اوصماني برو

منير المجيد
2019 / 2 / 11

كان بيتنا في شارع مروان، حي قدوربك، يُشكّل الضلع الشرقي من مستطيل سكني يمتد على أربعة شوارع. أسطح البيوت الطيينية كلها كانت تتلاصق بشكل أو آخر، عدا بيتنا ولسبب غير معروف.
لذا، إن سعت سيدة إلى زيارة اخرى، ما كان عليها إلّا أن تصعد إلى سطح بيتها وتسير مجتازة أسطح الجيران وكأنها أرصفة.
عائلة اوصماني برو (الأسم الكردي لعثمان إبراهيم) كانت تسكن في الضلع الجنوبي من المستطيل.
واوصماني كان معروفاً لدى الكلّ، حتى الأطفال، أنّه شيوعي مقدام لم ترمش عينه مرّة من ملاحقة رجال المباحث له دورياً، إن لم يكن مُحتجزاً لديهم، بطبيعة الحال.

كان رجلاً ضئيل الجسم، مشوي من شمس القامشلي كسيخ كباب، ومشعث كتروتسكيّ سكيّر، ومجعّد الجلد كفاكهة مُجفّفة.
في فترة نضاله الأولى تمتّع بمساحة الحرية التي أتيحت للمواطنين، بُعيد الإستقلال ودخول سوريا في مرحلة الدول ذات النظام البرلماني.
لكن وبانضمام سوريا إلى مصر وإعلان الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبد الناصر، مُنعت الأحزاب السياسية.
عبد الناصر كان يكره، على نحو إستثنائي، الأخوان المسلمين الذين وُضعت قياداتهم وأعضائهم النافذين في السجون، لا بل أنّه شنق بعضهم.
الحزب الشيوعي، رغم منعه، لم يتعامل نظام الوحدة معه على نحو فظّ وغليظ، كان أشبه بخصام وحردنة عائلية، وهذا يعود، ربمّا، إلى العلاقات الطيبة التي أقامها الرئيس مع الإتحاد السوفياتي.
وعلى ذلك، كان اوصماني يتعرّض إلى الإعتقال بين فينة واخرى. لم يكن إعتقالاً بل كان مجرّد احتجاز لبضعة أيّام، ولأنه كان عنيداً، فإنه لم يستسلم، ولا حتى لمرّة واحدة، بسهولة. فما أن يقرع عناصر المباحث باب دارته، حتّى كان يصعد بسرعة إلى السطح ويقفز بسرعة الغزلان من سطح لآخر، تاركاً رجال المباحث تائهين في متاهات الأسطح، ليختبئ لدى أحد الجيران.
أحياناً، لم يكن يرتدي سوى ثيابه الداخلية، فتراه يقفز، متجّنباً السقوط في صفائح عصير البندورة التي كانت الشمس تجعلها رب بندورة شهية، ثلث قوامها يتألّف من عجاج زوابع الصيف.

مع إنتهاء الوحدة مع مصر، تمتّع اوصمان بفترة هادئة، فانصرف إلى النضال الأممي وكرّس له حياته. إلى أن أُعلن عام ١٩٧١ عن تأسيس مجلس الشعب السوري، وفتح الباب لدخول الأحزاب الصديقة لحزب البعث (فيما سُميّ بالجبهة الوطنية التقدمية) وتقديم مرشحيها.
استغرق الأمر سنتين لترشيح دائرة الحسكة أسم اوصماني على رأس قائمة الحزب الشيوعي، لذا، وبعد انتخابات ١٩٧٣ صار اوصماني عضواً في مجلس الشعب وارتدى بزّة. وفي المناسبات الإحتفالية والإستقبالية أضاف ربطة عنق إشتراكية إلى هندامه، وصار يجلس إلى جانب زملائه في حزب الإتحاد الإشتراكي العربي (أو الحزب الناصري كما كان متداولاً).
ومن الميّزات التي أُنعمت على الرفيق اوصماني بطاقة مجانية للسفر بالطائرة من دمشق إلى القامشلي، وبالعكس.

شاءت الصدفة أنني كنت على متن رحلة من دمشق، وكان اوصماني جالساً في مقعد أمامي ينبش في بعض الأوراق. حينها كانت الطائرة تحطّ في مطار حلب أيضاً، لإيصال بعض المسافرين، وأخذ آخرين.
حينما توقّفت محركات الطائرة في حلب، طُلب منّا أن نغادر إلى صالة المسافرين، وهناك قال لنا رجل، بدا وكأنه مسؤول في المطار، أن الطائرة لن تكمل رحلتها إلى مطار القامشلي بسبب عطل طارئ.
عرض علينا باصاً يقلّنا إلى مركز المدينة، حتى يُتاح لنا إيجاد وسيلة اخرى للسفر.
بينما كان الرجل-المسؤول يتحدث، دون ذكر تعويضات مالية، لاحظت أن اوصماني أُصيب بحالة من الإحباط والغضب. تقدّم من المسؤول طالباً أن تُخصّص شركة الطيران السورية باصاً يقلنا جميعاً إلى القامشلي، وهذا يجب أن يتحقّق على الفور، فلم يُكلّف المسؤول نفسه بالردّ عليه.
تقدّم اوصماني نحوه أكثر حتى التصق به تقريباً، قائلاً بصوت سمعه الجميع «هل تعرف مع من أنت تتحدّث؟»، فوضع المسؤول إصبعاً واحداً على صدر اوصماني ونحّاه جانباً، ثم مضى دون أن يلتفت أو يقول شيئاً واختفى خلف الباب.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا