فصل من رواية «كوبنهاون»

منير المجيد
2019 / 2 / 5

«سورن»، قال الطبيب الشاب مُقّدماً نفسه لصديقتي «لينا» وأنا.
كان سورن قد درس ملفّي الطبي قبل دخولنا إلى غرفة العيادة. طلب مني أن أتمدّد على سرير المعاينة، بعد أن سحب غطاءً من اسطوانة ورقية كبيرة مُثبّتة على الطرف الأعلى.
رفع قميصي إلى كتفيّ، وصار ينقر على بطني في مشهد تقليدي للأطباء. «إستدر إلى جهة اليمين من فضلك»، طلب مني وتابع نقره ومداعبته لجلدي. أقول جلدي، لعدم وجود أي غرام من الدهون في محيط البطن والخاصرة. كنتُ كومةً من العظام والجلد.
قلّبني إلى كل الجهات، وجعلني أرقد على بطني أيضاً، سائلاً إيّاي عن مكان الأوجاع.
لينا وقفت هناك ترقبني بعينين حائرتين.

آلام الخاصرة اليسرى كانت قد بدأت في سنٍّ مُبكّرة، وأنا في الثانية عشرة من عمري أغلب الظنّ، وازدادت بمرور السنوات، تاركة عليّ بصماتها. كنتُ نحيلاً مصفّر الجلد.
مرّة، حينما كنت في الصف الثامن على ما أذكر، لم أذهب إلى البيت مُباشرة بعد إنتهاء دوام المدرسة. صديقي إدوار يوسف أراد أن يُعلّمني عبثاً العزف على الأوكرديون في قاعة الموسيقى بعد إلحاح منّي. خرجت عائلتي بأكملها بحثاً عني، وهرولوا نحو المشفى العام، حين أخبرتهم إبنة الجيران أنها سمعت عن شاب نُقل إلى هناك في حالة إسعاف.
كنتُ هزيلاً وكان هذا كافياً ليُقلقهم.

لم يعرف الأطباء الذين زرتهم في كل مكان سبباً لاعتلالي.
في دمشق قال مختص الباطنية، خريج مستشفيات بريطانيا، أنني أعاني من الحساسية في القولون، لأنني أعمل في مجال السينما والفن التشكيلي، وهؤلاء مرهفون، هكذا. وصف لي حبوباً باهظة الثمن، وقال الصيدلاني أنني يجب أن أتناول نصف حبّة في اليوم. وحين قرأت مواصفات الدواء على الورقة الرقيقة الملفوفة بعناية في علبة الدواء، فوجئت أنه عقارٌ يوصف خصّيصاً للمُصابين بانفصام الشخصية.

استمرّت الآلام والنوبات المجنونة التي دفعتني أحياناً إلى رطم رأسي بالحيطان، وحين انتهت النوبات، عانيت من أوجاع الرأس.
حملت كل هذا معي في فترة أداء الخدمة العسكرية، ولأنني تعوّدت على المُعاناة من هذا الألم فأنني لم أدع أحداً يعرف عنها شيئاً. وحين كنت أُصاب بنوبة كنت أنصرف إلى مكان منعزل، وكأنني كلب على وشك الموت.

في كوبنهاغن تابعت زياراتي إلى المختصين، وأيضاً إلى أنصاف سَحَرَةٍ من الذين أجروا عليّ تجارب وأعطوني عقارات مستخلصة من أعشاب أمازونية أو اخرى تعرّضت لإشعاعات نووية.
ظللت أحسّ بكارثة، وبقيت مؤرقاً في ظلام الليالي، وحينما أنهكتني كل هذه الأمور غفيتُ، ولم أكد أنام حتى أستيقظ مذعوراً تحيطني كوابيس أنساها بعد ثوانٍ.

«هل فُحصتْ كليتاك من قبل؟»، سألني الطبيب سورن. «لا، لم يحدث!»، أجبته.
اقترح تحويلي إلى المستشفى لإجراء بعض التحاليل. وخلال أسبوع أرسل مستشفى Herlev كتاباً يستدعيني إلى إجراء تصوير للكلى، مع تعليمات مُفصلّة عن الإجراءات.
حُقنت وريدياً بسائل أبيض يشبه الحليب، وبقيت دون حراك لمدّة ساعتين، بينما كان جهاز الأشعة يلتقط إشارات لا يفهمها غير الأطباء.
وبذات السرعة جاء الردّ إلى طبيبي، الذي أخبرني عن ضرورة ترك كل أموري والعودة إلى المستشفى، لأن نتائج التصوير أظهرت حصاة كبيرة في الكلية اليُسرى، لم يسبق لهم رؤية هكذا واحدة من قبل.
هكذا إذاً. سوف أضيف دراسات جديدة على علوم الطب، بحصاة حملتها في كليتي كل هذه السنوات. لقد كبرت، ببساطة، معي، وقد حان الوقت للتخلّص منها.
لم أتوّقف عن التفكير عن مدى سوء حظي، وأنا في سيارة التاكسي مع لينا متجهين إلى Herlev، وأيضاً عن قلّة خبرة العشرات من الأطباء الذين استغرقهم كل هذا الوقت كي يتوصلوا إلى كشف الحصاة اللعينة.

مستشفى Herlev يقع في ضاحية كوبنهاغن الشمالية الغربيّة التي تحمل ذات الإسم، وحال إنتهاء أعمال البناء في العام ١٩٧٦ صارت له شهرة عالمية كبيرة، بسبب مظهره الذي يُشبه مئات صالات الفنون الحديثة، فلا غرفة تشبه اخرى، ولا ممرّ يشبه الآخر. قام المُصمّمون باختيار ألوان فاقعة وصادمة أحياناً، مُبتعدين عن كل ما بُني قبلئذ من مستشفيات.
من جاء بفكرة أن الغرف يجب أن تكون بيضاء، مثل الأسرة وأغطيتها، وكأنها تهيئة للمرضى بالخطو نحو الجنّة؟
رُكنت في الطابق الخامس عشر، قسم النفرولوجيا، وفي غرفة بهيجة فيها ثلاثة أسرّة، يشغل إحداها رجل ستيني يشرب البيرة من زجاجة كارلسبيرغ الخضراء.
فيما بعد، عرفت أن الأطباء لا يمانعون في إحتساء البيرة في هذا القسم، لا بل يُشجعونها، لأنها تُساعد في تنشيط عمل الكلى وحثّها على درّ البول. يا للشياطين.

استبدلت ثيابي، وارتديت بزّة بيضاء تشبه فساتين السلفيين، ثم انضممت إلى لينا التي كانت تجلس في الردهة القريبة. «سأستدعيك حالما يتفرغ رئيس الأطباء». قالت الممرّضة المربوعة، ومضت هازّة ردفيها الثقيلين.
رئيس الأطباء قال، وهو بصحبة ممرضتين إحداهن كانت تكتب كل ما يُقال، أنهم سيجرون عملية تفتيت للحصى في صباح اليوم التالي، وضرورة أن أتوقف عن تناول الطعام تماماً.
قامت الممرّضة بوضع إبرة سميكة ثقبت ظاهر كفّي وثبّتتها بشريط لاصق أصدر صوت تمزيق مُخيف، وربطتها بحامل لكيس فيه سائل شفاف، وأوصتني بالنوم باكراً كي أنسى شعوري بالجوع.

في الصباح الباكر، وكانت لينا قد عادت أيضاً، جاء رجل طويل القامة ينتعل قبقاباً أبيض اللون لا يُصدر أي صوت، وفكّ فرامل سريري وسحبني نحو مصعد واسع يفتح أبوابه بقرعة جرس.
كنتُ أُراقب مهرجان الألوان على الأبواب والحيطان، بينما لينا تمسك يدي وتُحاول أن تدوزن سرعتها مع سرعة الرجل بالقبقاب. وقبل أن يدخلني إلى قسم العمليات، قبّلتني لينا وتمنّت لي حظاً طيباً وقالت أنها ستكون بانتظاري.

في الثمانيات، لم تكن تقنية إجراء العمليات بالمنظار قد اكتشفت، لذا فأنهم ثقبوا ظهري وفجّروا حصاتي وكأنها في منجم.
وحينما استيقظت من تأثير المورفين، كانت الحصى تسدّ تماماً المجاري البولية مُسبّبة آلاماً مُرعبة، فسارعت الممرضة بوضع قسطرة تنتهي بكيس عُلّق بفستاني من الداخل، إمتلأ على الفور ببول داكن بلون الدم.
كان يوم جمعة من شهر ديسمبر عام ١٩٨٥، ومن النافذة رأيت أضواء مدينة كوبنهاغن المُزيّنة بعشرات الآلاف من اللبمات تحضيراً لأمسية عيد الميلاد. وحينما أخبرني الطبيب المختص أنهم مُجبرون على إجراء عملية اخرى يوم الإثنين، صرخت بوجهه قائلاً أنني لن أقضي الأيام القادمة وأنا مربوط بهذا الكيس، مُهدّداً أنني سأخرج إلى الشارع كما أنا.
أراد أن يقول أشياء عن قلّة عدد الطاقم الطبي بسبب عطلة نهاية الأسبوع فلم أُصغ إليه، بل ازددت عناداً.
بعد نحو نصف ساعة عاد وقال لي باسماً أن عمليتي ستكون غداً صباحاً.
وحينما كشف تحليل الدم ذاك المساء عن حاجتي إلى نقل الدم، رفضت وكأنني من شهود يهوه، مُصرّحاً عدم ثقتي من خلّوها من فيروس الايدز.
الغريب في الأمر، أن المستشفى اكتشف، بعد مرور عشر سنوات من رفضي التاريخي ذاك، أن عدداً من المرضى أصيبوا بمرض نقص المناعة جرّاء عمليات نقل الدم، وشكّل هؤلاء جمعية لها محامون جرّوا المسؤولين في القطاع الصحي إلى المحاكم، لأنهم تقاعسوا عن مُعالجة أكياس الدم بالحرارة التي كانت كافية لتنظيفها من الفيروس.

في الساعة السادسة من صباح اليوم التالي، جاء رجل القبقاب مرّة اخرى، ونقلني بصمت مُطبق إلى غرفة العمليات. لينا لم تكن هناك. وحينما استيقظت كانت الوقت ظهراً، وجلست لينا بجانب سريري بوجه حزين مبستم.
كانوا قد قطعوني إلى نصفين تقريباً مثل خروف، من نصف الظهر إلى منتصف البطن من الجهة اليُسرى، وكي يصلوا إلى الكلية وإزالتها فأنهم اضطروا إلى إزالة ضلع من القفص الصدري. إزالة ضلع؟ حسناً، صرت كالنساء الآن، ألسنَ ناقصات ضلع؟
كم نقص وزني، يا ترى، بعد إستئصال كليتي اليُسرى؟ هكذا فكّرت.
قالت الممرضة أنني يجب أن أتناول طعام الغداء قريباً، وأنها ستساعدني على السير قليلاً بعد ذلك. وسرعان ما فاحت رائحة طعام ملأت ممرات وغرف قسم النفرولوجيا.
وحينما وضعت صينية الطعام على الطاولة المتحركة مثل طاولة مقاعد الطائرات، رفعت غطاء الألمنيوم نصف الكروي عن صحن فيه بطاطا مسلوقة، وشرائح غريبة الشكل مُغطّاة بصلصة بُنيّة قاتمة.
«ما هذا؟». سألتها. «كلى بصلصة بُنيّة». أجابت. فصرخت سائلاً بصوت واهن جداً «هل هي كليتي؟».

- الكتاب الأخير من ثلاثية: قامشلو، شام وكوبنهاون.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية