الإثنوغرافيا وأوهام تيسير المشروع الاستعماري الفرنسي للمغرب

لحسن ايت الفقيه
2019 / 4 / 22

استهوى المغرب الرحالة الأجانب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بما هو مجال حيوي زاخر بالثروات والمنافذ، ومجال مرغوب فيه لتغيير رغبة المستعمر الأوروبي من الاهتمام بالأرض الفارغة إلى الاهتمام بالأرض الآهلة بالسكان. وما كان احتلال الأرض الآهلة بالسكان هينا دون معرفة الأعراق والطبائع، وإعداد منهجية الاحتلال. هنالك تأسست رغبة اكتشاف المغرب، بعد أن تبينت فرنسا، على وجه الخصوص، أن استعماره يسير، عقب انهزامه أمام فرنسا في حرب إيسلي سنة 1844، وانهزامه أمام فرنسا في حرب تطوان سنة 1860. وبعيدا عن الغاية الإيديولوجية، إذ تكمن وراء الاكتشاف وتؤسس دوافعه، يعنينا من محصول البعثات الاستكشافية التي انخرط فيها، في الغالب، كل من هو متشبع بمناهج البحث الحديث، ثلة من التقارير والكتب تهم الإثنوغرافيا وحياة الإنسان عامة. وإننا نجد أنفسنا، بالحق، أمام هذه الوثائق كأننا نكتشف المغرب من جديد، «المغرب المجهول»، لأن هذه الدراسات، كما يقول الدكتور عبد الكريم الخطابي، ستشكل «مجالا لمراكمة المعلومات حول عادات وتقاليد، وسلوكات أهله من أجل استثمارها السياسي ووالإيديولوجي». «المغرب المجهول» وإن كان سمة كتاب أوجست مولييراس (August Molieras)، فهو مشروع للبحث الإثنوغرافي والسوسيولوجي واصل إنجازه الباحثون الفرنسيون قبيل احتلاله المغرب بتنظيم البعثة العلمية للمغرب بتشجيع من الإثنوغرافي الفرنسي ميشو بيلير (Michaux Bellaire). ذلك أن مخططي الاستعمار الفرنسي يهتمون بالجانب الثقافي، ويرومون دمج مستعمرات فرنسا دمجا كليا. ومن جانبنا، نحن أبناء المغرب، يبدو لنا البلد مجهولا في بعض الجوانب كنحو الخطط المؤسسة لاحتلاله، وكنحو تاريخه الذي لم يدون كله. وأحب في هذه المقالة أن أعالج الإصدار كتاب «المغرب المجهول» بقراءته قراءة لا تقتصر على التلاوة فقط، بل تتعداها إلى النقد والتمييز.
انتظم «المغرب المجهول» في جزأين، الجزء الأول «اكتشاف الريف»، والجزء الثاني «اكتشاف جبالة». تعرض الكتاب للترجمة من لدن الدكتور عبد الكريم الخطابي. الجزء الأول من الكتاب في 222 صفحة من الحجم العادي، صادر عن مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
تناولت مقدمة المجلد الأول، التي سأركز عليها، في هذه القراءة، وصف المغرب، أن كان مجهولا تقريبا حسب تعبير أوجست مولييراس. لكن «هل يتعين علينا أن نبقى إلى ما لا نهاية له أسرى هذا الجهل الذي لا يشرف في شيء» (صفحة 28). لئن كانت «شواطئه معروفة بما فيه الكفاية»، فإن «داخله يظل قابعا في ظلمة شبه تامة منذ أن وجد العالم» (صفحة 29).
قسم أوجست مولييراس المغرب إلى ثلاثة نطاقات جغرافية، المغرب الشمالي والوسط والجنوب. ويتضمن المغرب الشمالي الريف وجبالة وفاس. وأما وسط المغرب قيتضمن ثلاثة أقاليم: حوز مراكش، والبرابر والدهرة التي «تشكل الحدود الشرقية للمغرب» (صفحة 29). و«هناك أربعة أقاليم تحد المغرب جنوبا»، سوس، ودرعة، والساقية الحمراء، والصحراء. ذلك هو المضمون الجغرافي لمغرب القرن 19.
وعقب تفصيله القول في اسم البلد، انطلق أوجست مولييراس واصفا الأعراق ليشير إلى أنه «يوجد حاليا بالمغرب شعبان رئيسيان الأمازيغ والعرب، ومن المحتمل أن يكون الشعب الأول هو ساكن المغرب الأصلي، في حين أتى الشعب الثاني غازيا»، مع التعديل الطفيف للغة المترجم. واسترسل أوجست مولييراس في ذكر الفرق بين العرب والأمازيغ، حيث ذكر أن الأمازيغ «هم على العموم قصر قامة من العرب. فطولهم قريب إلى حد ما من طول الفرنسيين... أما خصائصهم الأخلاقية فلا تتميز كثيراعن خصائص العرب الذين أخذوا عنهم تعصبهم الديني. ولربما كان الأمازيغي لا يكذب بسهولة مثل العربي، إلا أنه يكذب مع ذلك، في غالب الأحيان» (صفحة 29). فما الغاية من التركيز على الخصائص العرقية؟ خلص أوجست مولييراس إلى أن «شعار الأمم الأوروبية التي تخضع هؤلاء الأعداء غير المتسامحين مع المسيحية هو: الصرامة القصوى والعدالة القصوى». فالأمازيغ عرق لا يروض لذلك «شكلوا منذ فجر تاريخهم، كابوسا للغزاة الذين أرادوا إخضاعهم... ولم يحظوا بفترة هدوء مع هؤلاء الأعداء المهددين لوجودهم باستمرار». ولأن العرق قد يعيق إعمال المشروع الثقافي الفرنسي، كان من اللازم «التفكير في إدماجهم»، وإن كان ذلك من المحال بمكان، أو بمثابة «يوثوبيا» (صفحة 32). فإذا كان المشروع الاستعماري الفرنسي يستصحب فيه الوظيفي الإيديولوجي فإن للإنسان المغربي نفس المشاريع لدى الإنسان الأوروبي، فكل يبتغي نصرة دينه، فوق أن الأمازيغ «مرتبطين كثيرا بالأرض وبالمناطق التي ولدوا بها»(صفحة 32). نعم، ظل الإدماج مهمة صعبة، وإن كانت غاية مرغوبا فيها. صحيح أن الرومان قاموا«عند بسط سلطتهم على العالم القديم بدمج الأمم الخاضعة لهم، داخل إمبراطوريتهم الشاسعة بجعلها رومانية. أما العرب الذين همهم الوحيد نشر ديانتهم مع أخذ الغنائم، فلم يفكروا ولو لحظة واحدة بالاندماج داخل وطن» (صفحة 34). وبعبارة أخرى، وقياسا على موقف أوجست مولييراس، فالعرب أكثر حرصا على ديانتهم وما حصل أن حملوا شعورا قوميا وطنيا، فكانت النتيجة حصول اللاتنجانس وتلفى كل قبيلة شبه معزولة «وسط الفوضى الإسلامية» (صفحة 34). تلك هي الإكراهات التي تواجه الشق الإيديولوجي في مشروع الاحتلال الفرنسي للمغرب.
المشروع الوظيفي للاحتلال الفرنسي للمغرب ركز على الثروات الطبيعية والمؤهلات المتوافرة. إن «المغرب بلد رائع. وليس هناك في أفريقيا الشاسعة بلد أجمل ولا أكثر تنوعا، ولا أغنى منه»، من حيث اعتدال مناخه، ولخصوبته أرضه، مما سيؤهله ليكون «مخزنا زراعيا غنيا بالنسبة لكل أفريقيا الشمالية» (صفحة 36). وفضلا عن خصوبة الأرض، يجري «الاهتمام بتربية الخراف والماعز والأبقار والجياد والجمال. وتعتبر الجمال والخراف موارد ثمينة بالنسبة للرحل» (صفحة 36). ترى الماشية التي تحوزها ثلة من الرحل والمزارعين تنتج المراعي المنتوجات الزراعية الواعدة، وترى الجبال المغربية مخضرة زاخرة بالغابات، وفي باطن أرضه ثروة منجمية هائلة، ولا ينبغي، فوق ذلك، التغافل، «عن العدد الإجمالي لسكان هذه الإمبراطورية». ذلك أن طرد «المورسكيين من إسبانيا»، وغزو الجزائر من لدن القوات الفرنسية، مكن المغرب «من ربح ملايين المهاجرين» (صفحة 37).
ولهذين الاعتبارين، الاعتبار الإيديولوجي والوظيفي، يبقى دور فرنسا حاسما، فهي «مدعوة لخلافة العرب على مستوى الهيمنة الثقافية التي مارسوها في كل البلاد الأمازيغية منذ فتوحاتهم الاولى ومدعوة أيضا لخلافة الأمازيغ على مستوى الهيمنة السياسية التي ما فتئ هؤلاء الأشداد يمارسونها فعلا لمواجهة سيطرة الغزاة بالرغم من الانتكاسات التي لحقتهم». ففي تقدير أوجست مولييراس «كان العربي داعية مشاسكا لا يشبع، وكان الوندالي متوحشا والروماني طاغية مستحوذا، والقرطاجي تاجرا عابدا للعجل الذهبي، ويجب أن يكون دور الأمم الحديثة المؤهلة لقيادة الشعوب المسلمة مغايرا تماما» (صفحة 39). وسواء كانت الإمكانيات متوافرة، أم لا، وجب قبل التفكير«في إدماج المسلمين...معرفتهم. ذلك أن كل مسلم يولد وفيه شيء من الدبلوماسية... فالمسلم يشكل لغزا وهو معروف فقط من طرف بعض المسيحيين القلائل الذين شاطروه حياته واندمجوا معه إن صح القول» (صفحة 40).
وختاما ثبت أن النتيجة التي توصل إليها أوجست مولييراس«قد تقدم لفرنسا امتيازات لا تحصى وللمغرب منافع لا تقدر بثمن»، على حد تعبيره. و«لن تراق قطرة دم واحدة للوصول إلى هذه النتيجة» (صفحة 41). ولقد تبينت النتيجة في المقاومة العنيفة ضد الاستعمار الفرنسي بجبال الريف والأطلس المتوسط والأطلس الكبير الشرقي والأطلس الصغير، هذرت فيها دماء كثيرة، دون أن تفلح فرنسا في دمج المغرب.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار