التعديلات الدستورية..(السلطة نشوة تعبث بالرؤوس)

احمد البهائي
2019 / 4 / 20

التعديلات الدستورية .."السلطة نشوة تعبث بالرؤوس"
من فينا لا يتذكر مقولة العالم الإجتماعي جوستاف لوبون "السلطة نشوة تعبث بالرؤوس "
تعرف دولة القانون بأنها الدولة التي تضع لنفسها قیودا قانونیة تحدد علاقتها مع مواطنیها وتطبق علیهم أحكام تستمد أصلها من قانون أجمعوا على وضعه ولیس مجرد أحكام وأوامر وارادة الحكام، اي دولة القانون هى بديل الدولة البوليسية اوالدولة الدينية ، فإن دولة القانون بمفهومها الواسع هي الدولة التي تقوم على التوازن بین ضرورات ومتطلبات السلطة وضمانات الحقوق والحریات العامة، لأن تغلیب ضرورات ومتطلبات السلطة یؤدي حتما إلى الإستبداد والدكتاتورية ، وتغلیب ضمانات الحقوق والحریات العامة یؤدي إلى الفوضى والضياع .
ومن هنا ، تقوم دولة القانون على أسس ومبادئ ومقومات ، ألا وهو" دستور" الذي یحدد شكل الدولة ونظام الحكم فیها وینشئ السلطات ویبین إختصاصتها ویحدد طبیعة العلاقة بینها ویقر حقوق وحریات الأفراد، وبالتالي یعتبر الضمانة الأولى لممارسة السلطة ممارسة قانونیة خاضعة لحدود وضوابط معینة ،وبالتالي یعتبر ضمانة أساسیة لقیام دولة القانون ، وخضوع الدولة للقانون ،فالدستور هو من يحدد نوع النظام السائد في الدولة، ویبین إجراءات إختیار الحاكم ویحدد حدود ممارسته لسلطاته، فالقواعد القانونیة التي یحتوي علیها الدستور هي التي تبین الإلتزامات والمبادئ الوجب إحترامها وعدم مخالفتها .
دائما وأبدا ، يسمو الدستور ، عندما توجد قواعد دستورية وقانونیة علیا تضمن خضوع الحكام للقانون، فلا یجوز مخالفتها أو الخروج عن نصوصها، فهي التي تمثل الأصل بالنسبة لسائر القواعد القانونیة الأخرى والتي تتفرع عنها، فالدستور هو الذي ینشئ سلطات الدولة (التشريعية والقضائية والتنفيذية ) ویحدد إختصاصاتها وآلیات عملها وبالتالي فإنها ترتبط به إرتباط الفرع بالأصل والجزء بالكل ، لذلك یجب أن یكون هنالك قواعد علیا على الهیئة الحاكمة من الواجب أن تحترمها حتى یمكن القول أن هنالك نظام دستوري دیمقراطي ، وعلى رأس تلك القواعد بل وهو اساسها وبدونه لا يقوم ولا يحترم الدستور ، تكريس مبدأ " الفصل بین السلطات " الذي يعتبر حتمیة أساسية لقیام دولة القانون، من خلال توضیح معالم ونظم موجودة تبین إختصاصات كل سلطة ،فتكريس هذا المبدأ في الدستور،* يمنع الإستبداد والداعم الأساسي لصیانة الحریات ، إن تركیز السلطة في ید هیئة واحدة سواءا كان فردا أو مجلسا، سیؤدي حتما ولا شك فیه في النهایة إلى الطغیان والإستبداد والقضاء على الحریات شيء فشيء إلى أن يتم محوها تماما،كذلك ** تحقیق شرعیة الدولة ، حيث یعد مبدأ الفصل بین السلطات من بین أهم وأفضل الضمانات لإحترام القوانین وحسن سیرها وتطبیقها ، بحیث تضمن خضوع السلطات الحاكمة للدستور والقانون ولیس الأفراد فقط ، ، لأنه إذا إجتمعت وتمحورت السلطة التشریعیة والسلطة التنفیذیة في ید هیئة واحدة هذا یؤدي إلى الإستبداد مما یفقد القانون صفته الأساسیة وهي العدل ، نفس الشيء في حالة ما إذا إجتمعت السلطة التنفیذیة والسلطة القضائیة في يد واحدة سوف یؤدي إلى إفلات السلطة التنفیذیة من الرقابة ،ولتجسید شرعیة الدولة على أرض الواقع،* لا بد من سلطة قضائیة مستقلة تخضع الحاكم والمحكومین للقوانین الساریة المفعول في الدولة وتكون مستقلة على جمیع المستویات وبعیدة عن كل الضغوطات سواء سیاسیة، إجتماعیة، مالیة ، لأن العدل یقوم بالقانون ،** ايضا السلطة التشریعة التي تتمثل وظیفتها في إصدار القوانین والقواعد العامة الملزمة التي توكل مهمتها للبرلمان،*** كذلك السلطة التنفیذیة التي تقوم بتسیر أمور الدولة ضمن إختصاصاتها في الدستور، لنقول ، اذا تخلف مبدأ الفصل بين السلطات تخلفت الدولة ليصل بها المطاف الى ان تصبح دولة استبدادية بوليسية بإمتياز.
تركیز السلطة في ید هيئة او شخص واحد ، تؤدي لا محالة الى فساد الحكم وضیاع الحقوق ، دولة القانون یجب أن تقوم على أساس مبدأ الفصل بین السلطات،من خلال توضیح معالم وإختصاصات كل سلطة وهذا فضلاً عن تنظیا للعلاقة الموجودة بين السلطتین التنفیذیة والتشریعیة على أساس التعاون والتكامل بینهما ضمانا لبقاء مؤسسات ً الدولة وإستقرارها،ايضا إستقلالیة السلطة القضائية من اي تدخل او ضغوط تمارس عليها من قبل السلطات الاخرى بغرض التشويش على حكمها .
عند قراءة نص التعديلات الدستورية ، وبعيدا عن المواد المتعلقة بإنتخاب رئيس الجمهورية (مدد وفترات ) التي هي في حقيقتها غير دستورية ، تجد هناك توغل وإستحواذ واضح من قبل السلطة التنفیذیة على السلطة القضائية ، رغم المادة (184 ) في الدستور التي تنص على إستقلالية القضاء ،وهذا تجده من خلال تدخل رئیس الجمهوریة في تعیین القضاة بموجب مرسوم رئاسي، وكذلك رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس الأعلى للقضاء وهیمنته علیه، فهو ايضا من یقوم بتعيین النائب العام ، ويختار رئيس المحكمة الدستورية ويعين نائب رئيس المحكمة الدستورية ، ويعين رئيس هيئة المفوضين وأعضاؤها ، مما یؤكد من خلال تلك التعديلات أن أعضاء السلطة القضائیة هم مسؤولون أمام السلطة التنفیذیة الممثلة في رئيس الجمهورية بل وموظفون يخضعون لسلطتها، وهذا ما یجعلهم في علاقة تبعیة للسلطة التنفيذية ، مما يؤثر على استقلالية قرارات تلك الجهات.
اذا ما نراه بدلا من ضمانات تضاف وتعزز وتزيد من دعم إستقلالیة السلطة القضائیة ، وعدم الإكتفاء بالنص على إستقلالیتها ضمن أحكام الدستور، وذلك بوضع أليات فعالة لحمایة القضاة من كل أشكال الضغوطات،وإ خضاع أعمال السلطة التنفیذیة لرقابة السلطة القضائیة كأحد الضمانات الأساسیة لحمایة الحقوق والحریات الفردیة والجماعیة، ومنع السلطة من التعسف على الأفراد ، نرى تعديلات وإستحداثات تقلل وتحد بل تقضي على ما هو موجود ،لتذكرنا بمقولة المفكر الإنجلیزي اللورد أكتون الشهیرة "السلطة مفسدة والسلطةالمطلقة مفسدة مطلقة" .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا