الحمار الذي ضحك من المعلم

محمد الذهبي
2019 / 2 / 18


في طريق المعلم ثمة حمار مربوط، حين يمر عليه صباحا يبدأ الحمار ينهق بصوت عال ويرمح برجليه ويكشف عن اسنانه ثم يضحك ضحكة عالية، في كل يوم يعيد تلك المسرحية حين يرى المعلم،لم يكن المعلم عجولاً ليسأل الحمار عن سبب ضحكه، صبر ليرى ما يصل إليه الأمر، تكررت الحالة وصار الناس ينظرون الى المعلم بسخرية لكثرة ضحك الحمار منه، وصار المعلم يشعر بالحرج حين يمر يوميا بالحمار، قرر في صباح يوم مشمس ان يسأل الحمار عن سبب ضحكه، حمل حقيبته وكانت مهمته الاولى ان يضع فمه بأذن الحمار: لماذا تضحك ايها الحمار؟ سرح الحمار طويلا قبل ان يجيب ثم قال: عندما اراك يومياً اتذكر سنين العذاب التي عانيت في نقل الاحمال والضرب الذي كنت اتلقاه، فقد كان العذاب والكد والتعب من نصيبي، وها هو الآن يصبح من نصيبك انت.
في العراق الآن المعلم مطلوب منه ان يخاطب الحمير بعقول الحمير، وليس بعقل الانسان الواعي، الثقافة الدونية التي فرضت نفسها بعد الفين وثلاثة صادرت العقل العراقي وجعلت منه عقلا متخلفا يبحث في الغيبيات ويرفض كل ماهو حداثي او علمي متطور، حتى ان اغرب اجابة لتعريف كوكب الزهرة جاءت من طالب في المتوسطة، وهذا الطالب معذور فقد اختلطت عليه المفاهيم، فالمحاضرات الدينية في البيت والشارع والجامع والحسينية وهي تصب في رافد واحد ومفهوم واحد، لقد عرف الطالب كوكب الزهرة بانه ام الحسن والحسين، الطالب الصغير الذي يدرس علم الاحياء ويرى التكاثر الجنسي وغير الجنسي يقف عقله حائرا أمام احد الشيوخ الذي يقول: ان مدة الجماع في الجنة سبعين الف سنة، والطالب الذي يجيب عن تعريف خديجة بنت خويلد أم المؤمنين في درس الاسلامية، بأنه جامع موجود في طريق عودته الى البيت، هذا ايضا اختلطت عليه المفاهيم، هناك ضخ فكري من شيوخ غير تربويين لم يمروا بعلم النفس التربوي ولو مرورالكرام، ولم يعرفوا ايضا برمجة معلوماتهم ليستوعبها الشباب، ضخ معلوماتي هائل يتركز في التاريخ دون الامور الاخرى حتى عاد الانسان العراقي حائرا وعلى مفترق طرق مع العلم الحديث، لايستطيع التفريق بين الدراما والتاريخ فهو يهجم بعنف كبير على شخصيات تقوم بتمثيل ادوار تاريخية جعله الضخ الفكري حاقداً عليها ولا يستطيع التمييز انها دراما فقط ولا تمت الى واقعه بصلة.
مع هذا الطالب الذي اختلطت عليه الامور مطلوب من المعلم ان يجعله انموذجا في العراق وهذا غير ممكن، خمسون طالبا بغرفة واحدة متسخة ومدرسة متهالكة درس فيها المعلم ذاته قبل خمسين سنة تفتقر الى ابسط الشروط الصحية، واولياء امور لا يكادون يقرؤون او يكتبون يريد من ابنه ان يصبح طبيبا ومغريات اخرى كثيرة اقلها النت وثورته العلمية مع ادمغة صغيرة لا تعرف ماذا تستخدم من هذا الصرح العلمي الكبير، هنا يقف المعلم وحيداً بلا مساندة او مساعدة وبدون عون، الجهل مطبق وكبير والخطط المرسومة لتجهيل الشعب العراقي كبيرة ومحكمة، المعلم المضروبة مصالحه وحياته عرض الحائط، وهو المسكين غير المشمول بايفاد ولاترفيع ولاعلاوة ولاقرض ولاسلفة ولاقطعة ارض، الفقير المنهك الذي لايكاد ينظر باتجاه حتى تأتيه لطمة من وزارة التربية او مديرية التربية او مشرف او مدير او ولي امر يدخل اليه امام تلاميذه ويهينه متى شاء بدون حماية او قانون يحميه، يدفع الدية عن صفعة فلتت اعصابه وارتكبها ويؤيدها مراجع الدين في ان خد الطالب اذا احمر فالدية واجبة بفتوى شرعية تركت امور المجتمع المتراكمة وحصرت فتواها بمعاقبة المعلم، من المؤكد ان الحمير جميعها تضحك من هذا المعلم وتستكثر عليه اضراباً واحداً قام به لنيل حقوقه التي يسحقها كل من هب ودب.

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي