هل اردنا الحياة و لم يستجيب القدر ؟

رياض محمد سعيد
2019 / 3 / 27

هل اردنا الحياة و لم يستجيب القدر ؟
في ايام صبانا علمونا قوام الشخصية و الثقة بالنفس و تشجيع القراءة و الخطابة و الكتابة والشعر وقواعد الشخصية في البأس و الاباء و العز و الكرامة ... وكان احد ملامح ذلك مادة الادب العربي الهادف لزرع روح المواطنة و الشرف والتطلع للعيش في المعالي ... مادة الادب العربي ... تلك المادة التي تقرن بقواعد اللغة العربية لتنمية القدرة على الكتابة في الانشاء .. وكان كتاب الادب رغم صغر حجمه و تقليص مواده الا انه كان يحوي مادة ثقافية ثرية ويهدف الى فهم معنى قيمة المعالي و الوطن و العيش بكرامة و حرية و رفض الذل و الظلم و الهوان من خلال ما تتضمنه مواد و مواضيع الكتاب ، ومع أختلاف وتنوع تلك المواد لتناولها أبرز الادباء و المفكرين في عصور الجاهلية و الاسلامية و التاريخ المعاصر ، فأن من اهم و اجمل تلك المواضيع (كمثال) قصيدة الحياة لأبي القاسم الشابي (من تونس) التي جاء فيها ذلك البيت المشهور :
إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة.........فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي ............ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ
ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة ........تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــر
فــويل لمــن لــم تَشُــقهُ الحيـاة .........مــن صفْعــة العــدَم المنتصـرْ
كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ ..........وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ
لكن .. ومع انقضاء العمر و ووصولنا الى القرن الحادي و العشرين وانتشار الفساد و الكذب و الرياء و الغدر و الخيانة و انتشار الميوعة و التطلع الى رخص الوطن مقابل المال ، فقد بعض العراقيين (خصوصا السياسيين) منذ سقوط بغداد اجمل ما في غرائزهم من صفات العز و الشهامة و المواطنة ، على حساب ضياع الوطن و ابتذال الحرية ، وكل ذلك لأجل منافعهم الشخصية و التبعية الى الاغراب ... حيث ان الجيل الذي تربى على القيم و الاخلاق و البطولة اصبح كهلا .. وبعد ان شاخ ضاعت من يديه مصائر الشباب الذي ابتعد عنه دهرا ... وفقد الوطن ازهاره من ربيع الشباب و عجز الشيب عن تلبية نداء الوطن حتى وصل العجز الى عدم القدرة على رعاية الشباب وتبصيرهم ... فالى اين المصير و ماذا يخبيء لنا الغد . و من سيُعلم الشباب معنى حب الوطن ومن سيعيد اليهم روح التحدي و الصبر عند المحن .. ومن سيفسر لهم ما جاء في القصيدة وما قاله ابو القاسم الشابي في مقطع اخر من القصيدة حيث قال :
ودمــدمتِ الــرِّيحُ بيــن الفِجـاج .........وفــوق الجبــال وتحـت الشـجرْ
إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ.............ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ
ولــم أتجــنَّب وعــورَ الشِّـعاب ..........ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعــــرْ
ومن يتهيب صعود الجبال ...............يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفـرْ
فعجَّــتْ بقلبــي دمــاءُ الشـباب ..........وضجَّــت بصـدري ريـاحٌ أخَـر
وأطرقتُ, أصغي لقصف الرعودِ ......وعــزفِ الريــاحِ, ووقـعِ المطـرْ

كيف سيفهم الشباب معنى نداء الارض و الشرف و الامانة و الاخلاص ... كيف سيقفون امام تيارات الجهل المقدس و ظلاميات الموروث المسموم ، وكيف سيحترمون العَلَمْ و يضحون في سبيله كيف سيفهمون معنى النضال و الاصرار و ان اعمار النفس واجب قبل اعمار الارض وان صيانة العرض اسمى من كسب المال ... وان حب المال يقتل الضمير ويقود الى الضحالة و الاحتقار.
وقـالت لـي الأرضُ - لمـا سـألت ........أيــا أمُّ هــل تكــرهين البشــرْ؟
أُبــارك فـي النـاس أهـلَ الطمـوح .......ومــن يســتلذُّ ركــوبَ الخــطرْ
وألْعــنُ مــن لا يماشــي الزمـانَ .........ويقنـــع بــالعيْشِ عيشِ الحجَــرْ
هــو الكــونُ حـيٌّ, يحـبُّ الحيـاة .........ويحــتقر المَيْــتَ, مهمــا كــبُرْ
فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـورِ........ولا النحلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ
ولــولا أمُومــةُ قلبِــي الــرّؤوم ...........لَمَا ضمّـتِ الميْتَ تلـك الحُـفَرْ
فــويلٌ لمــن لــم تشُــقه الحيـاة ...........مِــن لعنــة العــدم المنتصِـرْ!
قد أعْلنَ في الكون أنّ الطمـوحَ ..........لهيـبُ الحيــاةِ, ورُوحُ الظفَــرْ
إذا طمحتْ لعز الحياةِ النفـوسُ ..........فــلا بــدّ أنْ يســتجيبَ القــدر

طالما الفساد مستشر و حب المال في المرتبة الاولى وبغياب العزم و الحزم بما يتعلق بالوطن .. فأن القدر يغفو وسيبقى غافيا على امل ان يصحو في عيون اجيال قادمة ، ستنهض يوما على نداء الضمير وتكون على موعد مع القدر.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية