مأساة فلاح عراقي*

محمد علي الشبيبي
2019 / 1 / 25

مقدمة لابد منها
سبق ونشرت لوالدي علي الشبيبي -طيب الله ثراه- مجموعتين قصصيتين (السر الرهيب) و (هذا من فضل ربي). ومن اليوم سأسعى لنشر مجموعة الوالد القصصية الثالثة بعنوان (وادي الأحلام) وهي 17 قصة وحكاية، كتبها -كما أعتقد- ما بين عام 1930-1938، وهي بدايات محاولات الوالد في الكتابة القصصية. إن أفضل ما أقدمه لذكرى والدي هو العمل على نشر تراثه. هذه الأمنية التي كانت تراوده طيلة حياته لكن الظروف السياسية القاسية وانعكاسها على وضعه العام -من فصل، وملاحقات واعتقال، وسجون، وتبعات أخرى- كانت حائلا جديا لعدم تمكنه من طباعة ونشر مخطوطاته، مع العلم أنه نشر الكثير منها في بعض الصحف العراقية والعربية.
وعن مجموعته هذه -وادي الأحلام- كتب والدي التعليق أدناه، وقد نشرته خطأ في مقدمة المجموعة السابقة (هذا من فضل ربي)، لذلك أعتذر عن هذا الخطأ. ومع هذا أجد أن التعليق صالحا لكل مجموعاته القصصية. لذلك وجدت من الضروري نشر تعليقه لأنه يعطي صورة متكاملة عن محاولات الوالد في كتاباته وتطور اسلوبه وتفكيره، وهو يكتب عن كل ذلك بتواضع وصدق. فكتب الوالد بتاريخ 17/10/1966 في إحدى مخطوطاته الملاحظة التالية عن قصصه:
((هذه مواضيع كتبتها في أول شبوبي (بين اعوام 1930-1938 كما استنتج من ملاحظات الوالد وبعض التواريخ/ الناشر)، وفي ظروف ما كنت فيها ذا نهج معين. فأنا أتلقف ثقافتي من مصادر مختلفة. أبي وأصحابه من جهة، وأساتذتي الذين أدرس بحضرتهم، الفقه وأصوله، العربية وآدابها[1]. ومن جهة ثانية أندية النجف ومجالسها وما تتضارب فيها من اتجاهات مختلفة وأراء متباينة. هذا الى جانب ما فيّ من نوازع الشباب ونفوره، ومطامحه وغروره، وجهلي الناجم عن ضغطه عليّ وتقييده لحريتي، وحجزه لأفكاري ورغباتي.
كل هذه الفوضى، وانعدام التوجيه المنظم، خلقت بي عقدا، وسببت لي إنطوائية، طغت على كل مشاعري، وأحالتني الى كشكول درويش. فأنا جبراني الاسلوب -تقريبا- في كتاباتي، والكآبة التي تغمرني والغموض الذي يكتنفني. وأنا فكه أحب النكتة اللاذعة للفراغ الذي يملأ حياتي من جهة، والكتب التي ترهق نفسي من جهة ثانية وأنا مثالي صارم مع نفسي وأصدقائي في كثير من الامور بسبب المحيط الذي يحصرني بين ابي والمجالس النجفية التي لا تخرج الى ابعد من اجترار الادب الموروث، والجدل -البيزنطي- السقيم. وأنا متمرد! ولكن تمرد مكتوف اليدين، موثوق الساقين، مكموم الفم.
عن مثل هذه الحياة التي حييتها، انعكست هذه المواضيع فلا تستغرب قارئي الكريم، إذا ما وجدت فيها تناقضات أو أخيلة، أو ترهات!
وحسبي ان استقامت أفكاري بعد حقبة من السنين[2] ... إلا أني حباً بذكريات شبابي، واعترافا بأخطائي، أحتفظ بهذه المواضيع، ليس اعجابا بها ولا إيمانا بصحتها، إنما هي بالنسبة لي كالأبناء للوالد، يكون فيهم الأبله، والذكي، والقبيح والجميل، والجاهل والفهيم، ولكنه يحبهم جميعا، حبا تختلف درجته وحنواً تتفاوت نوعيته.
فليكن لي العذر من أي جيل كان وأي زمن! كربلاء/ علي محمد الشبيبي))
الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد/العباسية الشرقية
25/01/2019

مأساة فلاح عراقي*
في أواخر سلطة العثمانيين، يوم كان مدحت باشا والياً على العراق من قبل حكومته. أيام كان العراقيون يرتجون منهم تخفيف وطأة الظلم عنهم. فمدحت باشا كان يعمل بكل جهد، على إخراج العراق من ربقة استعمار آل عثمان.
وبهذه الآونة التي كان يرجى ختام رواية الاستعباد والتتريك بحكمة ذلك الوالي الذي يرى فيه الناس رحمة وحناناً وعدلاً وإنصافاً. كان بهجت بك –التركي- قائم مقام النجف، إذ ذاك، قد أستعد لتمثيل دور مناقض لما يريده مدحت باشا. فيه كل ما يناقض سياسة مدحت باشا، لدور جديد فيه كل ما يمكن أن يتصوره المستبد من الظلم الفاحش.
في تلك الأيام المظلمة، وفي حقبة ذلك العصر المليء بالمخاوف والفواجع، يوم كان الأحرار، يصارعون أنفسهم أن تخضع –وهي الأبية-، ويوم كان الفلاح العراقي يعاني أشد الظلم والعناء من تلك الحكومة الجائرة المستبدة، والتي لا تعرف للرحمة اسماً ولا للعطف ذكراً. في ظلال تلك الأيام السود عاش –سعد- ذلك التعيس المنكود الحظ، وكان بطل هذه المسرحية التي مثلها بهجت بك.
كان سعد فلاحاً، يحرث أرضه ويسقيها، وما كان نتاجها في ذلك الوقت يقيم اِوَدَهُ. فتراكمت عليه الديون، وشح عليه حتى الدرهم، إلا اليسير الذي يقيت به عياله!
وسعد واحد والديه، وكانا طاعنين في السن، مالهما غيره، سوى صبية صغار، وكان والده الشيخ لا يستطيع أن يقوم بأي عمل، وقد توّلت عينيه غشاوة الكبر. فكان سعد مثال الجد وتحمل البلاء. فما استطاعت المحن أن تمحو الابتسامة عن شفتيه. ولم تبدل أناشيده التي يرددها حين يسقي ألواح الزرع. فهو مافتئَ مرحاً طروباً، لطيف الابتسامة، جميل المحيّا، لذيذ الحديث، رخيم الصوت، وعذوبته هي التي جذبت إليه التعاسة. وشاء القدر أن يجعل هذا الشاب رمزاً لحياة الفلاح.
في صباح يوم من تلك الأيام، بينما كان سعد يشتغل في بستانه بعمل من أعماله، لاحت له بالتفاتة عن يمينه إلى جانب النهر، فتاة كانت تنظر إليه بوله، وكأن جسده النحيل قد تجمد، وأسبلت هي يديها الى الأرض بارتخاء وشبحت بعينيها إلى جهة سعد وبكل هدوء، كانت تصغي الى أغانيه، إنه مأوى الهموم والأحزان والشقاء. وكأن طرب سعد وأفراحه في أيامه السالفة، كان كاستفسار عن هذه الروح التي صادفته ذلك اليوم.
تملكت سعد تلك الساعة دهشة، وعرت جسمه رعشة، وعصف بقلبه اضطراب، فالقى المنجل من يده، واستسلم لا يدري ماذا حل به. ولا يعرف ماذا سيكون. وفي هذه الآونه تم بين روحيهما وعينيهما تفاهم غريب. ترك كلا منهما اليف السهر. وقلب تلك الأناشيد الضاحكة من سعد أناشيد حزن وألم. تسيل دموعه كلما سقى الزرع، ويئن كلما غنّت الناعورة، ويحن كلما غردت طيور حقله، وظل بين ساعة وساعة يقف بمكان الذكرى. مكان حبيبته التي لم تعد لتزور ذلك البستان منذ ذلك اليوم، الذي فارقته حاملة جذوة الحب المقدسة بقلبها الحساس. فلم يجدها بعد تلك المرة بين الفتيات والنساء اللاتي اعتدن المجيء إلى البساتين لغسل الثياب، والارتياح بين الماء والزرع، لكنه عرف منذ ذلك اليوم اسمها ومكانها وأسرتها. غير أنه لم يستطع أن يمر على باب دارها، رعاية للشرف.
ومضت شهور قاسى فيها سعد الألم، فقلبه يتقطع حرقةً ووجداً. حتى أسعده الحظ يوماً. وأنعم عليه بزيارة حبيبته. وقد غلب عليها الشوق، فجاءت تتستر برداء الصبر، وبلا شعور أستقبلها سعد، وكاد من الفرح يطير.
كان البستان ذلك قليل الوافدات، وفي ناحية بعيدة أجتمع بها، والحياء ما بينهما رقيب، وسلطان الحب اهاب بهما عن كل سوء، وارتفع بهما عن كل شهوة. فطارحها الشوق والغرام. وكاشفته هي اللوعة والسقام. فلم يمتع نفسه منها بقبلة لأن رهبة اللقاء أنسته كل شيء. وفارقها وكان هذا فراقاً أبدياً! لم يخلف في قلب سعد غير الحسرة والزفير.
بعد أيام قصيرة من هذا اللقاء، جاء بنو عم لتلك الفتاة فزُوِجَت من أحدهم، في بلاد نائية ليس لسعد فيها صلة ولا قرابة.
وهام سعد على وجهه لا يعرف العمل، ولا يأوى لبيته ولا لبستانه، هام في الوادي التفر، بين قبور رهيبة، وحفر موحشة. وظل والده الشيخ للنواح والبكاء. حتى ذهب بصره. وقعد به الهم عن ان يفتش عن ابنه الشقي. واستولى الخراب على حقله الزاهي باليسير من الزرع فعاد قفراً ما فيه غير سعفات يابسات.
وجاءت شرطة -بهجت بك- تطالب بالضريبة المفروضة على ذلك البستان الخراب، الذي لا يؤدي نتاجه ربع أتعابه، فلم يجدوا سعداً وما كان من الشرطة إلا ان دخلوا الكوخ فشردوا العيال. وراحوا يوسعون ذلك الشيخ ضرباً موجعاً. وظلوا يراجعون الكوخ كل يوم لكنهم لم يعثروا على سعد اليائس.
وفي يوم شديد الحر، اختلج قلب سعد، فحن وتذكر والديه الشقيين وصبيته الذين كان لهم ولياً. عطفته نحو عائلته عاطفة الحب، وعاد ظهر ذلك اليوم كالغريب. عاد إلى أهله بعد فراق طويل. وعصر ذلك اليوم جاءت شرطة ذلك الباغي الظلوم، ودخلوا الدار فجأة، فوجدوا سعد تحف به عائلته الشقية. يذرفون الدموع وينشجون نشيجاً. لكن هذا المنظر لم يؤثر على تلك القلوب الصخرية. بل صاحوا بهم صيحة أخرستهم. فبهتوا محدقين بعيون متجمدة نحو الشرطة، ثم توسلوا إليهم، فلم يجد التوسل والاستعطاف، وقادوا سعداً من بين أهله لا يعرف ما يراد به، وراحوا به إلى القائم مقام بهجت.
حين رآه بهجت تقدم إليه بحدة وركله ركلة قوية كانت سبباً لوفاته بعد ساعتين! ولكن من ذا يعترض، ومن ذا يتكلم، وحمل شهيد البؤس والغرام ميتاً. أما حبيبته فقد جاءت يوم دفنه، وصدرها رحيب بأمل اللقاء، ويا بؤسها. فأنها عندما سألت لم تحصل إلا على من يدلها على قبره تبكيه وتندبه.
للمربي الراحل
علي محمد الشبيبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- نشرت في جريدة الراعي العدد 13 صفحة 9 في 05/10/1943. أوحى لي بكتابتها الأستاذ عبد الوهاب الصافي الذي رأس جمعية الرابطة ثم عُين قاضياً. وكان هذا قبل تأسيس الجمعية (1932). واليوم بعد زمن طويل، كنت أقرأ عن العثمانيين في العراق فورد أسم –بهيج- قائم مقام في النجف. ولكن ليس في عهد مدحت باشا، كما ذكر لي السيد عبد الوهاب. فمدحت باشا كان في العراق عام 1869م بينما كان هذا في عام 1915م. وقد نشرت القصة ولم يلاحظ أحد هذا الخطأ!
الواقع أني أنقل هذا الذي كتبته قبل 45 عاماً، وأنا متعجب كيف نشر الخليلي هذه وأمثالها وهي ركيكة أسلوباً وأسس قصة وتسلسل الحدث وكيفيته. ولكن تذكرت أن المرحوم الأستاذ جعفر الخليلي هو الذي خدم النجف وشبابها وفسح المجال لهم. فان هم قصروا في أول الشوط فقد برزوا بعد هذا. فهو مدير مدرسة القصة والرواية في النجف، بل في كثير من مدن العراق.
1- في النحو واللغة درست عند متعددين، أولهم الشيخ خلف البهادلي ثم الشيخ حسن لحامي، وفي المنطق الشيخ محمد رضا المظفر، وفي الفقه وأصوله عند الشيخ طاهر الشيخ راضي وقريبه الشيخ هادي، والسيد أمين الصافي والسيد مير صهر السيد ابي الحسن الاصفهاني.
2- تعود الى أعوام الاربعينات حيث أقبلت على الصحف والمجلات التقدمية والفلسفة المادية. حيث أقبلت بشغف على مطالعة الفلسفة الحديثة للدكتور عبد المنعم خلاف وغيره.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت