ترامب وموسيقى الفك المفترس

محمد السعدنى
2019 / 3 / 26

حتى نهاية الأسبوع الماضى كنا نعيش عالماً على حافة الخطر، ومع تصريحات ترامب بشأن الجولان بدا العالم أشد خطراً ومغامرة، لكأننا وكما يقول الأمريكيون Now we started to" hear the Shark music” الآن بدأنا نسمع موسيقى القرش. ولعله وصف للمواقف والتصرفات المتضاربة المتخبطة كما فى أفلام الرعب والفك المفترس، عندما نتفاعل بوعي أو بغيره وبدافع الخوف، فلا مجال للعقلانية والاستجابة بشكل موضوعى. وهذا ما اعتاد أن يفعله ذلك الرئيس المأفون ومنذ وطأت أقدامه البيت الأبيض وحتى قبلها.
كنا وحتى الأسبوع الماضى أمام متغيرات ثمانية ضاغطة وخطيرة، أولها: ما واجهناه من مجزرة إرهابية فى نيوزيلاندا جراء خطاب الكراهية الذى لايتبناه اليمين المتطرف "Far Right" وحده بل مؤسسات عديدة وحتى حكومات وأحزاب وأفراد تهدد سلوكياتها المتطرفة استقرار المجتمعات والدول وتضرب مفاهيم التعايش السلمى وتقبل الآخر التى ارتضاها العالم ركيزة للاستقرار الدولى، وثانيها: تهديد كوريا الشمالية بالانسحاب من محادثات نزع السلاح النووي مع الولايات المتحدة ما لم تقدم واشنطن تنازلات كبيرة. "يأتي التهديد بتعليق المحادثات بعد ظهور أدلة على أن كوريا الشمالية قد أعادت بناء منصة إطلاق صواريخ فضائية ووسط تكهنات بأنها قد تستعد لإطلاق صاروخ طويل المدى كما كتبت الواشنطون بوست". ثالثها: إعادة تفشي فيروس إيبولا في الكونغو، والذي أودى بحياة 600 شخص على الأقل، بعد تزايد الهجمات المسلحة ضد مراكز علاج الإيبولا في مقاطعة شمال كيفو في الأسابيع الأخيرة، مايهدد القارة الأفريقية إذا ما تصاعدت تداعياته لتهدد العالم بوباء قاتل يستنزف طاقات الجميع. رابعها: الحرب الخاطفة التى شنتها اسرائيل على قطاع غزة جراء اطلاق صاروخين من الأرض المحتلة على تل أبيب، الأمر الذى ضرب محاولات التهدئة التى كانت تقوم بها مصر من أجل عدم اشتعال المنطقة. خامسها: توتر العلاقات بين إدارة ترامب وحكومة أفغانستان، حيث تبادل المسؤولون الاتهامات العلنية بسوء النية التي كشفت عن انشقاق بشأن المفاوضات الأمريكية مع طالبان. ، ما يهدد آسيا الوسطى وجاراتها فى الصين، وإيران وكل من طاجكستان وأوزباكستان وتركمنستان وكذا باكستان وعلاقاتها الملتهبة مع الهند. سادسها: الإضطراب الحادث فى الاتحاد الأوروبى بشأن اتفاقية "البريكسيت" لخروج بريطانيا من الاتحاد، الأمر الذى يهدد التجارة الدولية والاستقرار الأوروبى. سابعها: الموقف المشتعل فى كاراكاس جراء التحرش الأمريكى بفنزويلا والتسخين الحادث على الحدود مع جاراتها فى أميريكا اللاتينية والتهديد الروسى بنفاد الصبر أمام الممارسات الأمريكية. وثامنها: الأوتوقراطية وصعود الاستبداد الذى يشكل تهديداً وجودياً للعالم الديمقراطى، كما جاء فى مقال الأحد الماضى فى الواشنطون بوست لـ"روبرت كاجان" زميل معهد بروكنجز الأمريكى، الذى يرى أن تنامى هذه الظاهرة تواكب وظهور ترامب على الساحة العالمية بما يشكل تهديداً أيديولوجيا واستراتيجيا للعالم واستقرار بلدانه ومنذ العام 1942.
كانت هذه مخاطر الأسبوع الفائت التى لانزال نعيش تداعياتها ومخاوفها، أضاف إليها ترامب مصيبة جديدة بشطحاته التى لاتتغيا إلا مصالحه الشخصية الضيقة. فحتى يضمن وقوف نتانياهو و"الإيباك الصهيونى" معه لإعادة انتخابه فترة ثانية، قرر إعطاءهما هدية غلفها فى تغريدة مشئومة كوقع موسيقى الفك المفترس يقول فيها: "بعد 52 سنة، حان الوقت للولايات المتحدة للاعتراف الكامل بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان" ضارباً بالقانون الدولى عرض الحائط، ومنصباً نفسه مالكاً قيماً على العالم فى قرصنة وبلطجة مرفوضتين.
وهذا ما أكده "مايكل ويلنر" 21 مارس الجارى فى دورية واشنطون العاصمة بعنوان: "لقد اكتشفنا جميعًا بواسطة "تغريداته على تويتر مفاجأة ترامب عن مرتفعات الجولان" وأضاف: إنها مفاجأة لأنه "لم تبدأ أي عملية رسمية أو لجان تنفيذية في الولايات المتحدة لمراجعة قرار ترامب قبل إعلانه، حيث صرح وترك الدبلوماسيين المسؤلين عن تنفيذ السياسة في الظلام". لقد جاءت تغريدته صادمة للجميع. إذ صرح "إيلان غولدنبرج" مسؤول سابق في إدارة أوباما في البنتاغون ووزارة الخارجية "إنه إضفاء الشرعية على الاستيلاء على الأراضي عن طريق الضم." وقالت آن جيران، لوفداي موريس وكارول موريلو فى الواشنطون بوست رغم أن "البيان ليس له تأثير عملي فوري" فإنه يضع إدارة ترامب في معسكر إسرائيل بالاعتراف بسيادتها على المنطقة التي استولت عليها من سوريا في حرب 1967". وقال دنيس روس، مفاوض السلام المخضرم في الشرق الأوسط "لقد أراد أن يساعد نتنياهو للفوز بالانتخابات الإسرائيلية، على حساب خطة السلام الخاصة بالإدارة"، كما قالت لورا روزن "سيجعل الأمر أكثر صعوبة على القادة العرب حتى لا يبدوا وكأنهم يزعنون للاستسلام على حساب أراض عربية". ما أكده مقال فيفيان سلامة وبيتر نيكولاس فى وول ستريت جورنال 14 مارس. وهكذا فقد بدأنا نسمع موسيقى الفك المفترس. وللحديث بقية