حوار مصرى أوروبى فى حزب المحافظين

محمد السعدنى
2019 / 3 / 16

نشرت المصرى اليوم مقالاً للأستاذ مدحت بشاى فى 21 فبراير الماضى بعنوان "لماذا اختفى المُفكر الحزبى" ينعى فيه عزوف الكتاب والمفكرين عن الانخراط فى العمل الحزبى، والذين كان وجودهم الفكرى فى أحزاب ماقبل 23 يوليو 1952، يسهم فى رفع الوعى السياسى ويساعد فى تكوين كوادر حزبية شابة. وخلص سيادته إلى أن أحزابنا المصرية الحالية على قدر متواضع يفتقد للرؤية الاستراتيجية والبنى التنظيمية والكفاءة. ولعل الكاتب محق فى كثير مما أشار إليه، إلا أن التعميم فيه تجن على بعض الأحزاب وربما مصادرة على مستقبل العمل الحزبى فى بلادنا، بما يدفع الجماهير والمفكرين والكوادر من الانخراط فى العمل العام.
وفى تقديرى أن فكرة الكاتب لم تكن صحيحة على إطلاقها، رغم حسن نواياه، إلا أنه أغفل فى معالجته أن حياتنا السياسية فى مجملها موضع نقد وضعف وغياب بسبب غلق المجال العام وإنصراف الإعلام عن متابعة أعمال الأحزاب ومشاركاتها، اللهم إلا أحزاب الموالاة والتأييد. ولعلى أقدم للكاتب تجربة كانت شاهداً عليها، إذ فى إطار الاستعداد لإنطلاق أول قمة عربية أوروبية فى مؤتمر شرم الشيخ بأسبوع تم حوار لبعض الأحزاب مع الجانب الأوروبى استضافه حزب المحافظين المصرى فى مقره، بترتيب مع الجامعة العربية والخارجية المصرية، وبحضور وفد برئاسة سفير الاتحاد الأوروبى، والسفير الألمانى، وسفير أسبانيا، والقائم باعمال سفارة التشيك، والمستشار السياسي لسفارة بولاندا، وسكرتير اول سفارة انجلترا وسكرتير أول سفارة فرنسا. ومن الأحزاب الديمقراطية المصرية حضر رؤساء وممثلى أحزاب المحافظين والمصري الديمقراطي الاجتماعي والاصلاح والتنمية، وبدعوة من رئيس حزب المحافظين السيد أكمل قرطام الذى أدار الحوار فقد حضرت الجلسة المطولة الأحد 10 فبراير الجارى.
كان ملفتاً أن حزب المحافظين قدم ورقة عمل بالإنجليزية دار حولها النقاش بعنوان: "
A conceptual framework and proposed mechanisms for the Possible collaboration between EU and the Egyptian political parties: - إطار مفاهيمي وآليات مقترحة للتعاون المحتمل بين الاتحاد الأوروبي والأحزاب السياسية المصرية". شملت الورقة عدة محاور، وإذا ماترجمت لك بعضاً منها، فقد بدأت بتمهيد: أشار لما طرأ على عالمنا المعاصر فى العقود الأربعة الأخيرة كانت من ظواهرها الثورة المعلوماتية الرقمية والتدويل المضطرد للعالم وتجاوز مبدأ سيادة الدول، وحركة عولمة ظالمة تم عسكرتها وشاركت فيها أوروبا ما أعاد إلى ذاكرة العالم النامى الفقير عذابات مرحلة الكولونيالية والاستعمار، وتكالبت عليه المجاعات والأزمات والظلم، ما ولد ظاهرة الإرهاب، تواكب معها فى منطقتنا سوء الإدارة وسياسات متوحشة ضربت مفاهيم العدالة الاجتماعية وضغطت على الطبقة الوسطى واستبعدتها من معادلة السياسة وهمشتها وأفقرتها، فبدأت ظاهرة الهجرة غير الشرعية التى اكتوت بها أوروبا مضافاً إليها الهجرة القسرية التى سببتها الأزمة السورية، والحرب الظالمة على اليمن، وأزمة الروهينجا فى ميانمار والتحرش الأمريكى الأوروبى بفنزويلا، ولأن الأزمات مرشحة للتفاقم، فلا مخرج إلا بتعاون يجمع الشركاء والفرقاء. تلاها مقاربـــــة مبدئيـة: تحدثت عن القيم والمعايير التى تشكل قناعة حزب المحافظين ومنظومته القيمية ومحاور سياساته، مؤكدة على أنه حزب يتعاون مع الحكومة والدولة باعتباره جزءاً من نظامها السياسى وإن اختلفت آلياته ورؤيته مع بعض توجهات الحكومة. حزب يمكن تصنيفه يمين وسط، لأنه رغم توجهاتنا مع الرأسمالية الوطنية، فإنه يتبنى سياسات حمائية للطبقات محدودة ومعدومة الدخل فى مصر، بما يجعل لديه جناح حتى رغم محدوديته يشكل يسار الوسط فى توجهاته الاجتماعية. حزب يؤمن بعلمانية الدولة ويرفض خلط الدين بالسياسة، حزب يؤمن بعالمية القيم الإنسانية فى الحرية والعدالة والإخاء والمساواة، ويرفض الفساد ويؤيد إعلان وسعى الدولة المصرية فى حربها عليه، حزب يحترم المرأة ودورها الفاعل فى المجتمع ويقدمها فى كل مراكزه. ثم جاءت أربعة محاور شملت: الإطار العام للتعاون التنموى المقترح، أزمة الهجرة:الرؤى والفاعلين، القضايا ذات الأولوية، ثم آليات العمل ووسائل التنفيذ والتقييم والمتابعة، ذلك باعتبار أن لمنظمات المجتمع المدنى والأحزاب المصرية دور يمكن أن تلعبه بالتعاون مع الهيئات والمنظمات الدولية إضافة للعمل مع الحكومة المصرية ومؤسساتها. ثم تحدثت الورقة تفصيلاً عن رؤيتها للمواجهة الحاسمة للإرهاب وتجفيف منابعه ومصادر تمويله، وبالمواجهة الفكرية والتنوير، ثم معالجة مسببات الهجرة غير الشرعية، ومعالجة الفجوة التكنولوجية والمعرفية بين الجنوب والشمال فى عالم تحكمه المصالح وتتراجع فيه منظومة القيم، وتدعيم مخططات التنمية المستدامة والاهتمام الكافى بمشكلات البيئة، وكذا دراسة كيفية معالجة تراجع القيم والممارسات الديمقراطية فى محيطنا الإقليمى.
كان هذا ملخص سريع لترجمة ورقة حزب المحافظين التى أعدها خبراء الحزب وباحثيه من كبار الأكاديميين والمفكرين والمختصين والشباب من كوادر الحزب فى الـ Think Tank التابع للحزب بالتعاون مع مركز الحزب للدراسات البرلمانية وقطاع العلاقات الخارجية بكوادرهم رفيعة المستوى، قدمت نسخة منها للسيد السفير عمرو رمضان مساعد وزير الخارجية المصرية للشئو ن الأوروبية. سبق ذلك أول حوار للمراسلين الأجانب مع حزب المحافظين الذى قدم عشرات من مشروعات القوانين وأسئلة الإحاطة، وأقام عشرات الندوات فى محافظات مصر لتفنيد أفكار التطرف والإرهاب وتعريتها قدمها مفكريه من أعضاء مجلس حكماء الحزب الذى أنشأ أول معهد حزبى للتنمية السياسية وتدريب الكوادر يشغل مجلس أمنائه ويدرس فيه نخبة الصف الأول من مختصين وسياسيين وشخصيات عامة لايتسع المجال لذكر أسمائهم. ولعله شئ مدهش بالنسبة لى أن أصادف مثل هذا العمل المؤسسى لحزب مصرى، وهذا الاستعداد المدروس الذى مهد لإجراء محاورات داعمة للتعاون المصرى حكومة ومؤسسات للخروج بحلول موضوعية لمشكلات عالمية وإقليمية. ولعل فى ذلك نموذج لحزب مصرى يتمتع ببنية مؤسسية تنظيمياً وفكرياً يقوده مجلس رئاسى أغلبه من الكوادر الشابة. وقد تابعنا حزب المحافظين وهو يرفض التعديلات الدستورية مقدماً أسباباً موضوعية لا شخصية فى سبيله للدفاع عن
دولة مدنية ديمقراطية حديثة تمارس فيها المعارضة دورها بموضوعية واتزان فى إطار الحفاظ على الدولة المؤسساتية، لا خروجاً عليها. افتحوا المجال العام لممارسة حزبية وسياسية رشيدة، وفى ذلك قوة للدولة لا خصماً منها.