لا اظنهم يجهلون ما يفعلون !

عارف معروف
2019 / 2 / 3

بعد ان تم تحطيم الصناعة العراقية بالكامل عبر السنوات الماضية ، حيث أغلقت اكثر من ثلاثمئة مصنع حكومي أبوابها في حين بقيت بضعة مصانع ينخرها فساد الإدارة والفساد العام ويكاد يأتي عليها كلها بالتالي ، وأغلقت اكثر من عشرة الاف معمل قطاع خاص أبوابها لأسباب مختلفة ، أهمها على الاطلاق ، اغراق الأسواق بالبضائع الصينية الرخيصة أولا ، ووقف أي شكل من اشكال الدعم الحكومي ، المطلوب والواجب لبناء صناعة وطنية ثانيا .....
وبعد ان تم تحطيم الزراعة العراقية ، لأسباب مختلفة كذلك ، وحلت محلها منتجات زراعة دول الجوار ، جاء الدور على البقايا الباقية من البنية الاقتصادية العراقية ليتحول العراق الى ارض يباب تعيش على مورد واحد قلقٍ في تدفقه ومضطربٍ في وجوده نفسه ، مثل المحاولة الأخيرة في خصخصته ووضعه في جيب بضعة انفار تحت واجهات شتى ، واعني النفط ، الذي كان وما يزال ميدان معركة مصالح متصارعة وارادات متناحرة ، صارت الأضعف والاقل قدرة فيها جميعا، المصلحة الوطنية العراقية والإرادة الشعبية العراقية عبر حيل ووسائل شتى ليس اقلها الكذب على الشعب وتضليله مثل حيلة ما سمى بصندوق المواطن في قانون شركة النفط " الوطنية " المقبور ، والتي حُسبت على شتى الوجوه فلم تزد عن مبلغ بالغ التفاهة يمكن ان يصيب المواطن سنويا ولا يزيد في افضل الفروض على ال40 دولارا سنويا !!!
يأتي الان الدور ، عبر نفس القوى والشخصيات ( جماعة شركة النفط " الوطنية " و" صندوق المواطن " )، على مرتكزات أخرى ، لا يمكن لعاقل ان يفكر بتصفيتها او اضعافها ،لأنها ضرورية حتى لنوع البنى الاقتصادية التي يعلنون انهم يؤمنون بأفضليتها وأنهم ماضون الى تحقيقها ، فقد اعلنوا في البداية انهم سيزودون الأردن بالنفط العراقي بسعر خاص لانهم سيحصلون بالمقابل على اعفاء اردني للسلع التي يستوردها العراق عبر موانئ الأردن ، ورغم ان مثل هذا الاعفاء لا يمثل أي توازن معقول إزاء بناء أنبوب نفطي يمر عبر الأردن ويعود بالنفع اليه ويتحمل تكاليفه العراق( اكثر من 18 مليار دولار ) او مبالغ السماحات الممنوحة للاردن في سعر كميات النفط العراقي المجهزة له ، فان الحقيقة التي انكشفت بعد أيام هي ان هذا الموضوع زائف وتضليلي هو الاخر ، فالإعفاء ليس اردنيا وانما عراقيا للبضائع والسلع الأردنية المستوردة للعراق !
ان حسبة بسيطة لهذا الامر يمكن ان تكشف آثارا وبيلة ستترتب عليه ، وقد يكون بعضها هو المقصود والمطلوب ، أساسا ، في كل هذه ( الطربكة ) ومنها :
• ان الاعفاء سيعني توجه معظم المستوردين العراقيين الى الاستيراد من الأردن
سيلجأ التجار في الأردن الشقيق ، بالنتيجة ، ولتغطية احتياجات العراق التي لا يستطيع واقع وإمكانات الأردن تغطيتها الى حيلة معروفة جدا في عالم التجارة اليوم وسيوّردون لنا كل ما نريد من الصين بعد طلب تغليفه بما يناسب الادعاء بكونه صناعة اردنية ووضع عبارة " صنع في الأردن " عليه بدلا من " صنع في الصين " وستخسر كماركنا ومنافذنا مواردها لصالح التجار الأردنيين !
• سيطلقون بذلك رصاصة الرحمة على ميناء ام قصر أولا وبقية المنافذ الحدودية التي سوف تحرم في الواقع من دخول اية كميات معقولة من الاستيرادات عبرها لوجود حاجز الرسم الكمركي والضريبة !
• قد تجيء البضائع الإسرائيلية تحت هذه العباءة نفسها " صنع في الأردن " ومعفاة من الرسم الكمركي هذه المرة ، ولربما كان ذلك هو المقصود أصلا !
• هذا اذا تجاهلنا الفائدة التي سيجنيها بعض اللصوص والإرهابيين المطلوبين للقضاء العراقي والمقيمين في الأردن ( كورقة ضغط وقوّة تحت الطلب ، دائما ) كموردين او عبر الكوميشنات من خلال ادعاءات التسهيلات والصلات الشخصية وغير ذلك وسيكون العراق ممولا غير مباشر لأعدائه !
هذا اذا قصرنا نظرتنا الى ما هو قريب ومباشر ولم نمد النظر الى افق ابعد وهو ان تكون هذه الصفقات جزء مهم من سياسة تكوين المحاور وفتح المقتربات وتعبئة القوى وتهيئة المقرات الخلفية لشرور اكثر خطرا تراد بالمنطقة وشعوبها ، ومن المؤسف ان يكون العراق ، دائما ، مطية لهذه الشرور وان تذهب دماء ابناءه وثروات شعبه في الطاحونة نفسها التي لم تكف عن سحقه يوما !

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي