معمارية متحف لوڤر أبو ظبي

منير المجيد
2019 / 2 / 8

تجاوزنا متاهات الطرق السريعة في مدينة دبي باتجاه أبو ظبي شمالاً، على متن رباعية الدفع البريطانية المتينة والمهيبة، حتى مررنا بمكاتب وشركات العالم التي اجتمعت في منطقة جبل علي.
الشمس تشرق في مكان ما، ولا نرى منها سوى خيوطها الباهتة من خلال نوافذ الحافلة المُبردّة بهندسة متقنة، وكل الأبنية البعيدة المبعثرة على اليمين واليسار لا نرى منها إلا ظلاً وهيئة غير حادة الحواف.
بعد ذلك لا شيء يعكس فخامة دبي سوى الطريق السريع النظيف. لا أكياس بلاستيكة مرمية على أطرافها، ولا بقايا قمامة. هكذا هم سكان البلاد، مقيمون أم أصلاء، يلتزمون بنظافة البلاد وأنظمة المرور، وليس كما كل المدن العربية التي زرتها مثل القاهرة وتونس ومراكش، إن لم أذكر دمشق. كثيرون ينتقدون مظاهر هنا وهناك، بعضها صحيح وبعضها حسد وضيق عين. هذه البلاد بلغت، ولو قشرياً، رقيّاً في مظاهر المدن والحياة والرفاهية تُضاهي، بل تتغلب، على معظم دول العالم المتطورة. قد يقول البعض أن المظاهر لا تحقق الحضارات، وقد يكون هذا صحيحاً، إلا أنني، لن أكفّ عن الإنبهار بما أراه. الأنظمة والقوانين جائرة بحق العمال المقيمين إن جاءوا من الدول الفقيرة. هذه لن أخوض فيها فهناك من سبقني إليها.

على الجانبين أبنية متواضعة، بعضها قيد البناء واخرى انتهت، يتوسطها أحياناً جامع، وكلها تتشارك في اللون. لون الصحراء والقحط.
حينما يتغير لون الأسفلت الأسود إلى رمادي، يعني هذا، ببساطة، أنك تقود الآن على طرق تتبع إمارة أبو ظبي.
هنا تظهر النباتات والأشجار، بعضها يحتاج لري دائم، وذلك واضح من خلال أنابيب مياه الري السوداء التي لم يتقن أحد إخفائها. أما أشجار النخيل البليدة فأنها تعتني بنفسها عاقدة إتفاقية سلام مع الصحراء والشمس والسماء.

سرعان ما انحرفنا يميناً نحو جزيرة السعديات، قبل الوصول إلى مدينة أبو ظبي النظيفة المُقلّمة والتي لم تشأ أن تكبر عمودياً، بل أفقياً.
المدخل الطويل لمتحف لوڤر أبوظبي جديد، حتى بالأشجار الصغيرة التي ستكبر وتبلغ سن الرشد يوماً. وعلى مسافة مائتي متر تبدأ تفاصيل القبة بالوضوح.
البناء نفّذه المعماري الفرنسي العبقري جان نوڤيل (١٩٤٥)، الذي أعرف أعماله في مدن اخرى، وقابلته منذ عدة سنوات في كوبنهاغن.
برأيي، هو الآن الأهم على مستوى العالم، بعد رحيل العراقية-البريطانية زها حديد (١٩٥٠٢٠١٦).

عرفت مسبقاً أنه لن يقع في الفخ الغبي، الذي وقع فيه معظم معماريّو العالم الذين كُلّفوا بتصاميم في منطقة الخليج: عكس الطراز العربي-الإسلامي ودمجه مع العمارة العالمية الحديثة. النتيجة، وقد يخالفني فيها البعض، هجين تائه دون جذور. حتى القبّة التي تغطي معظم مساحة البناء لا علاقة لها بمفهوم القبة العربية-الإسلامية.
وكلما اقتربت منه، كلما أحسست ببراعة هذا الفنان، الذي تخرّج من قسم العمارة في كلية «البوزار» الباريسية.

منذ أيام الدراسة، شعر مدرّسوه باندفاعه الشاب الجموح، ومحاولاته في التجديد ونبذ التقليدي، ليس احتقاراً لشيخ المعماريين لو كوربوزيه (١٨٨٧ سويسرا-١٩٦٥ فرنسا)، بل تحديثاً للأطر. قد أشبهه، في كثير من النواحي، بالياباني تاداأو أندو (١٩٤١) اللذين هما من جيل واحد أيضاً.
أعمال نوڤيل منتشرة في كل أرجاء المعمورة، ودائماً تُشكّل معالم جذّابة. مثل المبنى المكتبي Torre Agbar في برشلونة الإسبانية (أم أقول الكتالونية؟) والذي يطلّ علينا في كل مكان بشكله الذي يُشبه طلقة عملاقة. المبنى المُلحق بمنشأة راديو وتلفزيون الدانمارك ١، والذي يضمّ عدة استديوهات بالإضافة إلى صالة الكونسرت البديعة، والتي أصّر نوڤيل أن تسعى شركة Nagata Acoustics اليابانية بهندسة الصوت. ومن بمقدوره إتقان العمل أكثر منها!

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا