شام-الفصل الحادي عشر

منير المجيد
2019 / 4 / 16

مجرّد إستعادة ذكرى تلك الأيام يُشعل صدري بحنين غامض. وجه آرسيني الوسيم الجدّي، لهجتها الحلبية الصحيحة، ودون تلك الأخطاء التقليدية التي يقترفها الأرمن في العادة.

كنت أضع ثيابي المدنية في كيس وأذهب إلى مطعم «الكهف» الذي كان يبعد عن حديقة السبيل بمقدار بصقة.
هناك كانوا يسمحون لي بالإختباء في غرفة صغيرة كي أبدل ثياب الطالب الضابط، التي كنت أرتديها خوفاً من دوريات الشرطة العسكرية، فهم يتعرّفون علينا بسهولة.
هل كان شعرنا القصير؟ لون جلدنا؟ أم تصرفاتنا الخائفة؟ لا أدري.

أعود بعد لحظات ناسياً وضعي العسكري، لأهوي بإرهاقي على كراسي مطعم الكهف.
كم كان جميلاً استبدال نواصي مدرسة المشاة الجرباء بروائح أشجار وورود حديقة السبيل! أو متابعة أرسيني وهي تلج باب المطعم بفستانها الأزرق المزنّر بالأصفر حتى تكاد تودي بصوابي.

ماذا جرى لها الآن في زمن القتل هذا؟ ماذا جرى لمطعم الكهف الذي كنّا نلفظ إسمه الفرنسي، والذي كان يعجّ بالناس والحياة؟ ماذا بقي من السبيل، شارع بارون، ثكنة هنانو وحلب؟

عدت مرّة من مشواري إلى الكهف، وبعد ساعة مجون مع آرسيني في بيت مستعار من أصحابي الأردنيين، لأرى عدداً كبيراً من الزملاء مجتمعين في الساحة العامة. عرفت أنهم مضربين فأضربت معهم.
جاء ضباط وأمرونا أن ننسحب إلى المهجع فلم ننفذ الأمر.
هدّدونا بمحكمة عسكرية فلم نتراجع.
«ياجماعة ما هي القصة؟». سألت الزملاء.
أحد الضباط المدربين قال، في لحظة غضب، أن دورتنا دورة مخنثين، لذا قررنا أن نضرب حتى يعتذر منّا. المفاوضات والتهديدات استمرت حتى ساعات الصباح المبكرة، ولم تعد رجلاي تحملانني.

لحسن الحظ انتهى الإضراب بالنصر، حينما طلّ علينا الضابط واعتذر، قبل أن يتدخل جنرالات المدرسة المرعبين.
والجنرالات يذكرّونني بحكاية فؤاد الراشد.

فؤاد عرفته منذ أيام القامشلي، حينما كان يُقدم عروضه المسرحية على مسرح المركز الثقافي الواقع تحت سينما شهرزاد، قادماً من الحسكة، سويّة مع فرقتة المسرحية.
بعد العرض كان يجلس في مطعم «إيشو» وحوله عدد من الأصحاب والمعجبين ليسكر.
علاقته بالسكر بدأت في وقت مبكر كما هو واضح. بعدها يقول أنه حينما يملأ هذا (ويشير إلى رأسه) فأنه يجب أن يفرّغ هذا (ويشير إلى ما بين ساقيه)، وسرعان ما يركب الحنطور الواقف في الشارع ليتجه إلى دار البغاء. تلك الدار التي كانت تثير حسد شبان باقي مدن الجزيرة.

ذهب في منحة إلى موسكو، وحصل على شهادة الإخراج المسرحي، مستبدلاً العرق بالڤودكا. وبعد عودته استقر في دمشق وعمل في مسلسلات تلفزيونية، أحدها (حاولت عبثاً استحضار اسمه) كان قد فرغ من تصويره مباشرة قبل التحاقه بمدرسة المشاة. حاز المسلسل شهرة كبيرة، وكان يُعرض بينما كنّا في الدورة.
ذهب فؤاد، مرّة، في إجازة لزيارة عائلته في الحسكة، ولم يلتحق بالدورة يوم السبت، ولا حتى يوم الأحد. وكان أسمه يُذاع من مكبرات صوت المدرسة كل يوم، يطلبون منه مقابلة نائب مدير المدرسة.

يوم الاثنين مساءً، جاء فؤاد مترنحاً يقف بصعوبة على رجليه، فساعدناه بالإستلقاء على سريره. وسرعان ما زعقت مكبرات الصوت مرّة اخرى تطالبه بالمثول حالاً أمام نائب مدير المدرسة.
أصبنا بالرعب جميعاً. أيقظناه بصعوبة بالغة، وبدأ ريمون يخبره بضرورة الذهاب إلى الإدارة.
«بوّلوني»، زعق فؤاد، فحملته أنا من جهة، وريمون من الجهة الثانية، ليقف هناك قرب النباتات والأشواك التي حرقتها الشمس، وقال «ساعدوني». نظر إلّي ريمون متردداً، فساعدته.
تبوّل كثيراً ولمدة خلتها لن تنتهي. التحق بنا مجموعة اخرى من الزملاء، ورتّبنا سيناريو لقصة، قد تخفّف من عقوبته المنتظرة، مفادها أنه كان في الباص بطريق العودة من الحسكة، وفي استراحة الرقّة تناول طعاماً تسمّم منه على الفور، فقام بعض الرقّاويون بالعناية به لمدة يومين، وهذا ببساطة سبب التأخير.
لقّناه القصة وصار يكرّر وراءنا الكلمات حتى وثقنا به، بينما ركبنا يتّجه إلى مبنى الإدارة.

وقفنا على باب نائب المدير بعد أن أدخله الحارس وسمعنا المدير يصرخ فيه «أين كنت؟»، فصرخ فؤاد بذات الطريقة «سكران يا سيدي!».
توّقعنا أن يسحب نائب المدير مسدسه مباشرة ويثقب جمجمة فؤاد، لكننا سمعنا صوت قهقته عوضاً عن ذلك.
ثم خفتت الأصوات في حوار طال بعض الوقت. حينما خرج فؤاد أخيراً، لم يكن سكرانا كما قبل دخوله، وأخبرنا أن الحديث مع نائب المدير دار عن المسلسل، وأنه (نائب المدير) أراد أن يستبق الأحداث ليخبر زوجته، المتابعة الجيدة لذاك المسلسل، فرفض لأن ذلك سيخالف عقده مع إدارة التلفزيون.

بعد إنتهاء الدورة فُرز فؤاد إلى المسرح العسكري، وأعاد الكرّة ثانية، حينما ذهب لإستقبال زوجته الروسية في ميناء اللاذقية، لينام في الفندق لعدة أيام، بعد أن شرب كل الڤودكا التي أحضرتها زوجته.

حياته انتهت بعد ذلك بسنوات على نحو مأساوي، حينما كان وحيداً، مهجوراً من الزوجة والأصدقاء. مات في غرفته، غارقاً في حمّام دم، بعد أن بتر قضيبه بسكين.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية