شام-الفصل التاسع

منير المجيد
2019 / 4 / 9

بحكم الصدفة، قررت وزارة الدفاع إدخال نظام جديد لآلية الخدمة العسكرية، ونحن مازلنا نتدرب ونركض حاملين الأسلحة.
القرار كان أخرقاً للغاية: خريجو الجامعات الذين حصلوا على علامات عالية يتابعون دورة طلاب ضباط، والآخرون يخضعون لدورة رقباء أولين.
بمعنى آخر، نصفنا سوف ينهي الدورة وسوف يضعون إشارة ٨ مزدوجة على ساعدهم، وما تبقى سيتابعون الدورة ليضعوا نجمة مذهبة على كتافية خضراء.

وهذا ما تمّ. ودّعنا الزملاء بحفل إستعراضي تدربنا عليه لمدة أسبوع وكان عرقنا يبرد حين يصل إلى مؤخراتنا.
بعد الإنتهاء من الإستعراض، ونحن نتعانق ونودع الرقباء الذين خرجوا لتوهم من الفرن، شاء بعضهم أن يمازحنا قائلين أنهم يستطيعون إصدار الأوامر لنا، باعتبارهم، حسب المنطق العسكري، أرفع في المقام الرتبي منّا. ونحن بدورنا توعدناهم أننا سنمسح بهم الأرض وسنجعلهم يقفون باستعداد طيلة اليوم، حالما نتخرج.

نجم عن ذلك، إنكماش في عددنا، فانتقلنا إلى مهجع جديد، وصار لدورتنا اسم: الدورة ١١٤ طلاب ضباط، وكنّا، في مصادفة اخرى، قد لا تتكرر أبداً في تاريخ الجيوش، ١١٤طالباً أيضاً.

المهجع الجديد خضع لحسابات دقيقة، لأننا تعارفنا أكثر. الثلث الأول من جهة اليمين احتله خريجو الإتحاد السوفياتي، الشيوعيون واليساريون، دون أن يفكروا من مغبّة اختيار إتجاه لا يتماشى مع الوجهة السياسية، تماماً مثل الذين استوطنوا في الجهة اليسرى، المتدينون ذوي اللحى القصيرة المتأنقة. وفي المنتصف البعثيون والذين لم يهتموا بالإستقطابات.
كنت في المنتصف، تماماً فوق سرير محمود، وأميل وأتعاطف مع جهة اليمين.

كنّا، أحيانا، نفرش على سرير فؤاد أو ريمون جريدة ما، ونضع عليها بعض الخضار ونشرب العرق، بينما كان المتدينون يقيمون صلاة العشاء يؤمهم تيسير كما جرت العادة.

منير الشعراني كان قد تخلص من كل مصاعب التدريب والمبيت في المهاجع والإستحمام في بناء جدرانه سوداء من كثرة القذارة، صار يأتي إلى مدرسة المشاة كأي موظف إداري آخر، ليعمل خطاطاً في متحف المدرسة، وينصرف بعد الساعة الثانية عائداً إلى حلب، أوصى بفرزي لرسم الخرائط العسكرية، في البناء الرئيسي، حينما طلب منه المساعد الأول أبو أحمد إيجاد الشخص المناسب.

وهكذا تخلصت من الكثير من المصاعب. إحدى أكبر المصاعب، بالنسبة لي، كانت الهرولة وساقاي داخل ذاك البوط الأسود القبيح وغير المريح.

عدنان أبو شعر كان ينتمي إلى الجماعة المتدينة، إلا أنني كنت أتحدث معه كثيراً، وجمعتنا ألفة من نكهة خاصة. هو المتدين الوحيد، بعد والدتي، الذي اقتربت منه إلى هذا المقدار، حتى هذا اليوم.
ذهب معي عدّة مرات إلى حلب، وصار بعض الزملاء في الدورة يتهامسون حول هذه الصداقة الغريبة: شاب متديّن من الطرف اليساري من مهجع الدورة رقم ١١٤ وآخر يميل إلى الجهة اليمنى ويُشارك في جلسات التهتك والكحول. ما الذي يجعلهما متقاربين هكذا؟
كان متزوجاً من طالبة داعية في كلية الشريعة، حينذاك. عدنان كان يبحث عن الحقيقة ويعاني من متناقضات الحياة الإجتماعية من حوله، وفي تلك الفترة ابتعد عن أداء فروضه الدينية، مما أزمّ علاقته الزوجية لتصل إلى حد الطلاق.

جاء مرة إلى البيت فوجد زوجته محجّبة، ثم أعطته ورقة وقالت «لقد فرّق بيننا من جمعنا»، وفي الورقة النص التالي لمدرسها محمد سعيد رمضان البوطي: «إن من رأى نور الحق ثم حاد عنه، حريٌّ به أن يودع في مشافي المجانين. مكوثك معه تحت سقف واحد هو زنى صراح: هو طالق شرعاً».

هنا بدأت فترة تيه عدنان، كما عبر عنها بعد سنوات من لقائنا. فقد عائلته، أصدقاءه وقتله الحنين لطفلته. قال «كان يُسمح لي أحياناً بالتحدث إلى ابنتي، التي كنت أشتاق إليها كثيراً. وذات مرة، جلبت لها هدايا وسكاكر وحلوى، وجلسنا في بيتي، فاقتربت مني وقالت :«لماذا لا تأتي إلى البيت يا بابا؟ أنا خائفة».
تأثرت بسؤالها إلى حد الفزع. في اليوم التالي هاتفت زوجتي وقلت لها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم عدت إليها بعد أن عقدنا زواجنا مرّة اخرى».
قصة عدنان، هذه، تركت فيّ أثراً كبيراً، لأنني، وحتى هذه اللحظة، أشعر أن ما مرّ به من أوقات صعبة، ربما أكون سبباً، ولو صغيرا جداً، فيما حدث له.

بسبب سهولة زيارة حلب، وبعد أن صرت في وضع يُماثل وضع منير الشعراني، اتصلت بمعارفي الأردنيين من أقرباء وأصدقاء عامر، والذين كان بعضهم، مازال، يتابع دراسته في جامعة حلب، وأبات عند بعضهم أحياناً. لا يمكن للأردني التخلي عن عادات الكرم والضيافة.
عن طريق هؤلاء، تعرّفت على «آرسيني»، الطبيبة الحلبية الأرمنية، خريجة موسكو.
لم أحلم، مطلقاً، أن أبدأ معها علاقة، وأنا في حالٍ يُرثي له. هزيل جداً على وشك التكسّر، لفحني صيف وشتاء المسلمية، وثيابي بحاجة دائمة للغسيل والكي، علاوة على محفظة نقود لا تحتوي إلا على بضع ليرات. بينما هي فتاة جذابة بشعر محمّر وأنف غير أرمني، وبشرة صقيلة بلون الحليب، تحتها عروق مخضوضرة كنباتات.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية