الواشنطون بوست: عن مصر والخليج وترامب

محمد السعدنى
2019 / 4 / 28

هل للمكايدة مكان فى السياسة؟ والإجابة نعم ومنذ وأينما كانت السياسة. وهل المكايدة تغنى عن رؤية الحقيقة والبحث عنها؟ قولاً واحداً لا. ولعلك تفكر ماذا أريد أن أقول؟ وإجابتى: فى خدمة التغطية اليومية Today’s Worldviews عن أهم الأحداث العالمية التى تقدمها "الواشنطون بوست" استوقفنى الثلاثاء 23 أبريل الجارى مقال وتقرير، المقال بعنوان "Trump’s Gulf allies rush to defend strongman rule - حلفاء ترامب في الخليج يسارعون للدفاع عن حكم الرجل القوي"، أما التقرير فمن مراسلها فى القاهرة عن استفتاء التعديلات الدستورية. وقبل أن نشرع فى استعراض ومناقشة ما جاء فيهما، يهمنا أن أولاً أن نشير إلى موقف "الواشنطون بوست الأمريكية" من عداء واضح لسياسات دونالد ترامب، وقادة مصر والسعودية والخليج، وفى تقديرى أن قدراً من هذا العداء موجه إلينا بسبب دونالد ترامب نفسه، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الجريدة تحديداً هى من أقامت الدنيا ولم تقعدها بعد حول مقتل جمال خاشقجى فى القنصلية السعودية بالرياض، فقد كان خاشقجى أحد أهم كتابها، وكان أن نشر جيف بيزوس، مؤسس شركة أمازون ومالك واشنطن بوست، فى فبراير الماضى على موقع "ميديام" رسائل إلكترونية تتضمن ابتزاز له من مجلة "ناشيونال إنكوايرر" المهتمة بالفضائح الجنسية، تهدده بنشر صور حميمية حصلوا عليها بالتجسس على جواله الخاص، ورجح بيزوس أن الغرض منها هو توقف صحيفته عن تتبُّع قضية خاشقجي، بسبب انزعاج ترامب وأصدقاؤه فى الرياض. لذا وبدلاً من الاستسلام للابتزاز قرر أن ينشر بنفسه ما يتعرض له من من المجلة التي يملكها "ديفد بيكر" على الرغم من التكلفة الشخصية والإحراج". وذكّر بأن بيكر خضع للتحقيق هو وشركته لقيامه بأعمالٍ نيابةً عن السعودية "حسب إدعاءه"، وأن ترمب كافأه بأن دعاه إلى عشاء في البيت الأبيض، حيث اصطحب بيكر ضيفاً له علاقة وثيقة بالعائلة المالكة السعودية "حسب إدعاءه أيضاً".
أوردنا ذلك إشارة إلى احتمال عدم براءة وحياد ما جاء فى تغطية الواشنطون بوست السابق الإشارة إليها، ولتكون خلفية ربما على ضوئها نمهد للنقاش والتحليل. وللدقة العلمية هنا أقول ربما، فقد يكون قدراً من الموضوعية المهنية لا علاقة له بموقف بيزوس هو الدافع وراء النشر، ولعله احتمال لايصح استبعاده.
تصدر مقال "حلفاء ترامب في الخليج يسارعون للدفاع عن حكم الرجل القوي" صورة للرئيس ترامب يصافح الأمير محمد بن زايد بينما يتبادلان نظرة عميقة ربما مغزاها "إتفقنا - shake hands" وبعرض الصورة جاءت عبارة " تلقى التعليمات – Taking Instruction" وليس واضحاً من يأخذ التعليمات ومن يعطيها؟. الصورة ذات مغزى لايمكن إغفاله فنحن نعيش عالم الصورة وتأثيراتها وإيحاءاتها أيضاً. وفى تقديرى أن الكاتب "إيشان ثرور" أراد أن يقول من خلالها مايدعم وجهة نظره والهدف من مقاله، الذى يبدو لى حتى الآن غير برئء. وأترجم لك جزءاً من المقال الذى استهله بقوله:"في نهاية الأسبوع الماضي، بدا أن الرئيس ترامب قد أذن بانعكاس مذهل فى السياسة الأمريكية، حيث قام بإجراء مكالمة هاتفية مع الجنرال الليبي خليفة حفتر، الذي يقود هجومًا عسكريًا ضد الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا في طرابلس، في المكالمة أثنى الرئيس على حفتر لمحاربته الإرهاب وحماية أصول النفط الليبية". وأضاف: "مشكلة هذه المحادثة أنها جاءت فى مواجهة الرسائل الحالية لوزارة الخارجية والبنتاغون والتي حثت حفتر على التنحي والمشاركة في مفاوضات بوساطة الأمم المتحدة مع الحكومة في طرابلس. لقي المئات من المدنيين والمقاتلين حتفهم في الأيام الأخيرة بينما كانت قوات حفتر تتجه نحو العاصمة الليبية، بينما تشرد عشرات الآلاف. واستخدم الجانبان المدفعية والغارات الجوية في القتال". ولعل "مكالمة ترامب تقوض إلى حد كبير سبع أو ثماني سنوات من سياسة الولايات المتحدة، بما فيها السنتين الأوليين من رئاسته". هكذا صرح بن فيشمان، وهو مسؤول سابق في إدارة أوباما عن ملف ليبيا، لصحافيين: "كانت سياستنا هي دعم عملية السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة." من خلال إظهار حفتر كشريك في مكافحة الإرهاب وتجنب أي تعليق على تحركه الأحادي لمهاجمة طرابلس، وأضاف فيشمان: "من المؤكد أنه يبدو لي أن ترامب يلعب لعبته المفضلة. "
ويردف قائلاً: "ويبدو أن ترامب يكاد يكون وحده في هذا المسعى، بينما يحسب حفتر القوى الأخرى بما في ذلك فرنسا وروسيا كحلفاء ضمنيين. وقد عبرت حكومات أوروبية مختلفة عن قلقها إزاء حكومة الوفاق الوطني الفاسدة والضعيفة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها وفي مرمى حفتر. لكن الوضع الحالي وعلى الأرض يحدوه الأمل فى التوصل إلى تسوية توفيقية في بلد تمزقه الميليشيات المتنافسة. وفى هذا كتب ستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية قائلاً: "إن أفضل الجهود التي يبذلها بعض الليبيين لكتابة دستور جديد وتسوية النزاعات الداخلية من خلال الحوار، ورغم أنها جديرة بالثناء، فقد بدت غالباً منفصلة ومتوازية مع المنافسة بين الجماعات العنيفة بينما حطمت خطوة حفتر أي أمل متبقٍ في هذا الحوار الذى يمكن أن يضع ليبيا على طريق أفضل".
وإلى هنا فلايزال الكاتب لم يفصح عن مقصده ولاهو شرح لنا حتى ماجاء عنواناً لمقاله، ولعله الآن يفعل إذ يكتب: "بالنسبة لترامب، من المحتمل أن يكون وراء قراره الانحياز إلى حفتر تأثيرات أخرى، فقد تردد أن دردشة ترامب مع حفتر جاءت بعد محادثة منفصلة مع محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي وحاكم الإمارات العربية المتحدة الفعلي. ولقد دعمت الإمارات العربية المتحدة إلى جانب السعوديين والمصريين حفتر، أحد أمراء الحرب الذين أمضوا السنوات القليلة الماضية في توطيد السلطة في شرق ليبيا والتحالف مع حكومة منافسة مقرها مدينة طبرق الساحلية. الإماراتيون مستغرقون في صراع جيوسياسي مع قطر ويرون في حفتر شخصية يمكن أن تسحق الميليشيات الليبية المرتبطة بالدوحة، وتحكم السيطرة على النفط الليبي. وهم يرون فيه أيضًا رجلًا قويًا محتملًا يقوم بقمع الإسلام السياسي، حتى لو كان ذلك يعني وضع تطلعات ليبيا للديمقراطية على الجليد". هنا يتضح من يأخد التعليمات ومن ينفذها؟ وأى الأسباب تحدوه، وهو هنا يشير أن موقف ترامب جاء مسايراً لتوجه بن زايد، ولم ينسى أن يشير ضمناً أن موقف ترامب جاء مسايرا للإمارات فى حصارها على قطر، ومحاولتها دحر الميليشيات الليبية المرتبطة بالدوحة.
تتضح فكرة الكاتب أكثر عندما يقول: "كما يعرف قراء WorldView اليوم، تعتبر الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وحفنة من الحلفاء الإقليميين أن حكم الرجل القوي في جميع أنحاء العالم العربي هو الترياق للفوضى التي تسببها ثورات المنطقة المؤيدة للديمقراطية. ولقد تبنى ترامب مبكرًا هذا الرأي، حيث وصف حركات الاحتجاج في الربيع العربي لعام 2011 بأنها أرض خصبة للتطرف الإسلامي، بدلاً من اعتبارها انعكاسًا للمجتمعات التي تم قمعها لفترة طويلة والمتطلعة للحريات والحقوق. ويبدو أن ترامب يتجنب أي حديث عن الإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط، على ما يبدو من خلال إشاراته لشخصيات مثل بن زايد، وكذلك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان". وهنا يخيب مسعى الكاتب فى إدانة ترامب وحلفاؤه، فقد أشار جيمس دورسي، باحث في الشرق الأوسط، أنه في السياق الليبي لا يختلف موقف ترامب عن موقف الكرملين، حيث تفضيل ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرجل لديه سجل مشكوك فيه في مجال حقوق الإنسان، والذي إذا نجح، فمن المحتمل أن يحكم ليبيا كدكتاتور، أمر يعكس اعتقاد الزعيمين بأن أفضل ضمان للاستقرار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على حد ما كتبه دورسي يكون "من خلال الحكم الاستبدادي ذو الواجهات الديمقراطية التي يتحكم خلفها الرجال ذوو الخلفيات العسكرية في أذرع القوة". ويضيف: "يبدو أن الرياض وأبو ظبي يحاولان تنفيذ نفس خطة اللعبة في أماكن أخرى في شمال إفريقيا. فإلى جانب دعمهم العلني لحفتر في ليبيا، توصل السعوديون والإماراتيون إلى تقديم 3 مليارات دولار كمساعدات للحكومة العسكرية المؤقتة في السودان، ويرى بعض المتظاهرين السودانيين أن هذه الأموال جزء من الأجندة الجيوسياسية الأوسع نطاقا للملكيات لتأمين حكومة مطلقة في السلطة وإحباط الدفع نحو الحكم الديمقراطي والمدني في مهدها، خصوصاً أن الكثيرين يدركون المثال الذي حدث فى مصر بالفعل". وبدأ الكاتب تحرشه، ويورد مغالطته الكبرى واستهدافه الرئيس السيسى بقوله:" ولتحقيق هذه الغاية، فقد دعم ترامب بقوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى السلطة في 2013 بانقلاب أطاح بحكومة إسلامية منتخبة ديمقراطياً، ثم شن حملة قمع لا هوادة فيها على المعارضين، وهو على وشك تمديد حكمه ربما حتى عام 2030 من خلال استفتاء ينظر إليه على نطاق واسع على أنه مهزلة. ولقد ساعد الإماراتيون والسعوديون في تمويل الانقلاب الذي قام به السيسي، وقدما مليارات الدولارات لمصر في شكل معونات للمساعدة على استقرار الاقتصاد المصري ما سمح للسيسي بتعزيز موقفه". المغالطة هنا أن ترامب لم يدعم السيسى ليأتى لحكم مصر، فقد كان رئيساً فى 2014 بينما انتخب ترامب فى 2016. ثم الإطاحة بالأخوان وحكمهم الثيوقراطى كان مطلباً جماهيرياً لثورة 30 يونيو التى خرج فيها أكثر من ثلاثين مليون مصرى لإسقاط حكم الإخوان والدفاع عن هوية بلادهم. أما تمديد حكمه إلى 2030 فهى مغالطة أخرى، فالسيسى إذا أراد الاستمرار فى الحكم فعليه التقدم لإنتخابات رئاسية عامة فى 2024، أما تحول الاستفتاء إلى مهزلة، كما أورد، وكما جاء فى التقرير المنشور بالواشنطون بوست بالأمس من مراسلها " سوداراسان راغافان" عن الجهود التي تقودها الدولة لتعزيز إقبال الناخبين، بما في ذلك تقديم حزم من المواد الغذائية وكوبونات، وتغطية القاهرة ومدن أخرى بلافتات وملصقات تتصدرها صور السيسى تحث المصريين على التصويت بـ"نعم" للتعديلات الدستورية، بينما لم تكن هناك لافتة "لا" واحدة ظاهرة " فى أى مكان حول العاصمة، فالرد هنا هو استهجاننا جميعاً لما حدث واتجاه المقربين من الصلة لمحاسبة من قام بهذا الفعل المشين، ومع اعترافنا بالتغطية الإعلامية المنحازة، فقد كانت هناك أصوات قدمت معارضتها تحت القبة بكل شجاعة وتجرد، وأذكر منهم النواب أكمل قرطام، وطلعت خليل وشديد أبو هندية ومصطفى كمال الدين، وهيثم الحريرى وأحمد طنطاوى، وغيرهم، وكانت لافتة "لا للتعديلات الدستورية" التى رفعها حزب المحافظين فى وسط القاهرة – ميدان طلعت حرب، شاهدة أن مصر لايمكن تدجينها، وأن الشعب الذى قام بثورتين فى أقل من ثلاثة أعوام مازال حياً وقادراً. أقدم هذا ليس دفاعاً عن أحد، ولا هجوماً على أحد، إنما هى مسئولية وطنية وأمانة كلمة لابد أن تسجل فالتاريخ لايرحم الصامتين.