فصل جديد من رواية «كوبنهاون»

منير المجيد
2019 / 2 / 25

إنتابتني رغبة مُلحّة في في ترك كوبنهاغن. شوارعها، حافلاتها، دور سينماها، مقاهيها، مطاعمها، وأيضاً عائلتي وأصدقائي. لقد ضقت ذرعاً من أجواء المدينة، الأصوات الكثيرة الصاخبة، لون الثلج الرمادي الحزين مُتّسخاً بغازات عادمات السيارات، حفلات العربدة التي يُقيمها الجيران وموسيقاهم المُتعبة، صوت نفير سيارات الإسعاف، رائحة فلافل الفلسطينيين، أفران البيتزا التي يُديرها الأكراد ويقولون «پرونتو» لزبائنهم، الشابّات اللواتي لم يعدن يبتسمن لي في الشارع، النساء الشبقات المُتقّدمات في العمر اللواتي يسعين إلى لفت أنظار الذكور في صالة النادي الرياضي، صوت فتح صندوق العملة في السوبر ماركت، الممرضات البدينات المُبتسمات، حلّاقة شعري ذات الأنفاس الكريهة، الباصات التي تبعث أصواتاً تشبه صوت ضراط فرس النهر، سائقو السيارات حينما أستعمل دراجتي الهوائية، وراكبو الدراجات الهوائية حينما أقود سيارتي، الكلاب اللاهثة التي عمد أصحابها إلى ترك برازها على الأرصفة، شقّ طريقي بصعوبة في شارع المشي، رئيس الوزراء اليميني المكّور كطابة وآلاف السيّاح الصينيين.

حتى الآن لم أفهم تلك الرغبة المُفاجئة. قد تكون بسبب تقدّمي في السن. «قبل أن يموت الأسد يعزل نفسه في مخبأ». ربّما كنت أسداً في حياتي السابقة! البوذيون يؤمنون بالتقمّص، وأنا إن خيّرت مُجبراً على اعتناق ديانة فسوف أختار البوذية. هل هي ديانة أم فلسفة؟

وضعت شقتي للبيع فاشتراها شاب في اليوم التالي. يا للعجب! عندي الآن ستة أشهر لأجد مكاناً آخر.
بدأتُ حمّى البحث التي جرّبتها قبلئذ عدّة مرات. أردت أن أذهب إلى شمال هذه الجزيرة. الشمال الشرقي هو مأوى الأغنياء والمُحتالين، الشمال الغربي مناطق يسكنها المُهمّشون والفقراء والقاعدة الإنتخابية للأحزاب اليمينية المتطرّفة.
دقّقت في مواقع المكاتب العقارية كلّها. سافرت في طول وعرض الجزيرة بحثاً عن بيتي الجديد. أردته أن يكون بحديقة حتى أتمكن من زرع الخضار والأعشاب العطرية، مثل دون كورليوني في الجزء الأول من فيلم العرّاب. لست مهتماً كثيراً بالزهور والورود.

أخيراً وقع اختياري على بيت بنته شركة سويدية ويبعد عن البحر بضعة أمتار في قرية، تعداد سكانها خمسمائة واثنين وستون، في الجهة الشمالية الغربية. صاحبة البيت (ليزا) صرفت سنة من وقتها وهي تخطّط لحديقة لم تنل إعجابي مطلقاً. قامت بإنشاء ممرّات ملأتها بستة أطنان من الحصى الأسمر تؤدي إلى مساحات مزروعة بالزهور والورود. تحدّثت بشغف عن كل ذلك وهي تحمل كلبها الضئيل الذي نبح في وجهي. «اخرس» أمرته، فخرس. وحين دخلت البيت الواسع شممت رائحة الكلب في كل مكان، ممزوجة بدخان سكائرها.
وضعت خطتي في كيفية ترتيب وتنظيف وطلاء البيت للتخلص من رائحة الكلب وشحم الخنزير من الفرن، ثم كيفية التخلص من حصى الحديقة.
«سأضطر إلى التحدث إلى البنك»، قلت لليزا وموظفة المكتب العقاري التي كانت توافق على محاسن المنطقة ومتانة البناء السويدي.
«بالتأكيد»، قالتا.

وافق البنك على منحي قرضاً يُضاف إلى ما لديّ من ثمن بيع شقتي الكوبنهاغنية، وشرعت على الفور بتحضير إجراءات شائكة في روتين نقل العقارات ودفع أجور المُحامين الذين، في الحقيقة، لا يعملون كثيراً ولا يستحقون عشر الفاتورة التي اقشعر بدني من حجمها.
خلال أيام وقّعت على أكثر من خمسين وثيقة. لشركة التأمين، خبير العقارات والباحث عن أخطاء في البناء، سندات إنتقال الملكية، وثائق ضريبية، شهادات البنك والبنك العقاري، وأوراق اخرى أمطرتني بها موظفة المكتب العقاري، وأخيراً نقل النفوس إلى البلدية الجديدة.
ثم جنّدت رجلين لطلاء المنزل بالكامل، لم يتوقفا عن شرب البيرة طيلة الأسبوع الذي استغرق عملهما.
اشتريت بعض قطع الأثاث تكفي لإستقبال ستة ضيوف في نفس الوقت، وستائر لثلاثة أبواب وعشرة نوافذ. ثم جاء تقني أجهزة الموسيقى والتلفزيون ونقل عدتي التي صارت موضة قديمة بسبب أحجامها الكبيرة. واحسرتي، كنت أتباهى بها قبل عشرين سنة.
وقبل أن تنقل شركة نقل يملكها عراقي باقي العفش وتسبب في كسر أوعية زجاجية أثناء نقلها مما أشعرني بالحزن، كان تقني آخر قد ركبّ لي ما لزم من أجهزة تُتيح لي الإتصال بالإنترنيت.

حدثتني ليزا بالتفصيل عن جيراني، ومدحتهم جميعاً، لكنها حذرتني من زوجين متقاعدين يملكان البيت على اليسار وأتشارك معهما في سور حرشي بطول خمسين متراً.
«لم أنتقل إلى هنا بحثاً عن أصدقاء، أريد السلام والهدوء»، قلت لها، فأثنت على طريقة تفكيري.
خلال الأيام التالية، وأنا منهمك في وضع أشيائي في مكانها بمساعدة بعض أفراد العائلة، مرّ بعض الجيران وقدّموا أنفسهم بشكل مُهذّب جداً، مما جعلني أفكّر بناخبي اليمين المتطرف. لم يكن هناك شيئاً متطرفاً حولهم. كلهم، دون إستثناء، حذروني من المُتقاعدين من جهة اليسار اللذين كانا يمرّان في الشارع ويضعان رأسيهما حتى يُلامسا صدريهما ليتجنبا رؤيتي. وأنا، بادلتهما بالمثل ولم أعتبرهما مصدر إزعاج.

بعد عدّة أشهر، مرّ بي «فرانك» الذي يسكن لوحده في البيت الثاني من جهة اليسار فشربنا زجاجتين من البيرة حملهما معه، وكرّر الحديث عن جاريّ، وكيف أن بقية الجيران لا يتعاملون معهما. ثم أخبرني عن السبب الحقيقي، طالباً مني ألّا أشعر بأي إنزعاج.
«الرجل، أسمه توماس، وهو على وجه الخصوص، ليس لطيفاً تماماً». قال فرانك وأكمل «قبل أن تفرّغ ليزا المكان وزّعت الكثير من الأشياء علينا، لأنها سوف تنتقل إلى شقة صغيرة في كوبنهاغن ولا مُتسع لكل أغراضها هناك. بعد ذلك مرّ توماس عليها واستفسر عن الذي اشترى البيت. وحينما عرف هويّتك غضب وقال كيف تسمحين لنفسك بزرع إرهابي في قلب مُجّمعنا، وأمور اخرى عن أن أسعار بيوت الجميع سوف تنخفض لأن لا أحد يريد أن يجاور أجنبي. في نفس الليلة رمى الأشياء التي أخذها من ليزا في مدخل البيت، ورفض أن يتحدث معها بعد ذلك. هو قاطعنا تماماً الآن، لأننا نتمتّع، كما يبدو، بعلاقة جيرة جيدة معك».
كان فرانك يتحدث متأثراً، وأعتقد أن عيناه لمعتا بسائل، أو قد أكون مُخطئاً. ثمّ اعتذر عدة مرّات، لكنه أراد أن يخبرني عن حقيقة توماس.
«لا عليك، أنا فقط أشعر بالشفقة عليه». قلت لفرانك وواسيته قليلاً، قبل أن أصرخ «بصحّتك».

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية