شام-الفصل السابع

منير المجيد
2019 / 4 / 1

لم تُثمر محاولات الضباط والمدرّبين المستميتة على جعلنا نقف في أرتال منتظمة، أو نصرخ بصوت واحد بعض الشعارات الحماسية، أو نجمع قطع الكلاشنكوفات التي كانوا ينثرونها أمامنا، أو إصابة الدريئة في ساعات الرماية.

قلّة من أفراد دورتنا، بينهم سعد، انغمسوا في تلك الفترة العبثية من حياتنا، وتصرّفوا كعساكر حقيقيين.
سعد، الذي كان يتصرف كهيبي أثناء سنوات الدراسة في كلية الفنون، وجعل شعره يسترسل فانتشر كمكنسة على كتفيه، والذي كان يهزّ رأسه على موسيقى الپينك فلويد على سطح الكلية، صار، برأسه المحلوق وزيّه العسكري وذاك البوط الأسود، شخصاً آخر لم نعد نعرفه.

خلافاً لسعد وآخرين يُعدّون على إصبع اليد الواحدة، كنّا ننصاع لرزمة الأوامر بشكل أخرق، وفي الأمسيات نجتمع في حلقات عديدة ونتبادل النكات التي كان معظمها جنسياً مبتذلاً، لأننا كنّا شبقين مثل التيوس، وتلك النكات البلهاء كانت تُسري في أجسادنا تياراً كهربائياً من الدغدغة الماجنة.

في إحدى الأمسيات، دُعينا إلى إجتماع، بعد العشاء، في ساحة المدرسة، وقيل لنا أننا سنشارك في عملية ميدانية صباح اليوم الثاني في الساعة الخامسة صباحاً، دون أية تفاصيل إضافية.
ناقشنا الأمر في طريق عودتنا إلى المهجع. فؤاد الراشد لم يكن قد أدرك تماماً الأمر، وسألنا عدة مرات، إلا أننا لم نستطع إضافة أي معلومات.
نمنا قلقين.
في الخامسة صباحاً أعطونا أربع دقائق لتناول الإفطار، ثم أعطونا معدات ميدانية كاملة وكلاشينكوفات بمخازن وذخيرة حيّة، ثم وزّعونا على عدد من الشاحنات ذات اللون العسكري والمصنوعة في الإتحاد السوفييتي، سارت بغنغنة وتثاقل على الطريق الإسفلتي نحو حلب.

في الشاحنات حصلنا على مزيد من المعلومات: سنذهب إلى حلب لمحاصرة حي الكلّاسة، وسيقوم الجنود النظاميون بتمشيط الحي بغية إلقاء القبض على بعض المُهربين والمطلوبين للعدالة والهاربين من أداء الخدمة العسكرية. أما نحن، فلن ندخل الحي، بل سنكتفي بالدعم في الخطوط الخلفية، إذا تطلّب الأمر بطبيعة الحال.

لم نأخذ الأمر على محمل الجدّ إلا بعد سماعنا زخّات طويلة ومتقطعة من إطلاق الرصاص. كنّا متخذين وضعاً قتالياً وقلوبنا تقفز في صدورنا، ليس خوفاً، بل إثارة.
شعرنا وكأننا نمثلّ دوراً في فيلم، وكنّا مستعدين أن نثقب جسد أي أحد بالرصاص المحشي في بنادقنا.
نحن فحول برشاشات اوتوماتيكية.

لم نعرف تماماً أكثر عن تلك العملية، إلا حين إنتهاء دورة الأغرار، وإطلاق سراحنا في أمسيات الخميس وأيام الجمعة.

في عام ١٩٧٣ كان مروان حديد قد أسّس، مع محمد تميم الشقفة وحسني عابو مجموعة مسلّحة أسموها بـ «الطليعة المقاتلة» التابعة لمنظمة الإخوان المسلمين، وقاموا، فعلاً، بمجموعة عمليات شملت إغتيال شخصيات سياسية، أساتذة جامعات، رجال دين رفضوا أفكارهم وخبراء سوفييت. فجّروا مدنيين أبرياء في باصات كانت تسير بين دمشق واللاذقية بعبوات ناسفة.
أسوأ العمليات وأكثرها دموية كانت في مدرسة المدفعية في الراموسة في ١٧ حزيران عام ١٩٧٩، حيث قتلوا، بدم بارد مستعملين الرشاشات والقنابل اليدوية عدداً كبيرا من طلاب الضباط والمجندين.

هؤلاء كانوا ينشطون في دمشق وحماة وحلب على وجه الخصوص. وعمليتنا ذاك اليوم كانت تستهدف إلقاء القبض على عناصر التنظيم، هكذا، لا غير.
لم نعرف كم كان عدد المعتقلين، أو عدد المقتولين. هل كان هناك ضحايا من المدنيين؟ لا أعرف.

منير الشعراني إستأجر غرفة في حلب، وكنت أرافقه أحياناً و «نطبخ» علبة فيها نصف دجاجة مستوردة من الصين.
كنّا زملاء في كلية الفنون الجميلة، وصرنا أصدقاء في مدرسة المشاة في المسلمية.

رافقت عدة مرّة مع فؤاد الراشد أيضاً.
برنامجه كان في منتهى البساطة. يبدأ بوضع حقيبته الصغيرة في غرفة الفندق المتصدّع في شارع بارون، ويُسارع إلى مطعم على مسافة مترين من الفندق ويطلب عرقاً. يشرب طيلة الأمسية ويأكل قليلاً ثم يجد طريقه إلى غرفته في الفندق لينام حتى مساء يوم الجمعة.

في يوم بارد، كانت السماء فيه مغطاة بغيوم لها بطون كبيرة فضية اللون، استقلينا الباص الصغير من مدرسة المشاة إلى شارع بارون.
قام بنفس الطقوس، وكنّا الزبونين الوحيدين في المطعم. احتسى البطحة الأولى وأنا لم أفرغ بعد من كأسي الأولى، وحينما انتهيت منها كان قد طلب البطحة الثالثة.
لم يمض من الوقت أكثر من ساعة، حين كان فؤاد متختخاً بالسَكَر، وكان يروي لي قصصاً من فترة دراسته في الإتحاد السوفييتي ومغامراته النسائية، حينما دخل المطعم شاب وفتاتان، لم نستطع رؤية وجوههم في البداية بسبب النور القوي المباغت الذي دخل معهم من الشارع. كانوا واقفين على مسافة قصيرة يتناقشون على اختيار الطاولة المناسبة، حينما قال فؤاد بصوت هامس أجش ممطوط: «أنظر إلى هذه المؤخرات الجميلة، يا سلام». وفي نفس الوقت التفت الشاب وجاء نحونا مبتسماً وهو يصرخ: «فؤاد! يا للمفاجأة!». وجاءت الفتاتان أيضاً. وحالما انتهى من تبادل القبل معهم جميعاً، قدّمهم لي بصوت جعلته الثمالة ينطق الكلمات بتثاقل: «أختي، أختي، أخي، كلّهم من الحسكة القحبة».

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية