السقوط في خية صندوق النقد.

محمد حسين يونس
2019 / 3 / 11

وهم نهضة تنقل البلاد إلى مصاف الدول المتقدمة.
الرحلة من مقاومة نفوذ صندوق النقد و البنك الدولي حتي الإستسلام الكامل لتوجيهاته .. تستحق التأمل .
فصراع القوى الفاعلة للسيطرة علي أسواق العالم بعد أن كان يأتي خلف بنادق و حراب الجيوش .. أصبح يتسلل ألان (بسلاسة المحترفين)عن طريق مجموعة من الخطوات وصفها بالتفصيل أحد قراصنتهم (جون بيركنز) في كتابة (( الإغتيال الإقتصادى للأمم )).
((قراصنة الإقتصاد هم رجال محترفين أصحاب أجور عالية عملهم هم أن يسلبوا بالغش و الخداع ملايين الدولارات من دول عديدة في سائر أنحاء العالم يأخذون المال من البنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية و غيرها من مؤسسات المساعدة الأجنبية ليصبوه في صناديق الشركات الكبرى و جيوب حفنة من العائلات الثرية التي تسيطر علي الموارد الطبيعية للكرة الأرضية وذلك من خلال فبركة التقارير المالية،و الإنفاق علي مشاريع وهمية ..أو شراء مهمات عسكرية بكثافة تتعدى الإحتياجالأساسي و فرض إرادتهم عن طريق تزوير الإنتخابات و الرشوة و الإبتزاز و الجتس و القتل.
بيركنز شرح كيف تبنت بنوك ما بعد الحرب العالمية الثانية سياسة تسويقية تسببت في نشر الشقاء و متاعب لا حصر لها لفقراء العالم وبالخصوص أبناء أمريكا اللاتينية و سكانها الأصليين .
السبب كما إقر به بيركنز كان ما جاء بتقاريرة الإقتصادية من مبالغة في التوقع لعائد مشاريع تنمية يمولها البنك الدولي لا يستفيد منها إلا الأغنياء و أصحاب النفوذ و أن تحالفا بين الحكام الفاسدين في الدول حديثة الإستقلال و كبار المتحكمين في حركة الأمول و البضائع في العالم إنعكس سلبا علي ر البيئة و حياة الفقراء..

عام 1944 تأسس البنك الدولي و صندوق النقد و كان الهدف منهما هو مساعدة الدول حديثة الإستقلال التي خرجت بعد الحرب العالمية الثانية من عباءة الإستغلال الكولوني ..و أصبحت تعاني من آثار التخلف و الفقر .
هذا ما كان معلنا لنا في ذلك الزمن و صدقة الضباط الأحرار عام 1955..حين طلبوا تميلة لمشروع السدالعالي

و لكن ما لم يعلن ولم يفهمونه إلا بعد حرب و عدوان علي قناة السويس.. كان (( تحقيق إستقرار النظام النقدى الدولي و رصد حركة العملة في العالم و تيسير حركة التجارة العالمية )) .. بمعني فرض وجهة نظر مراكز القوة الإنتاجية و الإقتصادية (المالتي ناشونال) المسيطرة علي البنك و الصندوق .. و التي تدافع عن مصالح الراسمالية (الإمبريالية ) المنتفعة .
إسلوب هذه السيطرة يبدأ بالمشورة بشأن السياسات و المساعدات الفنية للحكومات و إيهام البعض بأن ما يقومومون به من إجراءات تتسم بالقسوة والعشوائية والعنف هو من أجل نهضة حقيقية تنقل البلاد إلى مصاف الدول المتقدمة.. هذه النصائح تدور دائما حول تمكين القطاع الخاص في البلدان النامية.. و الإنضمام للسوق الحرة العالمية او ما يسمي( بالجات ).. ثم تقديم مشاريع تنمية مبالغ في جدوى نتائجها الإقتصادية .. يليها تسهيل الحصول علي قروض تواجه بها الحكومات التي سقطت في الفخ مشاكل عدم إتزان ميزان المدفوعات نتيجة لمغامرتها الإقتصادية غير المحسوبة .
علي سبيل المثال ..لا الحصر ..إنشاء عاصمة السادات الجديدة التي فشلت قبل أن تنتهي .. مشروع توشكي الذى إنفقت علية المليارات و لم يكتمل .. تكريك قناة السويس و توسيعها الذى لم يثمر عن عشر معشار ما قيل عن جدواه الإقتصادى ..و لن أتكلم عن المشروعات الضخمة التي تكلفت أربعة تريليونات جنيه و ينتظر إفتتاحها في يونيو 2020... أو التبرعات المطلوبه للصندوق اللي حيتفتح لمواجهة كارثة إحنا مش عارفينها .. ستحدث مستقبلا سنة 2060 .

(( ويقدم البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، اللذان يشكلان معا البنك الدولي، التمويل والمشورة بشأن السياسات والمساعدة الفنية إلى حكومات البلدان النامية. وينصبّ تركيز المؤسسة الدولية للتنمية على بلدان العالم الأشد فقراً، أما البنك الدولي للإنشاء والتعمير فيساعد البلدان متوسطة الدخل والبلدان الأفقر المتمتعة بالأهلية الائتمانية.))..
فإذا ما رفضت الشعوب أو الحكومات هذه الوصاية .. و أوقفت نزح ثرواتها .. تبدأ معارك فرض الحصار الإقتصادي والتجويع .. و تنتهي بالحروب .. و الإستعمار .

هذه السلسلة من الإجراءات ( طبقت علي أنفاسنا ) في زمن الباشا إسماعيل وإبنه توفيق .. و ظللنا أسرى لدى صندوق الدين حتي زمن الملك فؤاد الأول و حكومة الوفد( 1920 ) التي سددت أخر قسط بعد نصف قرن . و مع ذلك لم نتعلم ..لقد صدق ضباط يوليو .. (أن الحداية الإمبريالية بتسقط كتاكيت) .. و طلبوا تمويل البنك الدولي لمشروع بناء السد العالي ( أى تنمية حقيقية و ليست مشاريع فنكوشية )... وتم رفض التمويل .. و في مقابل هذا جرى تأميم قناة السويس ..وهنا تحول الصراع إلي تكسير عظام إستمر لعقدين وإنتهي بإستسلام السادات لقوانينهم التي أدت لتحكم طبقة كومبرادورية تسعي لتحقيق أهداف السيطرة الكاملة للصندوق علي الإقتصاد المصرى .
فانخفضت القيمة الشرائية للجنيه لأكثر من مرة و أصبح له أكثر من قيمة ..وارتفعت الأسعار عشرات المرات .منذ زمن ((يا سادات إحية إحية كيلو اللحمة بقي بجنية)) .. حتي أصبح بمئتي جنيه و يتفضل علينا الجيش و الداخلية ببيعة بسعر أقل في شوادرهم .
وهكذا إذا كنت تتذكر ..لقد كنا في يوم ما فقراء .. و لكن عزيزى النفس ..لا نمد أيدينا متسولين من الأخرين .. أو مضطرين لمراكمة ديون لا طاقة لنا بها .. ننتج طعامنا و ملابسنا .. و مساكنا .. و أدواتنا .. لا نحتاج للأخرين .. قبل أن نبيع مصانعنا أو نهملها .. و قبل أن نجرف أرضنا و نبني عليها المساكن و المولات .. و قبل أن تتحول صحفنا و وسائل إعلامنا لنشرات حكومية .. تسوق الزور .. و تمنع الرؤية ..و تفبرك عقول بشر مسطحين شرهين للكسب و الصراع ...فإذا كنت تعيش مبهورا بالسلع التى حولك تدفعك إليها الإعلانات والجيران والأصدقاء ولا تجد مايكفى لشرائها
إذا حاصرتك الغثاثة من كل اتجاه واختلطت عليك القيم وبلبلتك الفلسفات الجديدة ... إذا كنت تعانى من ارتفاع الأسعار وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه الذى كسبته بعرقك ... ولا تجد المسكن أو العلاج أو التعليم أو الملبس أو المأكل ....
إذا كنت مرعوبا من الأمس واليوم والغد ... لا تستطيع أن تتنفس .. فاعلم أن السبب هو تجمع الملايين فى يد الرأسمالية الطفيلية الجديدة التى مكنتها مناتعليمات صندوق النقد .
واعلم أننا على أعتاب عصر جديد ستنهار فيه كل المنشآت الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة وستتوه فيه القيم مع عصر المليارديرات و المليونيرات الجدد.
ولكى تنجو من الجنون والأمراض النفسية التى تصبح ظاهرة فى المجتمعات الرأسمالية.
عليك أن تتسلح بقوة الاستغناء.. عليك أن تستغنى عن أنوار المجتمع الاستهلاكى وتطهر نفسك بالعمل الجاد ... وتبحث فى داخلك عن كل ما هو أصيل .
عليك أن تتعالى عليهم ... " أنظر حولك فى غضب وابصق " ... لقد جمعوا ملايينهم من الرشوة ... من تجارة المخدرات ... من الدعارة ... من المضاربة بالأراضى والعقارات ... من الفراخ الفاسدة .. من العمارات المتهالكة و الساقطة ... من العمل كخدام ( للامبريالية ) و ( الرأسمالية متعددة الجنسيات ) من تجارة العملة ... من الدروس الخصوصية .. من المستشفيات الغالية .. من آلام البشر ومستقبل الوطن ومن الديون التى تستنزف (فوائدها ) ميزانية الدولة و سيدفعها ابنك وحفيدى فى يوم ما .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول