السياسة في أزياء خلفاء المسلمين

ساطع هاشم
2019 / 3 / 22

الالوان عادات وتقاليد وعقائد بصرية تتغير معانيها مع مرور الزمن ومن طبقة اجتماعية الى اخرى ومن بيئة اجتماعية الى اخرى، وليس مهماً شكلها الخارجي بالضبط، بل ما تراه العين البشرية بمعناه ورمزيته ورسالته المعنوية بين الجمهور، اي انها لغة خُلقت ووجدت من قبل العقل البشري لتخاطب حاسة البصر، ومن الصعب جدا ترجمتها الى اللغة المنطوقة او المكتوبة.

هذه التقاليد الشكلية والمظاهر الخارجية كانت ومازالت بالواقع تلعب دورا هاما في الصراعات الأيديولوجية والفكرية وتكريس تقاليد الأقوياء من الطبقات الاجتماعية باعتبارها رسالة بصرية الى الجمهور تشبه الى حد ما الإعلان او البوستر السياسي او حتى العلامة التجارية في زماننا الحالي تقول: هنا الحاكم وهنا السلطة، وهذا ينطبق تماما على تاريخنا بالشرق عامة منذ بدء الحضارات والى الان وخاصة تاريخ الدولة الاسلامية التي تؤثر علينا وعلى حياتنا اليوم بشدة كبيرة.

فقد كانت لغة الأزياء والمظهر الخارجي اهم لغة بصرية اعتمدها القادة والخلفاء المسلمون لإيصال رسالتهم المعنوية والفكرية الى الجمهور وقد أبدوا اهتماما غير عاديا بالألوان في جميع مراحل الحكم الإسلامي، فقد كان لصناعة النسيج والتصبيغ والأقمشة والحياكة والتطريز وأزياء الترف وانتشار تجارتها من الصين وحتى الأندلس أهمية خاصة وعظيمة في اقتصاد وسياسة الدولة الإسلامية وثقافتها وأناقتها، واحدى العلامات الفارقة حقا لتلك الازمنة، وما يعكس كبر هذا الدور السياسي والاجتماعي للمظاهر عند الحكام, ما نعرفه مثلا عن وجود وظيفة خاصة بقصور الخلفاء العباسيين يديرها مجموعة موظفين يرأسهم موظف يسمى-صاحب الكسوة- تنحصر مهمته في تسجيل ما يرد من والى القصور من الملابس والثياب.

وما زال قسما مهما من تلك الأزياء باقيا ونجده في متاحف الأوربيين بشكل خاص، فقد كان هناك احتكار لتجارة الأنواع الجيدة ولا تباع الا الى الخلفاء والسلاطين وقادتهم العسكريين وعوائلهم، ويتم تصدير النزر اليسير منها الى الدولة البيزنطينية وبقية الدول الأوربية التي كان ملوكها يتبارون في الحصول عليها وهذا النزر اليسير هو اهم مصدر من مصادر معرفتنا الحالية بألفن الإسلامي، والمحفوظ في متاحف العالم المختلفة, لان غالبية ما كان في القصور والمنازل قد دمر بعد سقوط بغداد سنة 1258 ولم يتبقى منه شيئا يذكر غير الحكايات عنها.

ولهذا فان الكثير من مصطلحات الخياطة والنسيج باللغات العالمية اليوم لها جذور عربية، وقد لعبت جودة تلك الأنسجة وألوانها أهمية كبيرة في التمييز الطبقي للمجتمع الإسلامي، ومن المؤسف ان المؤرخين لم يولوها أهمية كبيرة في أبحاثهم وربما جاء ذلك بسبب ندرة الآثار المصورة الباقية.
فمنذ عصر سليمان بن عبد الملك الذي حكم بين السنوات 714-717 فقد لبس الخلفاء الحرير والعمائم والجبة لباسا رسميا وكانوا يعطرونها بأغلى العطور، ويروى ان هشام بن عبد الملك حكَم 719-742 كان عنده اثنا عشر الف قميص وآلاف اخرى من ملابس اخرى وكان هشام هذا وبني مروان كلهم يُلبِسون مساعديهم الحرير الخز، ويحتفظون بالأصفر والأحمر منه لأنفسهم، وقد يكون الاحمر هنا هو الأرجواني الفينيقي النادر، ومن الخلفاء الأمويين من كان لا يلبس القميص اكثر من مرة واحدة، مثل يزيد ابن معاوية والوليد بن يزيد وغيرهم.

اما العباسيون فقد أسرفوا بشكل مبالغ فيه باقتناء الملابس وصناعتها نظرا لاهتمامهم الكبير بالمظاهر، ومنذ اول قادتهم وهو ابو العباس السفاح الذي حكم 750-754 وقد شاهده أحد الرواة في الكوفة مرة ووصفه بانه كان يرتدي ثيابا موشاة قوامها جُبة ورداء لم ير أحسن منها قط.
وتكاد ان تتفق كافة الروايات التي بحوزتنا من تلك الفترة والتي اطلعنا عليها، من ان العامة من الناس وموظفين السلطات الأقل أهمية، كانوا بالواقع يقلدون الخلفاء والأمراء في ملابسهم وربما في بذخهم ايضا وكل حسب طاقته، وهذا يعني ان ما نعرفه عن ملابس وأناقة القادة قد شاعت بين الجمهور العادي ايضا، وأضفت على المجتمع شيئا من التحضر والنظافة والسلوك المتمدن، تجسدها العبارة القديمة المتوارثة المعروفة بين العراقيين بالتبغدد، عند وصف شخص ذو مظهر حسن ومتأنق, رغم اننا نجهل بالكامل طبيعة الازياء التي كان يرتديها الفلاحيين مثلا وهم غالبية المجتمع او النساء والرجال من الفئات الاجتماعية الاقل شئنا.
ولعل هارون الرشيد اوضح وأشهر الأمثلة المعروفة في تاريخنا بهذا الإسراف وهذا التأنق، حتى يخّيل لنا من خلال تعدد الروايات عنه وكأنه واحد من نجوم الموسيقى العالمية اليوم، فقد كان يظهر بالأعياد بملابس من الحرير الاحمر وربما هي اللون الأرجواني الفينيقي، وكان مولعا بالملابس والأزياء الملونة الى درجة لم يصلها أحد قبله، فقد ترك وراءه عند موته آلافا من الملابس النفيسة:
أربعة آلاف جُبة مبطنة بالأنسجة الفاخرة/ عشرة آلاف قميص/ الف سروال من أصناف غالية/ أربعة آلاف عمامة/ وخمسة آلاف منديل، وكل هذا غيض من فيض لان القائمة طويلة.
ولا نحسب ان في هذا مبالغة نظرا للازدهار الاقتصادي والمالي الكبير الذي عاشته الأمم الإسلامية طوال فترة حكمه، وسعة اركان الدولة الإسلامية وما كان يدر عليها من أموال الضرائب وأرباح تجارية متعددة، وكانت غايته السياسية من هذا السلوك هو إثبات تميزه وارتفاع منزلته ليس على العامة فحسب، بل على بقية حكام العالم ايضا، فالمعروف عنه ايضا قسوته مع اعدائه ومعارضي حكمه، وكل هذا وجد تأكيده ضروريا من خلال الملابس الملونة غالية الثمن والنادرة والتي نعتقد ان أكثرها أهمية تلك الملونة بالارجواني لانها أغلاها ثمنا وأحسنها نوعا على الإطلاق، ثم الأسود او الملابس الداكنة لانها الالوان الرسمية للدولة وهذا بحد ذاته اعلان بصري على القوة والسلطة.

وكان الرشيد يحج سنة ويغزو سنة تالية وكان يلبس دراعة عند غزوه كتب عليها من الامام غازٍ ومن الخلف حاج، والدراعة كما توصف عبارة عن جُبة غير انها مفتوحة من الجهة الأمامية حتى منتصف الصدر ومزودة بأزرار.
وقد جرت العادة ان يرتدي الخلفاء العباسيون الأردية السوداء في المجالس الرسمية، فقد كانت التوصيات إليهم من مستشاريهم ان لا يظهروا بالمجالس العامة بأزيائهم الملونة كالديباج والملابس المنقوشة، ولم أجد دليلا على التزام هارون الرشيد او غيره من الذين خلفوه بتلك النصائح الا بشكل محدود، فالمهدي كان يرتدي الثياب ذات النقشات الموردة باستمرار والمتوكل يرتدي الدراريع الحمر
وكانوا يرتدون السواد فوق البُردة عند الغزو او بالمناسبات الرسمية، والمقصود هنا هي بُردة نبي المسلمين التي استولوا عليها من الأمويين، والتي خلعها وأعطاها الى الشاعر كعب بن زهير صاحب القصيدة العصماء الشهيرة التي يمدح بها النبي: بانت سعادٌ وقلبي اليوم متبولُ
وقد اشتراها معاوية من ورثة الشاعر بعشرين ألف درهم وجعلها رمزا لسلطته وبقيت في خزائن الأمويين بعد وفاته، وبعد سقوط الدولة الأموية سطى عليها العباسيون وأصبحت رمزا وشعارا لهم لا ينازعهم عليها أحد، وقد تناوب الخلفاء العباسيون على وراثتها وارتدائها بالمناسبات الرسمية كدليل سلطة متوارثة وأحقية شرعية جاءتهم من قرابتهم للنبي واستمر هذا التقليد حتى سقوط بغداد وزوال حكمهم، وهي عبارة عن كساء من نسيج صوفي مخطط بشكل مستطيل كان اجود أنواعه يصنع في حضرموت باليمن ويتم تصديره الى قبائل العرب قبل الاسلام.
وتقول الروايات ان هذه البردة انتقلت الى مصر في زمن المماليك ثم الى تركيا وهي حاليا موجودة في متحف قصر طوب قابي بإسطنبول مع ختم يدعي الأتراك انه ختم النبي الذي كان يوقع به رسائله الى قادته العسكريين والقبائل، والنقش الموجود على هذا الختم هو نفسه المنقوش بالأبيض على علم جماعة القاعدة الأسود وهو نفسه علم الدواعش.

كل تاريخنا الذي نعرفه الان عن احداث الماضي من الفترة الإسلامية جاء من خلال كتب وروايات غالبيتها مزورة ومبالغاً فيها دونت ما نقله الرواة من ميت عن ميتٍ عن ميت، ولا يوجد إسناد بصري عياني لها يساعدنا على معرفة الحقائق من زوايا اخرى، مثل شكل إيضاحي او لوحة فنية في جدار او تمثال يستطيع ان يوضح لنا مثلا حالة سلم او حرب او صراع وما شابه، كما تعودنا ان نرى ذلك في الفترة السابقة للإسلام، الا في حالات نادرة استثنائية قليلة جدا لا يمكن التعويل عليها كثيرا، كما في بعض المخطوطات بالكتب النادرة التي لم يكن لها الا تأثير محدود جدا بصراع الأفكار، كما في مخطوطات الترياق التي انجزت سنة- 1191- او مخطوطات الواسطي التي انجزها قبل سقوط بغداد بعشرين سنة فقط، ورغم أهميتها العظيمة في تاريخ الفن الا انها محدودة التأثير كعمل تسجيلي وتوثيقي.

فالإسلام كديانة ومعتقد حارب كل شكل من أشكال الرمزية والتصوير والنحت وكل شكل من أشكال الاستعمال الدعائي السياسي او الديني للفنون البصرية في فنون الشعوب، فيكاد ان يكون من المستحيل علينا مطابقة النصوص الكتابية مع الآثار الباقية من الفترة الإسلامية حتى نستطيع متابعة تطور الأفكار في حياة شعوبها المجسدة بالأعمال الفنية او بالفنون التطبيقية، لإنها ببساطة فنون زخرفة للزينة وخطوط كتابة شكلية بارعة وديكور، وليس فنون تعبير او تسجيل وقائع ومشاهدات او صراعات سياسية في مدح او هجاء او تعظيم كما في الشعر مثلا.

وهذا على العكس من تراثنا من الفترة السابقة على الاسلام، وهي تلك العصور الكبرى التي لعبت فيها فنون الرسم والنحت ولغاتها البصرية التي تخاطب العين ادوارا جبارة في نشر عقائد الديانات القديمة كالسومرية والبابلية والآشورية والفرعونية، ومن خلالها تصويراً لصراعاتهم بأفراحها وأتراحها في سبيل البقاء، وهي الان اهم مصدر من مصادر معرفتنا بتاريخ العالم القديم، ثم جاء الاسلام ودمرها بالكامل وقتل اصحاب تلك المهن او شردهم واغتصب بلدانهم، او اجبرهم على الاسلام والاشتغال مع الطغاة الجدد في بناء قصورهم وزخرفتها وفقا لتعاليم الديانة الجديدة واذواق الحكام الجدد وطموحاتهم الدنيوية.
وهذه مأساة تراثنا وثقافتنا على مر الزمان وسنبقى نسأل بلا ان نجد جواب:
ماهي الافكار التي تختفي وراء هذه المظاهر؟
وكيف حُمّلَت معنى؟ وهل مازالت مستمرة في مجتمعاتنا في زماننا هذا وكيف؟