من الصراع الطبقي في فرنسا، من السترات الصفر، يستلهم العالم العبر.

احمد عبد الستار
2019 / 4 / 2

بدأت حركة الاحتجاجات التي عُرفت بحركة الاحتجاجات السترات الصفر، منذ ايار عام 2018 واخذت زخمها المعروف منذ السبت الموافق 17 تشرين الثاني من نفس العام، انطلقت بسبب السياسة الضريبية لماكرون التي أدت الى ارتفاع تكاليف المعيشة، وارتفاع اسعار الوقود الامر الذي فاق قدرة سائقي الشاحنات الذين يرتدون السترة الصفراء بقرار حكومي عام 2008 العاكسة للضوء تجنبا لطوارئ الطرق على تحمل تكاليف زيادة اسعار الوقود، اضطرهم حالهم المعيشي عندئذ الى الاحتجاج على السياسة الاقتصادية لحكومة ماكرون، وسترتهم هذه هي التي منحت الحركة اسمها كما منحتها صفتها الطبقية، بمثابة الشرارة التي الهبت الوضع الفرنسي.

منذ بدايتها في اسابيعها الاولى، اتهمت الحكومة اليمين واليسار بالوقوف وراء هذه الاحتجاجات، ونفى المتهمون الاتهامات الحكومية بشكل قطعي. واللافت بالأمر اعتراف الحكومة والاحزاب بيمينها ويسارها وحتى النقابات العمالية، بعدم التدخل او الدعوة للاحتجاجات وحقا كانت مستقلة، ولاستقلاليتها هذه ايجابية كبيرة، تكشف عن بداية عصر جديد يدشن دخول الطبقة العاملة والشرائح المحرومة بالمجتمع للميدان السياسي والنضال الاقتصادي اعتمادا على قوتها الخاصة، بعيدا عن الاحزاب البرجوازية سواء ما سمي منها يمينيا او يساريا، او نقابات تابعة تجهد لتكريس سلطة رأس المال وهيمنة البرجوازية على المجتمع، النضال العمالي الان على مستوى العالم اعزل بلا حزب سياسي يقوده ويضعه على الطريق السديد، لأن بوصلة الاحزاب الشيوعية التقليدية قد ضاعت وانتهى امرها تحت قياد الرأسمالية.

في الايام التي اعقب السبت الثاني، صرح رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب أن "أبناء الشعب الفرنسي الذي ارتدوا السترات الصفر يحبون بلدهم، ويرغبون في ضرائب منخفضة ويريدون أن يكون راتبهم كافيا، وهذا ما نرغبه كذلك"، يعني قوله هذا إنه مرغم، فالبرجوازية لا يمكن إن تتنازل عن مكاسبها إلا اذا اهتزت سيادتها. فالقوانين التي تدير بها المجتمع باتت قديمة، بمعنى انها تضاعف بؤس العمال وشرائح المجتمع الفقيرة الاخرى، على نفس الوتائر منذ قرون بحيث زاد بؤس وإملاق الطبقة العاملة وشرائح المجتمع الفقيرة الاخرى الى حد لا يمكن تحمله. مما جعل الجماهير الفرنسية الفقيرة تنقلب على الطبقة البورجوازية انقلابا عنيفا صارخة بوجهها : يكفي ليس لدينا ما نعطيه بعد.

الصرخة المدوية هذه جاءت صافية، لا تتحكم بها وتديرها احزاب يسارية صديقة للبورجوازية ولا نقابات (صرف) او حكومية او فوضوية، صدرت من اساس المجتمع المعاصر، قام بها عمال وجماهير فقيرة طفح بهم الكيل ضد سلطة راس المال.
لا نبالغ إذ نقول إنها نذر وبشارة ثورة جديدة مع هذا القرن، استنادا الى معطيات توافق مبدأ الثورة الطبقية الساعية الى الاطاحة بسلطة راس المال، ويمكن تحليل وقائعها بالوجه التالي:

إن التظاهرات كانت ومن البدء مستقلة استجابة لدعواتها الخاصة ضد قوانين حكومية قاهرة، لم تكن تلبية لنداء من حزب يميني او يساري او أي نقابة ما.
الاحزاب المعارضة للحكومة بكل ألوانها والنقابات وافقت على دعوة الحكومة للتفاوض إلا إن (السترات الصفر) لم تلبِ الدعوة بل دعت الى جولة جديدة من التظاهر بكل حزم.
انتقال اثرها الى الجامعات والمدارس والعمال المستقلين وحتى الشرطة الفرنسية اضربت عن العمل تضامنا مع السترات الصفر، ونالت تأييد اطياف واسعة من الشعب الفرنسي، من متقاعدين وموظفين يعانون من قوانين الحكومة.
اتساع رقعتها الى بلدان اخرى مثل بلجيكا وهولندا وسائقي سيارات الاجرة الصغيرة في لندن كما ارتدى شباب البصرة المتظاهرين سترات صفر ايضا. خشية وتنازل الحكومة امام السترات الصفر جاء تراجعا امام شكيمة الاخيرين، فقد كانت الحكومة وكأي حكومة اخرى لا تتنازل امام المتظاهرين مثل هذا التنازل تحسبا من فتح الباب امام مطالبات اخرى، لأن النجاحات تلهم بعضها. لكنها تفاجأت بالزخم القوي الذي يبدو لا هوادة فيه، للمتظاهرين واتساع رقعة التظاهرة، اجبرها للمجاملة ومن ثم الرضوخ للمطالب رغم الرياء وتضارب التصريحات.

مما يدل على تأكيد حقيقة إن انتصار الطبقة العاملة لا يتم إلا بتنظيم صفوفها ورفع شعار اسقاط الطبقة الرأسمالية التي طال وجودها، بعيدا عن الاحزاب اليسارية التي تعيش تحت ظل رأس المال والنقابات التابعة للحكومات.
بعدها وعلى اثر اصرار السترات الصفر المضي قدما في تقليدهم كل سبت، أعلن رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب قبل يومين لسبت معتاد، عن تعبئة استثنائية في صفوف قوات الأمن للتصدي لأعمال تخريب وعنف محتملة قد تندلع خلال احتجاجات حركة "السترات الصفر"، مشيرا إلى نشر 89 ألف شرطي وعربات مدرعة عسكرية.

الشرطة الفرنسية تعلن إضرابا مفتوحا وتدعم "السترات الصفر". وما أكده قول نقيب الشرطة الفرنسية: "الدولة تتعامل مع معظم أفراد الشرطة كالحيوانات، إن ساعات العمل طويلة جدا دون انقطاع.. قد يرسلون في غيابنا أشخاصا ليست لديهم كفاءة في التعامل مع المحتجين".
بالوقت الذي يصر اصحاب السترات الصفر والعمال والمعدمين والمهمشين وطلبة ومزارعين بالمجتمع الفرنسي الى الاستعداد لخوض مواجهة جديدة بعد اعلان رئيس الوزراء، معلنين رفضهم واحتجاجهم لسياسات النظام الرأسمالي الحاكم. تتخنق ( كما يقول لينين) بالجهة المقابلة الطبقة الرأسمالية للدفاع عن وجودها. باتخاذ اشد الاساليب عنفا، لأنها لم يبق بحوزتها ما تقنع به الاخرين بالبقاء مع نظامها غير العنف والقوة. لقد استنفدت شروط بقائها كطبقة قائدة للمجتمع وعليها حسب العمال والمحرومين أن تخلي الساحة لصناعة مستقبل لا مكان لها فيه. فهل تقبل الرأسمالية بذلك؟ بالتأكيد لا، ولذلك نجدها كالوحش المسعور تريد تدمير الحياة على الارض وتسحق الملايين بالحرمان والجوع كي تبقي على نفسها.

ويبدو من خلال اصرار محرومي المجتمع الفرنسي على المنازلة بكل بأس، كأنهم يقولون بلا مواربة أن الأوان قد فات وقد دخلنا الصراع الطبقي المكشوف.
وزير الداخلية الفرنسي: احتجاجات "السترات الصفر" تحت السيطرة"!!
هكذا وبتعبير مقتضب صرح الوزير وكأنه أراد ان يزف بشرى لطبقته. ذكرني هذا التصريح برواية ( كل شيء هادئ على الجبهة الغربية ) للروائي الالماني الكبير ( اريك ماريا ريماك ) الذي صور بهذه الراوية اهوال الحرب العالمية الاولى تصويرا واقعيا بدون انفعال او غضب ظاهر والتصوير كان مؤثرا للغاية لأنه يمثل واقع مخيف لهمجية الحرب. عندما انتهت هذه الحرب وبعد الموت والخراب الذي امتد على مدى سنواتها رفعت كتيبته ( بطل الرواية ) من الجبهة الامامية الى القيادة تقريرا يقول ( كل شيء هادئ على الجبهة الغربية )، اي انتهت الحرب. وكيف كان ثمن (السيطرة) على المتظاهرين في فرنسا؟

ذكر كاستنير، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء إدوارد فيليب مساء الأحد، أن 118 متظاهرا أصيبوا خلال الاحتجاجات إضافة إلى 17 من عناصر الأمن، فيما بلغ عدد الموقوفين 1350 شخصا.
ويوضح تقرير "بأن شرطة مكافحة الشغب الفرنسية عززت وجودها في منطقة الشانزلزيه بباريس، حيث نشرت المدرعات لمواجهة "السترات الصفر" وأطلقت خراطيم المياه والقنابل الصوتية والغازية والرصاص المطاطي لتفريق المحتجين."
هذه تقارير حكومية تقلل من اعداد المصابين والمعتقلين، ما شاهدناه من تسجيلات لعنف الشرطة ضد الطلبة والمتظاهرين يعكس حقيقة اخرى غير المعلنة رسميا.

توقيت هجوم مدينة ستراسبرغ الفرنسية هل جاء بمحض الصدفة؟؟
يقول كارل ماركس في كتابه (الحرب الاهلية في فرنسا):".. بقدر ما كان تقدم الصناعة الحديثة يطور ويوسع ويعمق التناقض الطبقي بين الرأسمال والعمل، كانت سلطة الدولة تتخذ اكثر فاكثر طابع سلطة الرأسمال القومية على العمل، طابع قوة اجتماعية نظمت من اجل الاستعباد الاجتماعي، طابع اداة للسيطرة الطبقية. وبعد كل ثورة تؤذن بخطوة معينة الى الامام في النضال الطبقي، يتجلى طابع الاضطهاد المحض لسلطة الدولة على نحو أوضح.."

دولة الرأسمال الفرنسي لم تدخر جهدا بممارسة شتى انواع العنف والاضطهاد ضد (السترات الصفر)، حشدت قوة هائلة من عديد الشرطة ومعدات عسكرية كبيرة وكأنها ستخوض حربا عسكرية ضد عدو مدجج بالسلاح. والمتظاهرون كانوا حقا الد اعداء للسلطة الفرنسية لكنهم غير مسلحين، مارست القمع بضروبه والنتيجة رغم العنف لم تثنِ المتظاهرين عن غايتهم.

من حسن حظ ماركس لم يعاصر ليرى كيف صنعت الدول الرأسمالية الكبرى، الارهاب لتسخره كأداة تدميرية عالمية، ورعب ضد مواطنيها داخل بلدانها تفجيرات ودهس وطعن واطلاق نار وجميعها على ضد الابرياء. مع اشتداد الازمة بين المتظاهرين (السترات الصفر) وباقي المستعبدين بالمجتمع الفرنسي، واصرار الاخيرين على التظاهر والمطالبة رغم كل الظروف التي تتبعها الدولة ضدهم، لجأت اخيرا بافتعال حادث ستراسبورغ الدموي، وتتخذه ذريعة ضغط على ( الحركة) كي تتوقف، هذا ما صرحت به وزيرة العدل الفرنسية قائلة: "بعد هجوم ستراسبورغ على هذه الحركة ان تتوقف". بعد وقوع اعتداء ستراسبورغ، ارتفعت أصوات عدة تطالب بوقف التظاهر.... قال الناطق باسم الحكومة بنجامين غريفو للقناة الإخبارية "سينيوز" متوجها إلى المحتجين إنه بعدما تمكن "السترات الصفراء" من "التعبير عن غضبهم" الذي "سمعته" الحكومة، "ما نطلبه منكم بمسؤولية هو التعقل السبت وعدم الذهاب للتظاهر".
وأضاف "في هذه المرحلة، لم نقرر حظر التظاهرات التي تجري السبت" في جميع أنحاء فرنسا، لكن "ليس من الحكمة التظاهر" نظرا للتعبئة الكبيرة لقوات الشرطة في عمليات التحقيق والبحث الجارية بعد اعتداء ستراسبورغ الثلاثاء، وكان اليوم الرابع من التظاهر السبت قد جمع 136 ألف شخص في كافة أنحاء فرنسا، حسب وزارة الداخلية، وانتهى بعدد قياسي من الاعتقالات وصل إلى نحو ألفين، وإلى سقوط أكثر من 320 جريحا، كما وقعت أضرار جسيمة وحصلت مواجهات في العديد من المدن مثل باريس وبوردو وتولوز.
من فرنسا دائما نستلهم العبر.

بالثورات لا ينبغي لدور الطبقة العاملة أن يكون خجولا ومتخلفا عن ( جمهور الامة):

عند دراسة ماركس لثورة عام 1848 في فرنسا وفشل الطبقة العاملة الفرنسية لتحقيق مكاسب نضالها الثوري، بتسلمها السلطة، رغم اطاحتها بالسلطة الاقطاعية، والاستعاضة عنها بسلطة برجوازية على شكل جمهورية دستورية. خلص في كتابه ( النضال الطبقي في فرنسا من عام 1848 الى 1850) الى تحليل مفاده بأن " لم يكن بوسع العمال الفرنسيين أن يسيروا أي خطوة إلى الأمام، ولم يكن بوسعهم أن يمسوا وأن شعرة واحدة من الصرح البرجوازي، طالما لم يستنهض مجرى الثورة ضده، ضد سيادة الرأسمال، جمهور الأمة الواقف بين البروليتاريا والبرجوازية، جمهور الفلاحين وصغار البرجوازيين، طالما لم يجبرهم على الانضمام إلى البروليتاريا، والاعتراف بها مناضلهم الطليعي. ولم يستطع العمال أن يشتروا هذا النصر إلا بثمن هزيمة تموز الرهيبة.

من هنا نفهم بأن حجر الزاوية في كل صراع ضد السلطة البرجوازية في المجتمع المعاصر إن لم يكن بقيادة الطبقة العاملة، والتفاف جماهير الكادحين والمحرومين بالمجتمع حول الطبقة العاملة سيكون مصيره الفشل للعمال وباقي ( جمهور الامة). دعوة الى تعميق للدور الريادي للطبقة العاملة الفرنسية وبأخذ زمام المبادرة الثورية مع الجماهير المحتجة منذ اكثر من شهر، لتحقيق هزيمة البرجوازية الفرنسية وان لا تكتفي بحدود المطالبات الاقتصادية، بل ترتقي وتصعد من نضالها الى الدور السياسي، وتكون قائدة للمجتمع المحتاج للتغير حاجة ملحة، والشعارات التي رفعت اخيرا من قبل النقابات العمالية غير كافية وغير مناسبة مع حجم التطورات الاخيرة في فرنسا على سبيل المثل ما اعلن: "ويبدو أن حالة الغضب انتقلت إلى قطاعات أخرى مثل تلامذة الثانويات والمزارعين. ودعت النقابة الثانية في فرنسا الفدرالية العامة للشغل "سي جي تي" إلى النزول إلى الشارع الجمعة للمطالبة برفع الرواتب."

هناك علاقة متميزة بين ماركس والصراع الطبقي في فرنسا، إن صح التشبيه يمكن أن نقول عنها أشبه بعلاقة (حب) ملهمة له، رغم عبقريته الفريدة، وهذه العلاقة ربما تكون غائبة عن الكثيرين.

لقد أغنت تجارب ثورة عام 1848/ 1849 في فرنسا فكر ماركس، واستقى منها دروس عممها بشكل علمي متين، لتكون بمثابة نظرية للصراع الطبقي في العالم المعاصر، القائم على التفاوت وغياب الحقوق. منذ ذلك التاريخ قبل اكثر من قرن ونصف، ما فتأت الطبقات المحرومة في فرنسا تنتفض، تطالب بتحسين مستوى معيشة حياتها، وحتى السبت اليوم. لكن أكثر الانتفاضات والثورات فشلت دون تحقيق مطالبها، أو تم سحقها بالقوة وعنف السلطات البرجوازية، والخداع بدون أي حياء.
اليوم السبت اعلنت الحكومة البرجوازية الفرنسية بقيادة ماكرون، تعبئة 80 الف شرطي مع عجلات مدرعة ضد اصحاب السترات الصفر، وحملات تشويه اعلامية ضخمة، وخطب هو قائلا" "إن الاضطرابات التي يشهدها مجتمعنا سببها أحيانا أن الكثير من مواطنينا يعتقدون أنه بالإمكان الحصول" على شيء "بلا جهد"، ومن جهة اخرى دعوة الى الحوار الوطني، من اجل تشتيت الحركة واستمالة اقسام منها.

هذا هو اسلوب الحكومات البرجوازية المتبع منذ زمن بعيد من اجل الحفاظ على سلطتها، القائم على العنف والخداع، والامر ( الجيد) كما يقال، إن حركة السترات الصفر، آخذة بالتنامي والتوسع في المجتمع الفرنسي، الى حد اقلق بجد حكومة ماكرون.
فقد ارتفعت وتيرة مطالبها الاقتصادية الى مطالب اوسع، سياسية تختلف نوعيا عن بداية الحركة في اسابيعها الاولى، مثل شعار "سنخفض الأسعار بباريس" الى شعار كتب على لافتة في مقدمة الحشد "التغيير ممكن إذا توحدنا". وقال احد المنظمين الاسبوع الماضي: "سنحضر إلى هنا كل يوم سبت طيلة العام 2019 وسنحرص على أن يستعيد المواطنون السلطة، ونريد أن تكون الدول عامة ينظمها الشعب ويديرها الشعب". المتظاهرون هتفوا مع نهاية الكلمة "ماكرون استقل". هذه شعارات ثورية حقا، تطالب بتغيير اقتصادي (تخفيض الاسعار) وتغيير سياسي واضح من خلال تصريحات قادة الحركة، ولكن هل هذا يكفي، حتى لشرائح البرجوازية الصغيرة من سائقي الشاحنات وموظفين وطلبة ومتقاعدين وفلاحين، ناهيك عن الطبقة العاملة.

ترشدنا تعاليم ماركس التي استخلصها من خبرة الصراع الطبقي في فرنسا، بعد ما فشلت ما يعرف بثورة (حزيران) عام 1848، بأن اسباب فشل الثورة يرجع الى أن شعار البرجوازية الصغيرة والفلاحين الكفاحي، كان اصلاح النظام الطبقي ويكتفون عن هذا الحد، وعلى العمال أن يمضوا بالثورة الى "ثورة مستمرة". ويشير (ماركس) في النداء الثاني لعصبة الشيوعيين في فرنسا أنه " ينبغي على حزب الطبقة العاملة ان يظهر اكثر تنظيما قدر الامكان، واكثر وحدة قدر الامكان، واكثر استقلالية قدر الامكان..." "التغيير ممكن إذا توحدنا".
لأن" القضية لا تنحصر بالنسبة الينا في تغيير الملكية الخاصة، بل في القضاء عليها، وليس في تمويه التناقضات الطبقية، بل في القضاء على الطبقات، وليس في تحسين المجتمع القائم، بل في إقامة مجتمع جديد "وتعميق الشعار" نريد أن تكون الدول عامة ينظمها الشعب ويديرها الشعب" الى دولة عمالية صريحة، بواسطتها فقط تقضي على كل تفاوت وعوز، والمطالبات بتحسين الأجور والمستوى المعيشي.

إن العالم الذي نعيشه ومنذ زمن بعيد قائم على التفاوت بين من يملك وبين من بلا ملكية، الحياة الاجتماعية التي يعيشها البشر بكل اجزاء العالم حياة محضها الصراع بين من يريد ان يحتفظ بملكيته وبين من يريد أن يعيش كإنسان ينتزع حقوقه، انتزاعا من اعدائه، روى لنا التاريخ المعاصر سلسلة امتدت على طول العالم، من الثورات والهبات العنيفة والتظاهرات والاحتجاجات. لكي يضمن المحرومون معيشتهم واستقرار حياتهم، في كل مناطق وارجاء العالم الفورات متواصلة بلا انقطاع من باريس وموسكو ولندن وشيكاغو، وبلدان الشرق وفي العراق شهد هزات عنيفة قام بها العمال، تكللت بعبرة اضافت لسجل الصراع الطبقي العالمي ضد الرأسمالية، دروس وتجارب نستقي منها بعد كل جولة صراع نتيجته النجاح كانت او الفشل، إن الطريق لتحرر العمال وبالتالي تحرير البشر، يمر من طريق وحيد، طريق العمال انفسهم عندما ينتظمون ويكونوا يد واحدة قوية، هي وحدها فقط القادرة على التغلب على الرأسمالية واحزابها القومية الشوفينية والدينية والليبرالية، الحاكمة بالعراق. الطبقة العاملة بالعراق قوة ووجود لا يستهان به رغم التشتت الطائفي والعرقي، ورغم الضربات المؤلمة التي وجهتها لها الانظمة الفاشية المتعاقبة، الا ان استيقاظها بدأت ملامحه تظهر من خلال التظاهرات والوقفات الاحتجاجية في شركات النفط والشركات العامة في القطاع الصناعي، المطالبة مرة بتحسين المستوى المعاشي لطبقتهم، ومرة الوقوف ضد الشركات الاجنبية، وقوانين العمل المجحفة، مثل التمويل الذاتي، او قرار تحويل العمال الى موظفين البعثي، والذي لازال معمولا به، الطبقة العاملة العراقية هي الطبقة الاجتماعية الوحيدة بالعراق اليوم القادرة على قيادة الاعتراض الاجتماعي الواسع والنقمة الشعبية ضد النظام، وما بحاجة اليه كما تحتاجه كل طبقة عمالية بالعالم هو ان تنظم نفسها وتقف شامخة وسط المجتمع المؤلف بأغلبيته من الشباب الناقم على البطالة وضياع المستقبل، بين الصراع الطبقي في فرنسا ومثيله بالعراق يقف العمال وباقي الكادحين بالمجتمع مع ضرورة الحزب العمالي في قيادة وتوجيه الصراع الاجتماعي، كما يقول البيان الشيوعي":".. الشيوعيون عمليّا هم الفريق الأكثر حزما من الأحزاب العمالية في جميع البلدان، والدافع دوما إلى الأمام، ونظريا هم متميزون عن سائر جُموع البروليتاريا، بالتبصّر في وضع الحركة البروليتارية، وفي مسيرتها ونتائجها العامّة".

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية