حروب البحار وصراع الطاقة

ميمد الشعلان
2019 / 1 / 31

الكثيرون من عموم الناس لا يدركون البعد الجيوسياسي، وكذا الخلفيات الاقتصادية للأطراف القائمة على صراعات الغاز والطاقة التى تدور فى بحار ومحيطات الكرة الأرضية.

نجد مما لاشك فيه أن الطاقة هي عصب السياسة، ولا يمكن فهم خريطة الصراع السياسي إقليميًا دون فهم حقيقة الصراع الدائر حول الطاقة.

يشكل الغاز مادة الطاقة الرئيسة بوقتنا الحالي في ظل تراجع مستويات النفط عن سابق عهده، وكذلك في ظل تنامي الطاقة المتجددة والاستدامة والتحذير من انتشار المفاعلات النووية في توليد الكهرباء بما لها من مخاطر وحيثيات سببًا للصراع الدولي. كل ذلك ساعد الكثير من الدول الرائدة في تزويد أوربا والعالم من مصادر الغاز ولذلك لمصادر اقتصادية بحتة.

أن اكتشافات الغاز الأخيرة فى البحر المتوسط ستزيد من احتمالات التصعيد العسكرى، ففى الوقت الذى تسعى فيه روسيا لأن تصبح أكبر مصدر للطاقة والغاز فى العالم، بدأت تعزيز قواعدها العسكرية من خلال؛ الأولى تتمركز أمام طرطوس فى سوريا، والأخرى بجوار ميناء قبرص، في نفس الوقت أبرمت أنقرة إتفاقية لنقل خط الغاز الممتد من دولة أذربيجان لداخل الاتحاد الأوربي، مما سيشكل حالة تنافسية كبيرة لآخر مشروعات غازبروم الروسية وبالتالي عدائية أكبر في تعزيز خطوط غاز الأخيرة من خلال (التشورني موري) ومن ثم إلى وسط أوربا. ومن المرجح لعبة الكراسي الموسيقية بين السياسية والجغرافية قد نالت رضاء الطابور الخامس في العصف بمكانة المارد الأحمر لعقود من الزمن.

ماتقوم به تركيا الآن هي وسيلة من أجل حلم طال الأمد وترسيخ مكانتها الأوربية وانضمامها للاتحاد الأوربي من خلال عقدة الغاز الأهم في العالم، حيث سيمر منها مايقارب من ثلثي أطوالها، ومع وصول تركيا لأنهاء ماتصبو له، نستشف بدورنا دور الولايات المتحدة في تطويق الدب الروسي اقتصاديًا من خلال أنقرة، وفي المقابل قائمة من الوعود بدأت بصعود حزب العدالة والتنمية والأمساك بزمام الحكم، مع سيطرتها على الغاز القبرصي والنفط السوري، على أن تكون مصادر الغاز اللبناني تحت النفوذ الصهيوني، وفي النهاية يقبل انضمامها بالاتحاد على حساب اليونان التي تعاني اقتصاديًا حتى يومنا هذا.

مايصير الآن يثير الكثير من التساؤلات العجيبة:
هل فعلا يتبنى حزب العدالة والتنمية الإسلام الوسطي؟
هل فعلا مايقوم به أردوغان هو إحياء لدولة الخلافة القديمة أم يعيد عثمانية جديدة يكون عدوها الإقليات وليست صهيونية هرتزل؟
هل ستتخلى تركيا عن أراضيها مثلما فعلت مصر لتزيد نفوذها على غيرها؟

وجود إيران على خارطة الشرق الأوسط الأكبر؛ جعلها تمثل حلقة وصل بين القرن الأسيوي وأوربا وكذا كونها ثاني احتياطي للغاز في العالم بعد روسيا الاتحادية، فهي تعي هيمنتها على الصراع الإقليمي على ريادة توريد الغاز الطبيعي بما له من جسر دولي في كسر الحصار الأوربي لاقتصاداتها، وعلى الرغم من معارضة واشنطن للوحش الإيراني، إلا إن السياسة الدولية بتغير خارطة الطريق زمانيًا ومكانيًا، بما له من منافع مشتركة طويلة الأمد. إيران لم تكن لترغب في معاداة الولايات المتحدة الأمريكية واحتكار روسيا وتنظيم جدول أعمالها بالقرن الأسيوي بما فيها الصين والهند، لكن إيران تعتبرها وسيلة لقنطرة استراتيجية تربطها مع أوربا من جديد لخدمة مصالحها المتوقفة منذ عقود وتسليط الضوء على نفسها في سحب البساط من دول التعاون الخليج العربي زائد واحد- قطر.

قطر، الدويلة التي ارتفع نجمها كأكبر مورد للغاز المسيل بالعالم بزغ مخططها الاستراتيجي في استعراض عضلاتها من خلال احتياطياتها المفزعة من الغاز وفي ظل الصراع السياسي مع دول الجوار، لكن مع زيادة الطلب الأوربي على واردات الغاز المسال؛ مما يدعم طموح قطر للبترول في النمو عالميًا.

مع انفتاح السوق العالمي وتنامي العرض في ظل اكتشاف حقول الغاز بشرق البحر الأبيض المتوسط؛ زادت الرغبة الحقيقية للكيان الصهيوني في اتساع نفوذه الاقتصادي عن طريق رفع معدل وحدات صادارتها من الغاز قبيل سواحل حيفا، ولما لا؟ وقد أصبحت شريك قوي مع أكبر شركات النفط الأمريكية والأوربية في العالم، والتي جعلت من الكيان الصهيوني نموذجًا في استثمار ثرواتها الطبيعية ومنها مد خط الغاز مرورًا بسوريا ولبنان إلى عمق أوربا موازيًا لخط الغاز القطري، اللهم وإن الأحداث في سوريا حالت دون حدوثها، لكن مازال الكيان الصهيوني يسعى مرارًا وتكرارًا في توسع نشاطها الاقتصادي بالمنطقة.

كل هذا وذاك يجعلنا نتوجس خيفة من النهج الأمريكي الجديد من خلال حلفائها المنضوين تحت رايات أممهم المتمثلة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط وبالأخص دول حوض البحر الأبيض المتوسط، وليس كالعادة! إنما يتحول العالم بشكل جذري نحو السيطرة على منابع الطاقة لتكسير العظام وقنص الأهداف في بسط السلطة والنفوذ، وتطويق روسيا والصين بعيدًا عن كنوز المتوسط والأطلسي، بل وإن صح التعبير هي نهاية بداية للحرب الباردة الثانية بين القوي العظمى القديمة والقوى العظمى الصاعدة؛ فالصراع الحالي على مصادر الغاز ببحيرة قزوين بين روسيا وجورجيا وروسيا وتركمانستان وأرمينيا مع وجود داعم صيني قوي، جعلت القوى العظمي الأخرى تضرب موعدًا جديدًا بسط سلطانها على تلك المناطق الساخنة وتثبيط جهود القوى الصاعدة أو إلحاقها في صفوفها بخندق واحد لممارسة سادية ترتكب في حق الإنسانية دون رحمة أو هوادة، حيث أصبح النزاع من أجل البقاء وليس للإرتقاء.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية