شام-الفصل الثامن

منير المجيد
2019 / 4 / 4

عامر كان يسكن في منطقة السادات، في شقّة أنيقة لا تُقارن بغرفتي التي لم تكن سوى براز. كنت أضطر إلى تجاوز الشارع المؤدي إليه، وأمشي شارعين إضافيين كي أتخلص من تعليقات حراس إحدى دوائر المخابرات الحاملين رشاشات على أكتافهم ولهم وجوه أوغاد.
أبسط التعليقات كانت «خنافس»، إشارة إلى شعري الذي كان يطول دون خطة مسبقة، لأنني كنت أريد تقليد شبان كلية قسم اللغة الإنكليزية الوسيمين.

وعن طريق عامر تعرفّت على كومة كبيرة من الطلاب الأردنيين، يدرسون في مختلف كليات جامعة دمشق.
علي محمود أيضاً كان يطرق على بابي أحياناً، فنذهب إلى تناول وجبة في مطعم الجامعة المجاور، أو نجلس في مقهى الهافانا لنراقب الناس وندخّن. جاري وصديقي يوسف كان ينضم إلينا أحياناً.

بسبب النشاط والتفاني اللذين أظهرتهما في الكتابة عن السينما، وترددي الدائم على جريدة الثورة، التقيت بعبد الله أبو هيف الذي كان يدير الصفحة الأدبية. عبد الله كان يشارك بندر عبد الحميد شقة مظلمة لم تر ضوء الشمس منذ تشييد تلك البناية.
حينما تتعزز علاقتك بواحد من الوسط الأدبي أو الفني في دمشق فأنت، على نحو مؤكد، ستصبح جزءاً من الوسط الثقافي في العاصمة.
وحدث، بضع مرات، أن قدمّني عبد الله أو بندر إلى أحدهم، ليقول الأخير «آه، أنت الذي تكتب في النقد السينمائي!». كنت حينذاك أصاب بالغرور كطاووس.
وشعرت بالغرور أيضاً، حينما كنت أسير إلى جانب علي الجندي وبندر في شارع الرمانة، نتحدث ونناقش أمراً ما، حينما، وعلى نحو مفاجئ ركض علي الجندي خلف فتاة تجاوزتنا وهي تمارس رياضة الجري. القصة شاعت بين كل أصدقائي، ليس لطرافتها فحسب، ولكن كي يعرفوا أنني أذهب في مشاوير مع على الجندي.

علي محمود خلّصني من غرفتي أخيراً، واقترح أن أشاركه غرفة يستأجرها في حي الأكراد، فوافقت على الفور.
الذهاب إلى تلك الغرفة كان يتطلّب تسلّق شوارع ضيّقة تتعرج فيها مياه الأمطار، أو تلك التي تشطف بها النساء بيوتهن.
هناك سألت عن الشرطي وانلي الذي سكن عندنا، مع عائلته، في القامشلي، والذي، بمعجزة، جعلتُ طفلته تتعلم المشي.
الرجل كان معروفاً في الحي. ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى كنت أقرع باب بيته. استقبلني بحفاوة كبيرة، والطفلة كانت قد أصبحت فتاة جميلة خجولة في سنوات مراهقتها الأولى.
أحببت اللهجة الكردية المطعّمة باللهجة والكلمات الشامية لنعومتها، خلافاً للهجتنا الجزراوية الجافة.
وانلي كان يملك الدار المجاورة له، وبسرعة انتقلنا، علي وأنا، كلٍ إلى غرفته الخاصة.

اشتريت سريراً، وعدّة مطبخ وبوتوغازاً وكرسيين وطاولة فورميكا.
أول محاولة لطبخ الأرز انتهت بمأساة، لأنني نسيت إستعمال السمنة، وتركت الطنجرة على نار قوية، حتى ملأت رائحة تشبه البن المحمّص حي الأكراد.
الأرز والقدر انتهى بهما المطاف إلى برميل الزبالة.

تسلّم حافظ الأسد رئاسة الوزارة، تماماً بعد الإنقلاب، وفي الثاني والعشرين من العام ١٩٧١ وبعد إنتخابات رئاسية كان هو مرشحها الوحيد، فاز بنسبة ٩٩٪. هذه النسبة التي اشتهرت في كل أنحاء العالم، وألّف الناس الكثير من النوادر عنها.

انصرف الرئيس الجديد إلى بناء الجيش وتقوية أجهزة المخابرات وشهدت البلاد تقدماً في الكثير من المجالات، وصارت سوريا دولة علمانية، دون حريات عامة وديمقراطية، كما كان الحال عليه في البلاد منذ أيام الوحدة مع مصر.

لم أصرف الكثير من الوقت في الدراسة، خاصة بعد أن تقدمت إلى طلب منحة دراسية، أعلنت وزارة التربية عنها للطلاب الذين حصلوا على معدلات عالية في علامات الشهادة الثانوية.
رغبتي الأولى كانت، في الإستمارة التي ملأتها بحرص، دراسة الإخراج السينمائي، والثانية الفنون الجميلة. بعد شهر تلقيت رسالة يقول مضمونها، أن منح دراسة السينما ليست متوفرة في الوقت الحالي، لذا فأنني مرشّح للدراسة في الـ «بوزآر» في باريس. بعد أسبوعين غيرت الوزارة رأيها فاختارت موسكو، حتى انتهى الأمر إلى كلية الفنون الجميلة بدمشق.
لم أفهم مطلقاً كل هذا التخبط البليد! أليس من الطبيعي أن تختار الوزارة دمشق منذ البداية؟

وحين تمتّ الإجراءات البيروقراطية لقبولي في كلية الفنون، براتب مائة وخمسون ليرة سورية في الشهر، أهملت كلياً دراسة لغة شكسبير وصحبه.

في أحد الأيام ودون إيعاز مسبق، جاء أخي من القامشلي، وكان قد أطال سوالفه، تاركاً وظيفته كمدير لمدرستين إبتدائتين في مدرسة صلاح الدين الأيوبي، وقال أنه قرّر السفر إلى ألمانيا لدراسة السينما.
صباح اليوم التالي، رافقته إلى السفارة الألمانية، بعد أن توليت الإستفسار عن مكانها، وتقدّم بطلب الفيزا، سرعان ما خُتمتْ على جواز سفره.
وكما جاء، على نحو مُباغت، سافر أيضاً من مطار دمشق إلى ألمانيا الغربية.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية