من الكون الفسيح إلى عالم -الرُبع فلامانك-

محمد السعدنى
2019 / 1 / 30

أحذرك قبل أن تقرأ فالقصة مراوغة، وهذا لايعيبها فى ذاتها بقدر إدانته لماتعكسه من واقع حياتنا فى عالم متقلب طبع الناس والأشياء والدنيا من حولنا بطابع الزيف والانتهاز والمخاتلة، فصار عنوانه عدم اليقين والالتواء والتكلف والكذب. تجلى ذلك فى عوالم الاجتماع والسياسة والثقافة والمعاملات وحتى سياسات الحكومات والدول والنظام العالمى، كما عند البشر كبارهم وصغارهم، لا فرق. لقد تخفى العالم وراء شعارات وعناوين خادعة كاذبة وتخلى عن إرثه القديم فى "البحث عن الحقيقة" إلى محاولة "البحث عن أى قيمة أو معنى" تبرر الهيمنة والاستبداد والتحكم فى الناس واستغلال الشعوب وإخضاع الدول.
لكأننا فى رحلتنا الانسانية تحولنا من النظر إلى الكون الفسيح ومحاولة سبر أغواره، إلى العالم الضيق حولنا لتبرير أخطائه وأخطاره، من كبريات القضايا إلى صغارها، "من سؤال الحقيقة إلى البحث عن أى معنى"، فيالها من كوميديا سوداء وفنتازيا العالم الموازى المصطنع، بما آلت إليه الأحداث والسياسات والمفاهيم والأفكار والرؤى والقضايا.
ولعل فى قصتنا مايجسد أزمتنا ويعكس واقع حياتنا وعالمنا، ولسوف أقدمها لك بنفس لغتها العامية حتى لاتفقد تأثيرها. تقول الحكاية: دلف الرجل إلى محل البقالة ليقابله البقال البادى عليه أثر العمر الطويل من خلف زجاج ثلاجة العرض، ودار بينهما الحوار التالى: "لو سمحت ممكن ربع فلامنك. إشمعنى فلامنك يعني؟ . بحبها أنا بحب الجبنه الفلامنك. وعرفت منين إنك بتحبها أكلت الجبنة البيمستر الهولندي ولا الإمنتال السويسرى؟ لأ ماكلتهاش. يبقى أنت مبتحبش الفلامنك، إنت متخيل إنك بتحبها عشان مجربتش الأحلى منها. مش فاهم. أفهمك، إنت مثلا متخيل إنك راجل محترم، بس إنت مش محترم ولا حاجة، كل الموضوع إنك متحطيتش تحت الضغط اللي يطلع النقص اللي جواك، زي الفرق ما بين الحرامي والشريف، الحرامي احتاج فلوس فسرق والشريف معاه فلوس فلسه مسرقش. إنت عايز إيه يا عم الحاج البقال؟. عايزك تعرف إنها ماشية بالستر يابني، إنت ذكي عشان اللي حواليك أغبى منك، مثقف عشان اللي حواليك أجهل منك، لكن في ظروف تانية وناس تانية كان ممكن تبقى جربوع واغبي واحد في الدنيا، الدنيا مفيهاش ثوابت غير إن كلنا هنموت، الفلامنك زي الإسطنبولي، الطعم ده وهم، إيحاء نفسي، الموضوع يتوقف على قناعتك الشخصية إن اللي بتاكله ده طعمه حلو، طب تفسر بإيه إن فيه شعوب بتاكل ضفادع وصراصير؟ ولو حد فيهم جه هنا وعزمته على كبدة وممبار ممكن يقرف أو يرجّع، ده وهم يابني صدقني، الفلامنك زي الإسطنبولي. طب انت عاوز توصل لايه من الآخر كدة عشان أنا تعبت وبدأت أشك في نفسي وفي كل حاجة. أنا عاوز أقولك خد ربع إسطنبولي. ليه تانى؟. أصلي معنديش فلامنك". هنا انتهت القصة، لكن لم ينتهى سؤال المعنى، فذلك البقال الأريب ليس لديه "فلامنك" وفاقد الشئ لايعطيه. لكن البائع هنا لايعترف بالنقص عنده، فيلجأ للمراوغة ويحمل الآخر مغبة نقصه بل يتمادى فى تسفيهه والنيل منه والتقليل من احترامه وقناعاته ونزاهته ويشككه فى ذاته، بل راح يفرض وصايته حتى على ذائقته فى نوع الجبن الذى يحبه.
شئ من هذا يحدث فى عالمنا المراوغ، وكأن فى قصتنا تجسيد لما يفعله ترامب مع أوروبا وسوريا وإيران والعراق واليمن وروسيا والصين وكافة الدول من حلفاءه وأعدائه على السواء، وحتى مع الكونجرس ونوابه ورجال إدارته الذين يقيلهم ويسفههم ومخابراته التى يراوغها علناً ويكذبها، لكأنه وحده الذى يعرف كما البقال فى قصتنا، بينما العالم كله بالنسبة له كما صاحبنا سئ الطالع الذى قادته قدماه ذات مساء أغبر إليه، لايعرف وعليه أن يكذب نفسه ليصدق شطحاته هو وادعاءاته. والقصة ماثلة أيضاً فيما حدث فى فرنسا وحكومتها التى فرضت قصراً سياساتها الرأسمالية المتوحشة على شعبها، ما أسفر عن ظهور أصحاب السترات الصفراء. إنها قصة الربع فلامنك متجسدة فى كل ذلك وغيره مما يحدث فى تونس وسياساتها، وما يحدث فى السودان ومظاهراتها، وما يحدث من أردوجان بإصراره على غزو "منبج" وفرض وصايته على أكراد سوريا رغم أنف حكومتها. والقصة ماثلة أيضاً فى إرهاب الدولة الذى يمارسه نتنياهو بضرب سوريا والاعتداء على سيادتها لتحالفها مع إيران وحزب الله. وهى ظاهرة فى مجالنا المصرى العام، جلية فى إعلامنا الفارغ من كل معنى، المتطاول على الناس بكل غباء وسطحية. الأمثلة كثيرة، والقصة رغم مراوغتها فهى موحية وملهمة، تحيلنا إلى سؤال المعنى الغائب والقيمة المفقودة، وربما تشير بطرف ظاهر غير خفى إلى أننا نعيش عالماً يصدق فيه قولنا: "إنه عالم الربع فلامنك".