الثورة خيار الشعب … تسقط بس لا تكفى

عمرو إمام عمر
2019 / 4 / 23

الامتحان للثورة السودانية عسيراً و صعباً إلا أن الحراك الشعبى حتى تلك اللحظـة يتمتـع بـالإرادة القويـة ، و لكنها مرهونـة بتطـور الشعارات و الأهداف و درجة الوعى الحقيقى لدى الجماهير الثائرة و قيادتها الشعبية فى الشارع إن تصل بالثورة إلى مبتغاها الحقيقى و هو إعادة تشكيل الوضع السياسى و الاقتصادى بالكامل لما هو فى صالح تلك الجماهير العطشة للحرية و العدالة الاجتماعية و السياسـية و الاقتصادية التى لم تستطع أى ثورة او أنقلاب على مدى تاريخ السودان أن تحققها أو تقترب منها فهى تقف دائما على أبواب التغيـير و لكنها لا تطرقه ، فمنذ أنقلاب عبود فى أكتوبر 1958 الذى تم بمساندة من النخبة السياسية فى تلك الفترة ، و الذى كان انعكاس لصراع سياسى وهمى على كرسى السلطة بين الطبقة البرجوازية التى سيطرت تاريخيا على الموارد الإقتصـادية و بالتـالى فرضـت سـيطرتها على الحياة السياسية و استخدمت كافة السبل لذلك و على رأسها عامل العاطفة الدينية فأصبحت الحركات الصـوفية هى عمـاد تشـكيلها فتلك الأحزاب لم تمتلك طوال تاريخها برنامج سياسى واضح المعالم ، و عندما اشتد الصراع فيما بينها و ازدادت الضغوط الاقتصادية و ثبت عجزها عن الوصول إلى حلول حقيقية لتلك الأزمة فلجأت للانقلاب على نفسها و شاهدنا كيـف تم الاتفــاق بينهــا و بين ”الفريــق عبـود“ بضرورة الانقلاب1 فى تضاد تام مع ما كانت تطرحه من شعارات ديمقراطية أثبتت هى نفسها أنها زائفة …

فى الفترة الأخيرة تصاعد نجم ”تجمع المهنيين“ ، للأسف الشديد المعلومات المتوفرة لدى ليست بالقدر الكافى نظرا لطبيعـته التى شهدت قدر كبير من السرية ، و لكن من المتابعـة لتطــــور الأحــداث و البيانــات الصـادرة من خلال مــوقعهم الاليكترونى و الأخبـار الـواردة من على الأرض السـودانية و ما نراه من كيـفية التعامـل مـع الانقلاب الداخلى الشكلى لحركـة الإنقاذ فى محاولــة من بقايـا النظام من اللحاق بأى طـوق نجـاة بعـد أن صارت السـفينة التى تحملهم على شفا الغـرق ؛ إن المتابع للموقف فى السـودان و لكــل الشعارات التى طرحت خلال الفترة الماضية أعتقد أنها لم تصـل إلى طموحات الشارع السودانى فهى لم تقترب من مشـاكله الحقيقيـة كأنها تؤجل مواجهة كل تلك المشكلات بعد إسقاط النظام بالكامل و هذا خطأ تكتيكى كبـير فتصـعيد المواجهـة مـع النظـام يجب أن يتماس بشكل أساسى مع معاناة الشعب اليومية ، فالحراك بدأ كحالة غضب عفوى بعد أزمة اقتصادية خانقة كشـفت الغطـاء عن مدى إفلاس ما يسمى بـ ”حركة الإنقاذ“ و ما على شاكلتها وصلت إلى حـد أن صـار الحصـول على رغيـف من العيش صـــعب المنـال على الأسرة السـودانية البسيطة ، و هذا ما أشعل الغضب الشعبى فى الشارع ، بعد سنوات طويلة ظلت تلك الجماهير صـابرة فى ظـل دعايـة إعلامية يتم استغلال العامل الدينى فيها لكبح أى محاولة لمواجهة فشل المنظومة الحاكمة فى الوصول إلى حل للمشـكلات الاجتماعيــة و الاقتصادية و السياسـية التى تسببت هى فى تأجيجها بالرغم من كل الفرص التى كانت متاحة لهم ، و كانوا هم المعول الأساسى فى هـدم وحدة السودان و أنقسامه إلى شمال و جنوب بتأجيج صراع دينى طائفى لا تستطيع حتى الأحزاب التى تدعى الديمقراطيـة ان تحصـل على صـك البراءة منه فهى ساهمت فى مراحل تاريخية متعددة فى إشعال هذا الصراع حتى وصل إلى ما أنتهى إليه الآن …

البيان الأخير لتجمع المهنيين أقتصر فى مطالبه على ضرورة تفكيك ”حزب المؤتمر الوطنى“ فقط و فى نفس الوقت تجاهل بشـكل كامــل القرين النائم ما يسمى بــ ”حزب المؤتمر الشعبى“ ، فالحزبـان هما جنـاحين لنفس الفكـر الهـادم للشــعوب القــائم على العنصرية الدينية ، و المذهبية ، أيادى كل قيادات تلك الحزبين ملوثـة بـدماء الآلاف من شـباب الســودان فى حـرب عبثيـة لم تكن سـوى غطـاء لفكرهم المريض و إحكام السيطرة على الشعب باسم الدفاع عن الهويـة الدينيـة ، القيادة الثوريـة إذا لم تقـترن بشـكل تـام مـع نبض الشارع و توجهه الحقيقى لن تستطيع أن تحمى نفسها و ستسقط مرة أخرى فى هوة ساحقة لتصـعد فى مقابلها نفس المنظومـة الـتى ثارت عليها من قبل …

إن الأمل لا يزال قائما فى القيادات الشعبية للجماهير فى الشارع أن تقود الثورة إلى مسار أكثر راديكالية فى مجابهة فلول الأنقاذ و سارقى الثورات من نخب سياسية ثبت تاريخيا فشلها التام سياسيا … فالأمل فى الشعب و شعار السقوط يشمل الجميع ليعلوا صوت الشعب و إرادته



_____________________________________
1) أتفق كل من السيد عبد الرحمن المهدى و على الميرغنى و عبد الله الخليل مع الفريق إبراهيم عبود بضرورة الأنقلاب بعد أن وصلت الأزمة الإقتصادية إلى أقصى مداها و اصبح من العسير على جزب الأمة الحاكم أن يصل إلى حلول حقيقية مما سيفقده جماهيريته فى ظل صراعه مع الحزب الاتحادى فى تلك الفترة ، و باتت الأزمة الاقتصادية و الصراع السياسى الوهمى بين الحزبين على سلطة تعتبر منهارة نظرا للأزمة الاقتصادية و أصبحت كل الحلول التى حاولت تلك النخبة أن تصل إليها بشرط ألا تمس سيطرتها على الناحية الاقتصادية ، فقررت الانقلاب على نفسها بالاتفاق مع الفريق عبود و الجيش للأطاحة بما أسموه بالدميقراطية ...

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول