المسابقة الوزارية الادبية للخطابة والشعر العربي بين النتائج وضمير الغائب

عباس منعثر
2019 / 3 / 30

تطلب العدالة التامة أمر محال؛ ولا يتقصاه إلا قليل معرفة، وإدعاء الحيادية والموضوعية وإبعاد الهوى أمر محال آخر لا يمكن الوصول إليه. وبين الهوى والميل بالضد من الانصاف مسافة يتحرك فيها الانسان. وقد يظن المرء أنه منصف مخادعا ذاته ومعطيا لها المبررات؛ إلا أن ذلك لا يخفى على العين الذكية الفاحصة.

من مقدمة عامة كهذه نلج الى صلب الموضوع. تقام كل عام مسابقة للخطابة والشعر العربي على مستوى مديريات العراق عدا اقليم كردستان. وبالطبع تحتدم المنافسة، ويكون يوم اعلان النتائج صدمة لبعض المشاركين واغتباطا لبعضهم الاخر. وقد اقيمت المسابقة للبنات في محافظة كربلاء للمدة من 24/3 ولغاية 26/3/2019، وكانت هناك اشكالات كثيرة منها ما هو متعلق بفهم المسابقة وتوزيع الدرجات ككل ومنها ما يتعلق بغياب الانصاف والمحاباة على حساب بعض المديريات.

لنبدأ من خلل جوهري في توزيع الحقول الخاصة بالدرجات. تعطى درجة للموضوع، وتعطى درجة لفكرة النص، وأخرى للأسلوب، وبحساب رياضي وبمعرفة أن الطالب او الطالبة لا علاقة له بهذه التصنيفات كون المشرفين او الادباء هم من يكتب النصوص الخطابية والشعرية احيانا، نصل الى نتيجة كارثية وهي أن الدرجة تعطى للمشرف وليس للمشارك او المشاركة. تصوروا أن متسابقة ابدعت ابداعا لا مثيل له بالخطابة لا تفوز بحجة ان نصها يميل الى الطابع القصصي؟ وكأن المسابقة مسابقة نصوص فقط، في حين أنها تقام اساسا لتقييم القدرة الخطابية والموهبة والجرأة وإلا لتحولت الى مسابقة ادبية خالصة.

في مساحة كهذه يمكن أن نقع في الخلل الثاني، وهو امكانية التلاعب بالدرجات حسب الهوى والمصلحة واستبعاد اقوى المشارِكات بحجة النص الذي لا يميز بعض اعضاء اللجنة البناء القصصي عن الديالوج عن النص المسرحي للاسف. هذا من جانب، من جانب آخر قد يتحكم عضو واحد في لجنة التحكيم بالنتائج بكاملها. فالذي بيده (40) درجة يستطيع أن يعطي (39) درجة لمديرية يرغب بفوزها، ويعطي الاخرى الاقوى منها (15) فتنعدم المنافسة لصالح الضعيف اداء وقدرة ويغمط حق من يستحق.
يضاف خلل آخر، وهو الاصرار على ان يعطي كل محكم درجته بمعزل تام عن باقي المحكمين، او بلغة اخرى انعدام الرؤية الكلية للمتسابق او المتسابقة، بحجة عدم القدرة على التشاور او ضيق الوقت او اعطاء الحرية للمحكم في درجة الحقل الخاصة به. واذا اخذنا بنظر الاعتبار عدد المشاركين والمشاركات وضيق الوقت، بالاضافة الى اعطاء الدرجات من غير تسجيل ملاحظات بل بالاعتماد على الذاكرة التي قد تخون احيانا، فإن الغبن والاجحاف والظلم سيقع على عدد كبير المشارِكات بلا ادنى شك، وهو ما حدث وأثار استياء المديريات المشاركة التي اعلنت عن استيائها داخل القاعة وستعلنها على مستوى الاعتراض الرسمي في مديرية النشاط الرياضي والمدرسي وعلى كافة المستويات الممكنة. ولكي لا نطيل دعونا نلخص جملة من الملاحظات علنا لا نقع في الخطأ نفسه كل مرة.

- مجاملة المدينة المستضيفة (كربلاء- اربع جوائز) التي ينتمي اليها احد اعضاء اللجنة، وإعطاء النتائج حسب العواطف والميول خاصة مع مدينتنا الحبيبة الموصل.
- تحكم عضو معين بالمراكز لأنه مسئول عن 40 درجة.
- عدم اعتماد المكرر مع العلم أن العديد يستحقون المراتب والفارق حسب مقولة احد اعضاء اللجنة نصف درجة فقط.
- الفهم الخاطئ للتنافس وعدم جعل المهرجان فرصة للفرح الجماعي لكل المديريات لا من خلال المجاملة بل بالعدالة والانصاف وشمول اكبر عدد من المستحقين.

وبدل أن نفرح بناتنا وابناءنا تحولت المسابقة الى فرصة للتغالب وتصفية الحسابات واستعراض النتائج. لان من يقيمون هذه المسابقات لا يدركون أن الهدف هو ادخال الفرحة الى قلوب المشاركين حسب الاستحقاق. كم ظلمتم احبتنا الصغار وكسرتم أرواحهم برؤيتكم ايها الكبار، ولو كنتم تنتمون الى عالمهم بحق ولو كنتم منصفين بحق لما خرجتم علينا بهذه النتائج الهزيلة. ان مهرجانا مضحكا مبكيا كهذا، يدفع الكثير من المديريات والمدارس المشاركة الى التفكير ألف مرة قبل معاودة الخطأ الفادح نفسه..

واحقاقا للحق فإن الكلام لا يشمل جميع اعضاء اللجنة التحكيمية؛ إلا أن طريقة توزيع الدرجات جعلتهم مقيدين برؤية محددة لم يستطيعوا أن يتجاوزوها؛ لكن على الشعبة الادبية بادارة الاستاذ النبيل (ميثم غسان) أن تغير من بعض الوجوه لأنها أضحت مكشوفة للجميع ولا تستحق أن نضع بين يديها ميزان الذهب الا وهو التحكيم بنزاهة وتجرد.

لقد كانت النتائج مجحفة ، مثلها مثل غيرها من المسابقات الوزارية في المسرح والموسيقةى والفنون التشكيلية،مما يدعونا الى إعادة النظر في فلسفة النشاط المدرسي برمته وأهدافه وغاياته لإيجاد السبل الناجعة للخروج من الازمة التي تتكرر باستمرار من غير العثور على حلول جذرية. غير أن فرحة أطفالنا وبناتنا بالمشاركة لم يفسدها هزالة النتائج، والعدالة والنزاهة التي هدرت في هذا المهرجان سترتفع من جديد عند اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب واختيار المنهج الصحيح في الزمن الصحيح.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية