الطيران مع «آنا»

منير المجيد
2019 / 2 / 22

انتظرت في مطار ميونيخ سبع ساعات غير مُملّة، بانتظار الجمبو جيت التابعة لشركة «خطوط كل اليابان-All Nippon Airways»، والتي تُختصر إلى ANA. تجولت في قاعات المطار الواسعة، نافضاً من رأسي فكرة الذهاب إلى وسط مدينة ميونيخ، لأن التجوال في رحاب المطارات هي إحدى المتع الرديئة التي أمارسها، ألا وهي التحديق في المُسافرين الآخرين. لأن مطار ميونيخ، بالإضافة إلى فرانكفورت، يُشكلان نقطة تجميع ركّاب لوفتهانزا من كل أنحاء العالم، ومن ثمة إرسالهم إلى، نعم، بقية أنحاء العالم.
بطاقتي محجوزة لدى لوفتهانزا، لكنني سوف أطير مع «آنا»، على إعتبار أن هاتين تتبعان منظومة طيران متعاونة مع عدد آخر من شركات الطيران العالمية.
كان المُسافرون يُدحرجون حقائبهم. هذه هي الصفة الرئيسية التي تجمعم. ما تبقى من خلافات واختلافات، جلستُ هناك «مُتمزمزاً» عليها. وجوه سعيدة تغمرها تعابير شتى، وجوه ضائعة قلقة، واخرى مسترخية وكأنها تمارس روتين السفر دون انقطاع. ثم حاولت أن أدقق أكثر لأربط هذه الوجوه مع الدول التي جاءوا منها. ما نوع العلاقة التي تربط الأزواج (أقصد رجل+إمرأة)، كيف إلتقيا وهل مازالا متحابين، أم أن علاقتهما تمرّ في أزمة يطمحان إلى حلّها في إجازة؟ متى كانت آخر مرّة مارسا فيها الفاحشة؟ وهكذا.
سبع ساعات جلست فيها في بارين ومطعم، ولم أترك أحداً يمرّ دون أن أمسحه على ضوء عقلي المُحفّز من عدة أنواع من البيرة الإلمانية، و بيتزا سيئة. الإعتراف بالرذائل حسنة. وحين حان موعد الذهاب وجدت بوابة طائرتي بسهولة بالغة، على عكس العادة. معظم الوجوه كانت يابانية.

كل شيء مرّ مثل العسل السائل، وجلسنا في مقاعدنا وربطنا أنفسنا بالأحزمة، بينما المُضيفات النحيلات قصيرات القامة كنّ يجلنُ بيننا مُبتسمات وعيونهن تلمع ببريق الخدمات المُتفانية. قبل الإقلاع بلحظات تغيّرت حركتهّن، وسرعان ما أعلنوا أن هناك مشكلة مع أحد المسافرين. لم أستطع تحديد المكان لأن الطائرة سرداب طويل بطول سوق الحميدية.
مختصر الحكاية أن الرجل تعرّض إلى أزمة قلبية وجاءت سيارة إسعاف التقطته بسرعة واختفت، لكن إجراءات إيجاد حقيبته وانتشالها من جوف الآلة العملاقة أخذ من وقتنا جميعاً ساعة كاملة وثلاثة دقائق إضافية.
اللعنة! كيف ألحق الآن بآخر طائرة يُفترض أن تقلّني من طوكيو إلى مطار ماتسوياما القريب من قريتي؟ أمامي فقط ساعة واحدة أسوّي فيها أموري وأخضع فيها لإجراءات مُنوّعة من المرور على أجهزة الأمن وتدقيق الجواز والبحلقة في وجهي المتعب المرهق والسماح لهم بأخذ صورة لجنابي وبصمات أصابعي، ثم إنتظار ظهور حقيبتي الكبيرة على رصيف رقائق الكاوتشوك الدوّار، والمرور من بوابة الجمارك وتسليم تصريح وقّعتهُ أؤكّد فيه على عدم وجود أية مُخدّرات أو أسلحة، وأخيراً الذهاب إلى صالة الخطوط الداخلية.
فضلّت التوقف عن التفكير في المسألة.

بعد أن طرنا لمدة نصف ساعة، ظهرت المُضيفات وقد إرتدين ثياب تقديم المشروبات والطعام. أعترف إنني أحب طعام الطائرات، خلافاً لكل الذين أعرفهم. يقول الخبراء أننا نفقد حاسة المذاق والشمّ جزئياً ونحن على علو أحد عشر كيلومتراً ولا نستطيع التمييز تماماً إن كان الطعام كثير الملح أو قليله مثلاً. كذب. أنا أستطيع. صحيح أن هذه الوجبات المُغلّفة بالقصدير تكون قد مرّت بمصاعب وإنتظار ساعات طويلة، وأُعيد تسخينها وإعادة إحيائها ويستحيل أن تكون صحيّة، وتلقى متاعب في جعلها تستقر على تلك الطاولة الصغيرة في الدرجة الإقتصادية من الطائرة، والتي تضمّ البروليتاريا الرثّة من أمثالي، لكنه طعام أتمتّع به، حتى النبيذ الرخيص الذي طعمه يُذكّر بالخل أتناوله وكأنه خُمّر إحدى الشاتوهات العريقة في الريف الفرنسي.

بعد أكثر من عشر ساعات هبطنا في مطار «هانيدا» في طوكيو. وهناك وقفت فتاة ترتدي زيّ موظّفات شركة طيران «آنا»، حاملة ورقة كبيرة مكتوب عليها إسمي. وعلى سترتها كُتب إسمها «آنا». بعد السلام والإنحناء والكلام المُباح قلت لها: أهلاً آنا من آنا. إبتسمتْ مُجاملةً، لأنها، وأنا واثق، سمعتْ هذا المزاح السمج من مليون مُسافر سمج آخر.
قالت أنها هنا لمرافقتي لأن موعد طائرتي الآتية وشيك، وهذا يتطلب شيئاً من السرعة وسوف تُساعدني. أسرعنا. مررتُ من باب تدقيق الجواز والتصوير بسرعة، وكانت آنا سعيدة بالنتيجة. بيد أن إنتظار ظهور حقيبتي لم يكن سعيداً. جاءت، حرفياً، كآخر حقيبة. ولهذا، اعتقدتُ، وهذا سبب وجيه، أن تسليم الحقيبة المُبّكر في مطار كوبنهاغن قيبل سبع ساعات من موعد الإقلاع في ميونيخ يعني أن حقيبتي كانت الأولى التي وُضعت في الطائرة، وسوف تكون الأخيرة حين الوصول.
آنا كانت قلقة أكثر مني. ولحسن الحظ، ثانية، جعلني موظف الجمارك أمّر بسرعة، ربما بسبب حضورها القريب منّا.
قادتني إلى بوابة الخطوط الداخلية وجعلتني أركض خلفها كجرو وقامت بإجراءات إرسال حقيبتي دون أن أنتظر دوري، ثم سلمتني إلى الباص الذي سوف يقلّني إلى بناء الخطوط الداخلية. رحلة الباص تستغرق ربع ساعة، فمطار هانيدا ليس مطاراً عادياً، هو كبير بحجم مملكة.
وصلت إلى طائرتي في آخر لحظة، وسرعان ما حلّقنا عالياً ونحن نسمع زمجرة محركات الطائرة. كنت، كالعادة، الأجنبي الوحيد على متن الطائرة، وبذلت المُضيفات جهداً محموداً بالتحدث بالإنكليزية طيلة الرحلة التي استغرقت ساعة ونيف.
في مطار ماتسوياما، توقّعتُ أن تكون حقيبتي الأولى التي سوف تظهر على شريط الكاوتشوك، لكن، هذا لم يحدث. لا بأس، فأنا وصلت أخيراً وكل ما أحتاجه هو النوم حتى أستعيد قواي المُحطّمة.

اليوم ذهبت إلى حديقتي ووقفت على الجُسير إياه الذي أقف عليه كما في كل مرّة أكون هنا وألتقطتُ صورة لي. الوقت قُبيل غروب الشمس والدنيا كانت مُلوّنة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية