وأيضاً أبو الفوز المتقدم في العمر الخالي من الشحم تماماً على عكس السيدة المصرية. جسده كان هزيلاً ولم يبق على عظامه إلا ذاك الجلد المجعّد الناشف.
كان يشبه مومياء حيّة.

غرام أبو الفوز وقصائده عن اللاذقانية كانت معروفة، لكن لا يعرف أحد أية خطة شيطانية دارت في رأس إلياس زيات، حينما جمعهما في إحدى الحصص.

في البداية جلسا متقابلين وسارت الأمور على نحو جيد في الساعة الأولى، إلى أن انتصب قضيب أبو الفوز الذي لم يكن حتى تلك اللحظة أكثر من مجرد خرقة صغيرة بائسة.
انتفض أبو الفوز المسكين مستغرباً من ذاك الشيء المتصلّب، ووضع العباءة على كتفيه راكضاً خارج المرسم.
لم يُسّجل الحادث كمأساة، بدليل أنه صار من إحدى نوادر كلية الفنون الجميلة.

والموديلات العارية كانت تجتذب أيضاً، على ذمّة أحد الزملاء العراقيين، طلاباً من الدول المجاورة.

في ذاك العام أعلن عن إتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وليبيا وسوريا، بسبب معمر القذافي، المتأثر بالفكر الناصري القومي، الشغوف بعقد صفقات الوحدة مع الدول المجاورة.

وكي يتوافر الجانب الديمقراطي لهذه الوحدة، أعلن عن إستفتاء لمعرفة رأي الجماهير، وعسى أن تكون الوحدة هذه نواة للوحدة العربية الشاملة.
خلت المفاجأة من نتيجة الإستفتاء على الوحدة، التي لم تثمر عن أي شيء، فالنسبة اقتربت كثيراً من المائة بالمائة.
الأمر، برمّته، كان أشبه ما يكون بطبخة سيئة المحتويات وطباخين غير محترفين.

الخبثاء أقسموا أن النسبة المئوية صحيحة، لأن رجال الأمن اتبعوا تقنية جديدة، فذهبوا، مرتدين بزاتهم المدنية، لمقابلة الناس في الشارع ودمدموا بجمل غير مفهومة، وحينما مّد هؤلاء رؤوسهم إلى الأمام قائلين «نعم؟»، فانهم سرعان ما كشفوا عن هوياتهم وطالبوا هؤلاء بإسمائهم. وبذلك يكونوا قد قالوا نعم للوحدة.
قد تكون هذه الوحدة فريدة في التاريخ، لأنها جاءت وانتهت، دون أن يعيرها أحد أي اهتمام.

الوقت الذي أمضيته في الجري خلف باصات ركن الدين والقصاع ثَقُل علي أخيراً، وفي الوقت نفسه قال لي غسان سلق أنه وجد غرفة للإيجار مفروشة بسريرين في شارع بغداد، على مسافة مائة متر من الكلية.
أية لُقية وأية فرصة للتخلص من فرشتي الثقيلة.

الغرفة كانت جزءاً من بيت دمشقي له درج خشبي في منتصف الفناء الذي، كما كل البيوت الدمشقية، اكتظ بالنباتات والورود.
للوصول إلى الغرفة كان يتحتمّ علينا، نقر الباب الخارجي، ثم نكحُّ أو نقول «يا الله»، ونصعد الدرج غاضين بصرنا. وحينما نذهب إلى الحمام والمرحاض، يجب أن نكحَّ أو نُصدر بعض الأصوات.

لم نعرف من هم أصحاب تلك الدار، وكم كان عددهم. مرّة واحدة فقط، حالفني الحظ برؤية يد في شق باب سرعان ما اختفت كديدان الأرض.
في البداية وافقنا على هذه الشروط العجيبة، لأن موقع الغرفة على تلك المسافة من الكلية كان كثير الإغراء، لكننا بعد أيام قليلة بدأنا بالبحث عن مكان آخر، فوجدنا شقة فسيحة في بناء طابقي في حي الأرمن في الباب الشرقي.

هناك صار لكل واحد منّا غرفة نومه، علاوة على صالة ومطبخ وحمام، وشرفة تطلّ على ساحة محاطة بأبنية طابقية، كان من الواضح أنها بُنيت في أوقات متقاربة.

في اليوم الثاني، وقفت فتاة، كانت على الأغلب في سن المراهقة، في شباك غرفة في البناية المُقابلة وكشفت لنا عن نهديها. إستقبال من الجيران رحّبنا به.

والباب الشرقي بأقواسه الثلاثة، أكبرها في الوسط تمّر فيه السيارات والباصات وعربات يجرّها الحمير، ليس سوى الباب الشرقي لمدينة دمشق القديمة يربطه من الشارع المستقيم، ممتداً لشارع سوق مدحت باشا، داخل الأسوار، إلى الباب الغربي.

متعة السير من هناك إلى الكلية كانت المرور قرب كنيسة الزيتون البهية، مقرّ الروم الكاثوليك، وليس الباب الشرقي المهمل، فريسة الغبار وأبخرة عوادم الحافلات. وبعد إجتياز الشارع المنحدر، والذي كانت أصوات أبواق السيارات فيه تُصيبنا بالجنون، كنّا نمّر على باب توما، المسمى على إسم الرسول توما، واحد من تلاميذ المسيح الإثني عشر. وفي الجهة الجنوبية منه يقع مطعم قصر البلوّر العتيد.

قبل أن ينتهي العام الدراسي، وبعد إجراءات بيروقراطية ووثائق من الحسكة والقامشلي حصلت على جواز سفر غلافه أسود، ثم ذهبت إلى بيروت وحصلت على فيزا مدتها ثلاثة أشهر من السفارة الدانماركية، وحجزت بطاقة على «ماليڤ»، الخطوط الجوية الهنغارية.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا