شام-الفصل الخامس

منير المجيد
2019 / 3 / 25

ها نحن ذا نتفانى في خدمة الوطن/العلم. تعّلمنا ضرب الكعوب وإلقاء التحيّة بصوت عالٍ والوقوف بتسمّر. حملنا بنادق فارغة من الذخيرة، وارتدينا أزياء الميدان الثقيلة وخوذة نتنة تعرّقت فيها مئات الرؤوس الحليقة، وركضنا بخرق، بينما الأشياء المعلّقة فينا تتقاذف وتتراطم، وكأننا قطيع من الأغنام المذعورة.

كنّا نخشى نائب مدير المدرسة، الجنرال، بنظاراته الشمسية حاملاً على طرف مؤخرته مسدساً، ليس لأنه عاملنا بقسوة، بل بسبب حضوره المهيب والمثير للحفيظة. حينما اقترب منّا، تلك المرّات النادرة، توقّف الضباط، نحن، الهواء والأشجار، عن الحركة. وحده الذباب كان يرتطم بنا لاحساً تعرق أجسادنا، مُصْدراً طنطنةً تُحطّم الأعصاب.

حينما التحقت بمدرسة المشاة، كنت قد وضعت شوكة وسكين وملعقة في حقيبة حاجياتي. يا للغباء! أشعر، حتى اليوم، بسعادة غامرة لأنني تركت الشوكة والسكين مخبأتان بحرص في حقيبتي. تصورّت مدى سخرية الزملاء لو اكتشفوا سرّي. كنّا نضع ملاعقنا في إحدى الجيبين الملصقين على صدور بزاتنا وكأنها أقلام حبر، ونحمل صحوننا البلاستيكية ثلاث مرّات في اليوم ونهرول إلى الساحة، نصطف، ومن ثمة نتبع أوامر طلاب الضباط، بعد إذلالنا، بدخول قاعة المطعم.

التدريب الرياضي في الصباح المُبكّر كان عقوبة قصوى للكثيرين، خاصة لمحمود الذي كان يفرك عينيه ويشتم ويعترض «كل يوم رياضة؟ اللعنة». يلي ذلك، بعد ٥ دقائق من تناول الإفطار، ساعات قُبيل الظهر بالتدريب تحت ظلم الشمس القويّة، وفي الإستراحات القليلة التي كان ينعم بها علينا الضباط، كنّا نترنّح وننهار في نوم عميق في ظلّ الأشجار، ناسين تدخين سجائرنا، متعة الحياة المدنية الوحيدة التي سُمح لنا بممارستها.

«بدون أكل خراء»، الجملة التي تناوب على قولها المدربون، صارت كلاماً عادياً متداولاً، تماما كما «صباح الخير» أو «تصبحون على خير».
مباخذنا صارت نوم ليلة دون إرهاب وغزوات تنكيل من طلاب الضباط، الذين كانوا يلهون بنا على هواهم.

ترويضنا هذا سوف يستمر أربعين يوماً، لن يُسمح لنا خلال هذه المدة بمغادرة المدرسة.
لكننا استطعنا، في فترات الراحة الوجيزة، أن نتعارف ونتقارب ونتصادق، ونعيد اكتشاف معادن بعضنا البعض. منير الشعراني، فؤاد الراشد، ريمون بطرس وعدنان أبو شعر كانوا الأقرب.

إزدادت معاناتي من آلام الخاصرة تحت ضغط وابل التمارين البدنية والضغوط النفسية، وتحوّلت إلى خرقة وعظام مطحونة، رغم ذاك الإطار المخادع من الشباب البهيج.

أي تعثّر كان بوسعه أن يحولّني إلى فتات. هزالي ترسّخ على نحو واضح. رُباه، لقد صرت نفاية بشرية.

قدوم الشتاء أساء من الأوضاع أكثر. صحيح أن أسراب البعوض غاصت في الأرض واختفت، وكذلك كل أنواع الحشرات وقطعان الذباب، إلا أن البرد الذي كان يتسّرب إلى عظامنا، بالرغم من بزاتنا العسكرية الشتوية السميكة. ووجود مدفأتين في ذاك المهجع الكبير، المضمّخ برائحة المازوت وسكائرنا وأنفاسنا وأجسادنا، لم يفيا إلا بمقدار ضئيل.
شكى أحد الزملاء الحلبيين من آلام مبرحة في ظهره، فسخر منه الضباط المدربون، ونعته أحدهم بالإمرأة، مما أطار بصواب ريمون بعدئذ في المهجع واعتبره شوفينياً وحطّاً من قدر المرأة.

بعد أسبوعين صُرف ذاك الزميل من الخدمة، بسبب حالة معقدة من الديسك هشّمت له ظهره.

في أمسيات الخميس، حيث كنّا نرتاح يوم الجمعة، اعتادت الثلّة الحلبية التحلّق والتحدّث بصوت عالٍ يسمعه كل من في المهجع. الحديث كان دائماً وأبداً عن أطعمة المطبخ الحلبي الشهية.

في حلقة اخرى كان خريجو جامعات الإتحاد السوفييتي يلقون نُكاتهم باللغة الروسية ويترنحون ويهتزون ضحكاً. وفي تجمع آخر كانت مجموعة تؤدي صلاة العشاء يؤمهم دائماً تيسير بلحيته التي كان يحرص على تشذيبها كلما أتيح له ذلك.

بسرعة عجيبة صرنا نتشابه جميعاً، بعد تلك السمرة التي حمّصت جلودنا. حتى ذاك الأشقر ذي العيون الزرقاء.

تهامس البعض في إحدى أمسيات الخميس، عن كازينو على مقربة.
كانت أمسية باردة دون أن تكون واخزة، وكان القمر يُلّون قمم الأشياء والأشجار بالفضّة، حينما وصلنا إلى فجوة صغيرة مفتوحة عمداً في سور الأسلاك الشائكة الذي كان يحيط بالمدرسة.
تسللّنا، بالتآمر مع الحرّاس المجندين تلك الليلة، وعلى ناصية الطريق وقفت سيارات تكسي عديدة، وكأنهم كانوا على دراية بتلك المغامرات الصغيرة.
كان الكازينو مليئاً بالرجال، ومجندين آخرين والنقيب حسين، أحد ضباطنا، الذي نظر إلينا مبتسماً هازاً رأسه بحنان.
في البداية أرعبنا وجوده، لكنه حين قدم إلينا منعنا من الوقوف لإلقاء التحية العسكرية وضرب الكعبين، بل أرادنا أن نتمتع بالأمسية وأن لا نثقل من العرق.

كانت أمسية ممتعة جداً. كباب وعرق بطّة وراقصة ألهبتنا جميعاً. هذه أول أنثى نراها منذ أسابيع.
محمود صرّح أنه سيمارس العادة السرية حين يعود، فسأله آخر «أين؟».

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية