فنزويلا: غطرسة أمريكية وسفور أوروبى

محمد السعدنى
2019 / 2 / 5

فيما يخص أمريكا اللاتينية فالوجه الأمريكى واحد، لافرق بين ترامب وأوباما أو أياً من أسلافهم العنصريين وحلفائهم الغربيين من متحف الاستعمار الأوروبى القديم، الذين لايرون الدول إلا من خلال مصالحهم ولتذهب الشعوب إلى الجحيم، إنها غطرسة القوة ولا أخلاقية السياسة. فخلال الأسبوع الماضى طالعتنا سحنة ترامب وتابعه بومبيو بلا أية مواربة تؤيد "خوان جوايدو" رئيس البرلمان والمعارضة الفنزويلية فى إنقلابه على الرئيس مادورو، وراحا ينفخان فى نيران متأججة ربما أدت لحرب أهلية تأكل الأخضر واليابس. تبدى الوجه الأمريكى القبح بلا أقنعة ولارتوش تجمل قبحه وتموه حقيقة جشعه وتدخلاته السافرة لاستلاب موارد الدول وقلب الأنظمة فى حرب قذرة سنتها وهندست لها الإدارات الأمريكية فى صيحات متتالية، قادها "المحافظون الجدد" وقبلهم "برنارد لويس" صاحب فكرة تفتيت دول الشرق الأوسط إلى كانتونات وكارتلات متناحرة، وكذلك إبان حكم ليندون جونسون ونيكسون ورونالد ريجان، ثم ورثهم رئيس أخرق "ترامب" وإدارة مارقة خرجوا على كل قواعد القانون الدولى وهددوا استقرار العالم وتبعتهم أوروبا فى نفس المسلك المشين لكن مع بعض المساحيق والماكياج، فى محاولة لإخفاء الوجه القبيح وإن حافظت على نفس الأهداف والسياسات التوسعية الاستعمارية، لإسقاط مادوروا وتدعيم الانقلاب لصالح عميلهم المصنوع على أعينهم "خوان جويدو" وبسرعة البرق أيد انقلابه كندا والبرازيل وكولومبيا و11 دولة أمريكية لاتينية "مجموعة ليما" بينما أعلنت كوبا وبوليفيا وتركيا وإيران والمكسيك ودول أخرى قريبة من روسيا دعمهما لنيكولاس مادورو، فيما طالبت الصين بـحل سياسي للأزمة، وأعتبرت روسيا أن أمريكا وحلفائها يدعمون محاولة انقلابية لاغتصاب السلطة وعقاب مادورو على سياساته المستقلة عن أمريكا والغرب الأوروبى الاستعمارى. ومازالت تفاعلات الأزمة تعلن عن تداعياتها فى احتمال حرب أهلية مدمرة فى فنزويلا. وبترتيب أمريكى عقد مجدلس الأمن جلسة طارئة السبت قبل الماضى أمطرنا فيها بومبيو بأكاذيبه الفاضحة المكشوفة وتباكيه المصطنع على مواطنى فنزويلا الذين أفقرهم مادورو وتبعه مندوب بريطانيا الذى قال إن موقف بلاده ضد مادورو ليس موقفاً استعمارياً بل أخلاقيا لحماية معارضى مادورو الذين خرجوا فى مظاهرات ضده. والنبى إيه؟ وهل لم تخرج المظاهرات فى فرنسا ضد ماكرون؟ فلماذا لم يطالبوا بعزله حماية لأصحاب السترات الصفراء، وإذا كان بكائهم على أطفال فنزويلا الجائعين، فلماذا لم يبكوا على أطفال فلسطين واليمن والمهجرين السوريين. أنهم مستعمرون تأخذهم غطرسة القوة وغباء السياسات ووالشره لسرقة البترول اينما وجد.
فى مارس 2016 وأثناء زيارته للأرجنتين وقف باراك أوباما ليعلن:" بأن بلاده، وبعد التورط في دعم الانقلاب العسكري في الأرجنتين عام 1976، "تعلمت الدرس، ولم تعد تلك الدولة التي دبرت انقلابات بالجملة في دول مختلفة بالقارة". وكالعادة كان كاذباً مراوغاً، فبعد شهر واحد من هذه الطمأنة، كُشف النقاب عن دور "الصندوق الوطني للديمقراطية" الأمريكي، وكذلك "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" في عزل رئيسة البرازيل "ديلما روسيف" كما وقفت وراء الإنقلاب عليها نخب "وول ستريت" المالية؛ حيث دخلت من باب الأزمة الاقتصادية لشراء الشركات الحكومية البرازيلية. وقبل الانتخابات الرئاسية لفقت قضية لـ "لولا دى سيلفا" الاشتراكى صاحب نهضة البرازيل وأدخل السجن ليفوز بالرئاسة شخص باهت يمينى متعصب "بولسونارو" كان أول قراراته نقل سفارة بلاده للقدس.
لقد تدخلت الولايات المتحدة فى تاريخها الحديث والمعاصر خمسون مرة بقواتها وسياساتها لترتيب إنقلابات تطيح بقادة وطنيين فى كل من بنما والأرجنتين ونيكاراجوا وكوبا وفيتنام وكولومبيا وتشيلى والبرازيل وهندوراس وتاهيتى وأوروجواى وفيجى وفنزويلا وغيرها من دول أمريكا اللاتينية التى طالما اعتبرتها فنائها الخلفى الذى لابد أن يكون تابعاً لها غير مستقل، ولتحول ضد تنمية بلاده، لتظل رهينة القبضة الأمريكية. وهى فى سبيل انجاح تدخلاتها تلك سمحت للشركات الأوروبية بالحصول على جزء من كعكة اقتصاد هذه الدول وثرواتها.
ولعل التفكير السطحى لترامب وإدارته قادتهم إلى هذا الانقلاب للتغطية على مشاكلهم المتفاقمة فى الداخل الأمريكى من تحقيقات موللر والـ FBI ومجلس النواب مع ترامب وإدارته بشأن العمالة لصالح روسيا والفساد المالى الرئاسى ومنع مجلس النواب لترامب من إلقاء الخطاب الرئاسى بشأن حالة الإتحاد إلا بعد إنهاء الإغلاق الحكومى ورفض تمويل إقامة جدار فصل عنصرى فى الحدود مع المكسيك.
هذا بشأن الموقف الأمريكى، لكن المرء يتعجب للموقف الأوروبى والكندى فى دعم هذه السياسات الأمريكية الاستعمارية الخرقاء فى تجاوزها السافر للقانون الدولى ومناهضتها لحريات الشعوب فى اختيار انظمتها الحاكمة، وهم الذين يتشدقون بالقيم الديمقراطية ومبادئ العالم الحر. لقد تبدى لنا وللعالم كله وجه "البوزا هكسا Die böse Hexe – الساحرة الشريرة" التى خرجت من أضابير الأساطير والسحر الأسود، لتطل علينا من واجهات فنزويلا المغدورة بالجنون الأمريكى والتواطؤ الأوروبى وديكتاتورية مادورو.