الإنقلاب يواصل مسلسل الإعدامات

عبد الله النملي
2019 / 3 / 1

رغم النداءات الكثيرة لوقف إعدام الأبرياء، يواصل الانقلاب في مصر أحكام الإعدامات التي بدأت منذ اليوم الأول من الانقلاب ضد الأبرياء من النشطاء الرافضين للانقلاب العسكري، في مئات الهزليات القضائية. وفي دليل إدانة جديدة للانقلابيين، الذين صبغوا وجه مصر بالدماء، وأقاموا في كل بيت مصري سرادق عزاء، نفذت مصلحة السجون في فبراير 2019 حكما بالإعدام شنقا بحق 9 أبرياء في قضية اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات في يونيو 2015. و هذه هي الموجة الثانية من الإعدامات على خلفية نفس القضية، حيث أقدم الانقلاب في 2018 على تنفيذ حكم الإعدام بالدفعة الأولى وعددهم 15 شابا. و تأتي أحكام الإعدامات بالتزامن مع الحملة التي تقوم بها مخابرات الانقلاب على تغيير الدستور المصري ليضمن السيسي بقائه في السلطة حتى العام 2034 على أقل تقدير.
التسجيلات المسربة عن جلسات المحاكمة تثبت أن المتهمين تعرضوا لتعذيب وحشي استعملت فيه الكهرباء لانتزاع اعترافات مزيفة، إذ قال أحد المتهمين للقاضي أن ضباط المخابرات الذين كانوا يشرفون على تعذيبهم قالوا له " عليك الاعتراف بما نريد، لأن أحد ما يجب أن يتحمل مسؤولية هذه الجريمة "، وأضاف الشاب موجها كلامه للقاضي " اعطني صاعق كهربائي، وسأجبر أي شخص يقف معنا في المحكمة على الاعتراف باغتيال الرئيس السابق أنور السادات "، في إشارة إلى وحشية التعذيب الذي تعرضوا له لإجبارهم على الاعتراف بكل ما تريده الأجهزة الأمنية. و وصفت منظمات دولية وحقوقية عقوبة الإعدام التي نفذتها السلطات المصرية، بأنها " عار بحق الإنسانية "، و قالت إن " القضاء المصري منعدم الاستقلالية بشكل شبه كامل، وفي مجتمع منقسم و متأزم يكون تعليق عقوبة الإعدام في كل القضايا واجب ".

النظام الانقلابي في مصر أصدر 2532 حكما قضائيا بالإعدام في قضايا جنائية وسياسية منذ 2013 ، و أكدت تقارير وإحصائيات لمنظمات حقوقية، صدور نحو 1080 حكم إعدام بحق معارضين للسلطة منذ الانقلاب العسكري، تم تأييد 320 حكما منها. وكشفت منظمة "هيومن رايتس مونيتور"، في تقرير أصدرته، أنه صدرت قرارات قضائية بحق 1964 مواطنا بإحالة أوراقهم للمفتي لاستطلاع رأي الدين في إعدامهم، خلال الفترة من 3 يوليوز 2013 إلى 2017 ، وتمت إحالة أوراق أكثر من 1900 مواطن مصري على المفتي تمهيدا لإصدار حكم الإعدام. وبذلك أصبحت مصر في عهد السيسي، في مقدمة دول العالم في تطبيق عقوبة الإعدام، بإصدار حكم إعدام كل 14 ساعة ! . وقد علق أحد المعارضين على ذلك قائلا: " لقد حول السيسي كل معارضيه إلى دجاج ينتظر السكين "، نظرا لكون السواد الأعظم من محكومي الإعدام منتمين أو محسوبين بصورة أو أخرى على مؤسسات التيار الذي وقع عليه الانقلاب، ما يعني أنها أحكام سياسية، لا كما يريد النظام تصويرها على أنها " ضد الإرهاب "، بالرغم من أن القانون المصري والميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 1997، الملزم لمصر، ينص في مادته رقم 11 على أنه " لا يجوز في جميع الأحوال الحكم بعقوبة الإعدام في جريمة سياسية "، كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة دعت بأغلبية عريضة في قرار صدر في دجنبر 2014 ، إلى إلغاء العمل بعقوبة الإعدام، وهو الشيء المتحقق رسميا في 140 دولة حول العالم.

فمنذ استيلاء الانقلابيين على السلطة، لا يكاد المصريون يفرغون من دفن شهدائهم حتى يستقبلون شهداء جددا، كأنما يخوضون حرب إبادة ضد المصريين المعارضين للانقلاب. وتشابه الانقلابيون في مصر مع غيرهم في دول العالم، باتخاذهم من الأمن القومي ذريعة لانقلابهم على أول رئيس مدني منتخب بشكل ديمقراطي، حيث قالوا في تبرير الانقلاب إنه لإنقاذ مصر من الحرب الأهلية، لكنهم بعد سنوات كانوا يغذون ماكينة الاحتراب المجتمعي بكميات هائلة من الحقد الأعمى، وزعموا أنهم ينقلبون على أول رئيس مدني في تاريخ مصر حَقْنا للدماء، لكنهم سيرتكبون إعدامات بالجملة، و مجازر دموية حصدت أرواح المئات من المتظاهرين السلميين المُنادين بعودة الشرعية. و الأكثر بشاعة أن القتل صار على الهوية وعلى اللحية والنقاب، واستباحة المختلفين معهم و إزاحتهم من المشهد السياسي، عبر تلفيق تهم جنائية لهم، وإحالتهم على قضاء الانقلاب، ونَفْي المواطنة والإنسانية عن قطاعات واسعة من المصريين، ووضعهم في مرتية الأعداء، حتى أضحت مصر السيسي، أكثر توحشا بكثير مما كان عليه نظام "بنوتشيه"، فخلال سبعة عاما من حكمه، قتل حوالي ثلاثة آلاف شخص، وسجن ما يقرب من أربعين ألفا، بتهم ارتكاب جرائم سياسية، لكن الانقلابيين في مصر حطموا هذه الأرقام في أقل من ست سنوات فقط، حيث قتلوا أكثر من 4 آلاف شخص، و يوجد خلف القضبان ما يزيد عن 70 ألفا، و أكثر من ألف حكم بالإعدام لمناهضي الانقلاب، حتى أن دائرة الاعتقالات أخذت تتسع لتشمل جميع المناهضين للانقلاب العسكري، ولم تستثنى أي فئة حتى الأطفال، فقد نالهم ما نال آبائهم من الحبس والتنكيل والتهم التي لا يقبلها عقل، في محاكمات منعدمة الصلة بالقانون والدستور ومليئة بالتسييس والخصومة.
لا أحد في مصر الآن يشعر بأنه في طمأنينة وطن، الكل بات يعيش تحت مقصلة الجور والإجرام وتلفيق الاتهامات، ولا استثناءات ولا خطوط حمراء، ولا رادع من ضمير أو قانون، فالمَشْيُ خطوات في مظاهرة يعني الاستضافة لسنوات في سجن الداخلية، كما أن حَمْلُ مسطرة رابعة، أو ارتداء (تي شيرت) أصفر، يستحق عقابا ب 5 سنوات سجنا في حده الأدنى، وقد تكون الإقامة هناك مؤبدة !! . مصر اليوم تعيش فترة استثنائية، تعاظمت فيها خيلاء الخيانة وشرذمة الإنقلاب، وتساندت فيها عصابات السوء، وبلغت درجات الوقاحة حدا غير مسبوق، بعد أن أفلت العسكر زبانيته المسعورة في جهاز القضاء ليُصْدر الأحكام الجائرة في حق الشباب الأبرياء، حتى أصبحت الأرواح بلا ثمن، والمجازر ترتكب بدم بارد، في ظل تحريض إعلامي اجرامي محموم لطمس بصائر عامة الشعب، فلا القضاء ينتفض للعدل، ولا شرطة ترتعد من عواقب الإجرام، ولا جيش يتأثر بآلام شعبه، ولا إعلام يفوق من غفلته وعمالته ويقول كلمة حق يرضي بها الله.

إن المشاركين في هذا الانقلاب فضحوا أنفسهم، وكشفوا جميع مخططاتهم الخبيثة، والشعب المصري عرفهم والتاريخ سجل جرائمهم ومجازرهم البشعة، وكيف أنهم عادوا بالبلاد إلى نظام ديكتاتوري دموي أسوأ بكثير من نظام مبارك، و أثبتوا أنهم دمويون يؤمنون بالديمقراطية قولا ويكفرون بها فعلا، وهم الذين طالما هللوا وغنوا ورقصوا من أجلها وملأوا الدنيا صراخا ودعاية بأنهم دعاتها وحماتها. لقد بات جليا اليوم أن الانقلابيين يحترفون الدجل والكذب، بعد أن انقلبوا على مبادئهم، عندما خرجوا يوم 30 يونيو ليقولوا للعالم أجمع نحن نكفر بالديمقراطية التي ليست في صالحنا، ونعشق البيادة العسكرية، فما رأت منهم مصر حرية ولا عدلا ولا احتراما لحقوق الإنسان، ولا نهضة ولا ازدهارا، وعندما يتحدثون عن الحرية وإرادة الشعوب والحكم المدني يستخدمون ذلك للتلاعب بعقول الناس، ويتخلون عن كل ذلك فور فشلهم في الوصول للسلطة.
ولم تكن الدول الديمقراطية مُخْطئة عندما حسمت العلاقة بين الجيش والأمن، وبين الممارسة السياسية، بتحريم ممارسة السياسة على أفراد الجيش و الأمن، وتخييرهم بين العمل في هذه المهنة أو العمل في السياسة، وليس الجمع بينهما. فالجيش والأجهزة الأمنية لديهما وظائف تقتضي مهارات معينة ليست لدى السياسيين، وهذه المهارة لا تصلح إلا لمواجهة الأعداء أو المجرمين، لكن عندما يدخل العسكر إلى حلبة السياسة فإنهم لا يستخدمون إلا أدواتهم التي لا تعرف إلا القتل وقاموس الإرهاب، وهذا ما يفعله الانقلابي السيسي بمصر، إذ مازال الإنقلابيون هناك يتحدثون عن الإرهاب لتبرير حملات الاعتقالات والمحاكمات وقتل المؤيدين للشرعية. وهي تهم مخيفة يسهل تلفيقها، تجعل صورة الجيش وهو يتصدى لكل ذلك أكثر نبلا ووطنية. وهي سياسة عمل الانقلاب على تكريسها عبر مناهج التعليم و أفلام السينما ومسلسلات الإذاعة و التلفزيون. وفي حرب السيسي على "الإرهاب" المزعوم، ليس هناك من سلطة سوى العسكر و المخابرات، وباقي الشركاء تُمْلأ بهم واجهات الحكم. إنها الطريقة الفعالة التي تُجَمّدُ بها القوانين والدساتير وتُعْلَنُ بها حالات الطوارئ، والأداة التي يُنْتَقَم بها من المعارضين. وفي كل فتنة تمر بها الأمة تلجأ دائما الأنظمة الانقلابية إلى علماء الدين ورجال الإعلام لتجميل وجوههم القبيحة وتبييض صحائفهم السوداء، من خلال ترويج الفتاوى الخاطئة والتدليس على الناس. إذ هناك دائما من الشيوخ من لديه الاستعداد لمساندة أصحاب القوة و السطوة، وتقديم التسويغ الفقهي للباطل. لهذا فإن الدماء التي سالت على أيدي الانقلابيين بمصر يتحمل وزرها معهم من أفتاهم بجواز قتل المتظاهرين السلميين وإعدامهم بحجة الإرهاب والخوارج .
الرئيس المصري المنتخب، محمد مرسي، قدم صورة متفردة في التسامح مع معارضيه غير مسبوقة في الوطن العربي، فلم تسجل عليه خلال عام واحد من السلطة حالات اختطاف أو اعتقال أو قمع لمعارضيه، ولم تُغْلق في عهده أي صحيفة أو قناة فضائية، أو ارتكبت مجازر وإعدامات في حق المعارضين لحكمه، رغم أنهم أوغلوا في مهاجمته شخصيا والإساءة إليه بطريقة مزرية، والتآمر عليه.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية